- بهاء طاهر : الجدل مع النقاد مضيعة للوقت - بعد حصول محفوظ على نوبل انتشر وباء كتابة الثلاثيات - الدولة مازالت غائبة .. والإنترنت زاد من ترويج الكتب
كتبت - شيماء فؤاد كاد أن يكون لقاءا أدبيا خاليا من الأدباء ، بعد اعتذار ضيوف الأدباء و الشعراء عن لقاء الأدباء المفتوح بساقية الصاوى ، حتى حضر الأديب الكبير " بهاء طاهر " وسط سعادة الجمهور بحرصه على الحضور رغم مرضه ، و نزل جميع الضيوف من على المنصة و بينهم المهندس محمد الصاوى الذى يدير الندوة لاستقباله ، كما شارك فى اللقاء د. حسين حمودة أستاذ النقد الأدبى بآداب القاهرة ، و مجموعة من شباب الأدباء . و فى تصريخ خاص لشبكة " محيط " سألنا طاهر عن رأيه فى مبادرة المائة مثقف لسحب الثقة من الرئيس ، فأجاب أن د. محمد مرسى رئيس منتخب ديمقراطيا ، و عليه أن يعمل بناء على التفويض الشعبى، ولا يخرج عليه . وصف الأديب الكبير بهاء طاهر ، فى بداية حديثه الساقية بأنها بيته و أنه سعيد بمشاركته فى الإحتفال بعيدها العاشر ، ثم انتقل للحديث عن أزمة الإبداع الأدبى الذى رأى أنه يتمثل فى أزمة النقد ، قائلا أنه عاش العصر الذهبى للنقد وسط ناقدين أمثال محمد مندور و أنور المعداوى و لويس عوض و القط و رشاد رشدى ، و أن الجدل بين النقاد المحافظين و نقاد مدرسة الحداثة كان ثريا . وضرب مثل بأن النقاد منهم من احتضن نجيب محفوظ منذ ظهوره و كذلك هناك من رفضه منذ بدايته ، و أن النقد من العوامل التى ساهمت فى النضج الأدبى لمحفوظ ، وأن محفوظ لم يكن يرد على النقد أيا كان، بل يتقبله بصدر رحب ، و أشار طاهر أن العمل يمتد نقده لأجيال ، فقد يظهر عمل و ينتقد بشدة عند ظهوره ، ثم يمتدح بشدة عند أجيال أخرى . أزمة الثقافة تحدث طاهر عن شخصيات أثرت فى حياته، كيوسف إدريس ونجيب محفوظ ويحيى حقى وشيخ النقاد وغيرهم الكثيرين تركوا تأثيرهم بداخله. وعلى رأسهم " يحيى حقى " الذى رأى أنه كان أبا لكثير من الكتاب ، و كان مكتبه ملتقى لهم ، و أنه رغم أنه كان صديق مقرب له ، و لكنه لم ينشر له سوى قصة واحدة فى مجلة " المجلة " ، فتوضع قصته تحت أكوام كبيرة منتظرة طريقها للنشر . و اعتبر طاهر أن أزمة الثقافة ترجع إلى السبعينات فى عهد السادات حين أغلقت "المجلة "، ليعقبها إغلاق الهيئة العامة للمسرح و السينما فى حصار واضح للثقافة . متابعا أن التأثير الأهم جاء من أبناء جيله الذى تأثر بهم، وكانوا بمثابة مصابيح فى الحياة الثقافية، مثل سليمان فياض وعلاء الديب ومحمد البساطى و إبراهيم أصلان ، وأن قراءة قصة لأحداهم زادا للتكوين الفكرى .
يواصل: الإستغناء عن الثقافة، والثورة على المثقفين، بدء بالارتداد عن رفاعة ، قائلا " نحن لسنا فى زمن رفاعة ، بل فى الردة عن رفاعة و التطوير والنهضة والتثقيف التى قام بها رفاعة، ليصل الأمر أن بعض أهله لم يهتم بتراثه، فى حين أن هناك مازالوا يتمسكون به، وأن الارتداد عن رفاعة امتد الآن لقطع رأس تمثال طه حسين، و قد تمتد لقطع رؤوس الأحياء بعد ذلك ، مؤكدا أنه رغم ذلك متفائلا وسيكون هناك كتاب سيعوضونا عما رحلوا، وكل جيل يسلم الراية لمن بعده .
ورأى طاهر أن الجدل مع النقاد مضيعة للوقت، وأنه شخصيا إن شعر أن أحدا لم يكن عادلا بحقه سيكلمه بشكل شخصى ، لا يناظره على صفحات الجرائد ، مؤكدا أن كل وسيط له جماليات كالمسرح و التلفزيون و السينما ، التى تختلف عن جماليات الكتاب ، فيدخل الكاتب هنا فى مجال غير مجاله ، فإن تدخل بشكل كبير سيؤدى لفشل العمل ، لكن مع حقه فى إبداء رأيه عن العمل.
ودلل طاهر بأنه من نقل بين القصرين و قصر الشوق للوسيط الإذاعى ، و حسن الأمام نقل السكرية قبل أن ينقل الثلاثية للسينما، قائلا لم يعترض مطلقا نجيب محفوظ ، فكان يقول عملى انتهى مع صدور الكتاب ،و علق الصاوى أن والده عبد المنعم الصاوى كان يؤمن بنفس الفكرة و يرددها . و ذكر أن له عملا واحدا تحول إلى مسلسل و حاول تغيير بعض الشوائب التى ألحقت به و لم ينجح ، قائلا عندما تبيع العمل لشركة إنتاج ، تتوقف مسئوليتك ، فنحن نبرء الكتاب من ما يحدث فى أعمالهم من تدخل . و أكد الناقد د. حسين حمودة أن من حق كل فرد أن يقرء العمل بطريقته ، و لا يعنى هذا أنها القراءة الوحيدة ، فكل مرة سيكون هناك طرح جديد .
تحدث بهاء أن العديد سأله لما لا تكتب كثيرا ، فقال أنا أفضل أن أقرأ رواية واحدة جيدة، عن كثير من الروايات متوسطة المستوى ، وأن كتابه المفضلين كالمتنبى كان له أصغر ديوان عن معاصريه، فى حين أن نجيب محفوظ إنتاجه غزير جدا وثرى ، مؤكدا كثرة الأعمال أو قلتها لا يفرق كثيرا ، بل المضمون وحده، وإن كان جيدا فهو جدير أن يعيش .
قال الأديب أنه لا يكتب إن لم يجد دافعا للكتابة ، قائلا أن الكتابة لها حياة خاصة بها و هى من تملى و تفرض نفسها ، إلا من كان مثل نجيب محفوظ فكان يدرب نفسه منذ الصغر على الجلوس للكتابة و القراءة يوميا ، و أنه كتب ثلاثة كشاكيل عن ملاحظاته عن الثلاثية و شخصياته توارزى حجم الثلاثية نفسها ، فى حين أن يوسف إدريس كان عكس ذلك اطلاقا فكانت كتاباته عبارة عن تدفق شعورى . مضيفا أن أديب نوبل ألبير كميل معظم كتبه فلسفية ، و لا تتعد أعماله الأدبيه الثلاث روايات ، و لكن على صغر حجمهم و قلتهم ، لكنه كثير القيمة ، و بذكر نوبل قال طاهر أن بعد حصول نجيب عليها ، انتشر وباء كتابة الثلاثيات و الرباعيات و كأنها هى من تأتى بنوبل .
الدولة الغائبة تحدث طاهر عن تخلف دور الدولة عن رعاية المبدعين ، و بأنه تحدث عن ذلك فى كتابه " الثقافة والحرية " ، و أن هذا التغيب سبب فى انقطاع الصلة بين الأجيال، وأنه السبب فى الأزمة السياسية و الإجتماعية التى نعيشها ، لأن الإبداع حياة ، قائلا إذا أصيب الإبداع بالضمور ، فيكون عاقبته سيئا علينا ، فكل شئ فى غياب الإبداع موات . وعن شبابه تحدث عن رعاية الدولة للفن من خلال مكتبة الفن التى وفرت مقطوعات كلاسيكية و عالمية، مؤكدا أن هناك حرص من الأجيال الكبيرة و الصغيرة على التواصل، ولكن ذلك يحتاج لقنوات مثل ساقية الصاوى و لكنها وحيدة، و أن يد واحدة لا تصفق، متسائلا أين دور الدولة؟.
كما عبر عن حرصه على القراءة للشباب، الذى قرأ للعديد منهم أعمال وصفها بالمذهلة، وليسا على المبدعين استكشاف هؤلاء الكنوز بل هذا دور النقاد ، مشيرا لاعتزاز الشباب بجائزة الساقية وغيرها من الجوائز رغم أنها غير ذات قيمة مادية كبير ، و لكنها لهم شهادة اعتماد.
" متعة القراءة ولمس الورق أعظم متعة فى العالم " هكذا رأى طاهر، قائلاً أن هناك قفزة حاليا فى شراء الكتب و توزيعها ، وأن النت لم يؤثر عليها بل زاد من الترويج للكتب، كما أنه رأى فى سفرياته أن العالم كله يقبل على قراءة كل شئ من الروايات البوليسية و ديستوفيسكى والفلسلفة وغيرها.
و عن فن الكتابة وصفه بأنه شديد الصعوبة لا يفوقه فى الصعوبة سوى الشعر، وأن هناك صلة وثيقة بين السرد النثرى والشعر، وأن القصة القصيرة من أصعب الفنون السردية فهى تكثف ما يمكن تقديمه فى رواية فى صفحات معدودة .
وردا على أحد الأسئلة عن التضييق الذى حدث له فى العهد الماضى و رفضه لتسلم جائزة مبارك التقديرية ، تحدث أنه منع من الكتابة 8 سنوات من 1975 ل 1983 ، كنوع من التضييق على الكتاب الذين يخالفون النهج السائد و ليس هو فقط ، قائلا: كانت فترة صعبة علينا كلنا .
وعن كواليس روايته "نقطة النور" أجاب أنه سعيد أن نقطة النور لها معجبين و أنها من أحب الروايات إليه فى حين لا يكتب عنها كثيرا و شعر بأنها مظلومة، بالمقارنة مع روايات أخرى ك"قالت ضحى"، و"الحب فى المنفى".
من جانبه تحدث المهندس محمد الصاوى، أن شعار الساقية " عام الأدب و الأدب " الذى أكد طاهر أنهم مرتبطان لا منفصلان ، و أكد الصاوى على حرص الساقية منذ البداية أن تسقى ثقافة و معرفة، وعلى احترامه للرأى المخالف كإثراء للتنوع.
و تحدث الناقد حسين حمودة أنه لا يوجد تعريف جامع بالنقد الأدبى ولكنه يعد مكاشفة للعمل الأدبى، وأن كل عمل يستحق مقاربة نقدية، وتحدث عن غياب الروح النقدية فى التعليم التى تقوم على التلقين والملكات الأدبية، وغياب الناقد الوسيط الذى يكتب عمودا قصيرا فى المجلات الغربية وعلى أساسها يذهب القراء لشراء العمل، وذلك يستند على معايير مهنية بحتة ومعيار المصداقية بين الكاتب و القراء . واستشهد ب تى اس اليوت الذى قال أن الإنسان يفكر بنفس الطريقة التى يربط بها حذائه، مؤكدا على صدق المقولة فمن يهتم بالتفاصيل الأعمال الصغيرة يهتم بالكبيرة، وأن من الأدباء من يقيمون أنفسهم باستمرار، حرصاً على قيمة العمل، وما يؤديه من رسالة .
أما الشاعر أيمن مسعود فرأى أن النقد عملية بناء لا هدم وتجريح، وحيا اهتمام الساقية وترحيب الصاوى بمسابقة الساقية فى شعر الفصحى و العامية، كما أن فى خطة الساقية القادمة إلقاء الضوء على الفائزين بنوبل كنوع من التبادل الثقافى والتعرف على أعمال أدبية هامة، وسيتناولوا كبار الأدباء كطه حسين و أحلامهم والمشاريع التى عاشوا من أجلها مثل طه حسين و مشروعه للتعليم ، و عباس العقاد و حوار الأديان.
قال أحمد العشرى صاحب مبادرة إعادة اللغة العربية للحياة، أن الأدب يتميز عن كل الفنون بأن أداته هى الكلمة وتحمل من المعانى ما لا تحمله أى من الفنون الأخرى، وأن الكلمة تفعل فى الناس فعل السحر، مؤكداً أن اللغة تحيا بالاستخدام. وألقى شعر على هامش الاحتفالية اثنان من شباب الشعراء هم محمد جعفر وعمادالطاير، و أعجب بهم بهاء طاهر مؤكدا كلام جعفر أن الشعر دم ليس زينة و لاترف ، فهو نبض الشعوب و المجتمعات .
وفى الختام تم تسليم شهادات تقدير لعدد من الأدباء على رأسهم الأديب " بهاء طاهر " احتفالا بمرور 10 أعوام على الساقية وذكرى عبد المنعم الصاوى .