الوجع اليومي الذي نعيشه في بلدي سببه الأساسي هو التراخي والإهمال وهما عنوان عريض للفساد .. ذلك الفساد الذي ينخر في عظامنا منذ آلاف السنين ولا أحد يدري متى سنُشفى منه. الفساد يا ساده درجات ومراتب فقد يكون على شكل طلب رشوة صريحة أو مقنعة - كانت زمان مادية الان اصبحت جنسية أيضاً - أو تعطيل مصالح مواطن بسيط أو حتى التراخي في القيام بواجبات الوظيفة وكلها في النهاية تؤدي لنفس النتيجة. نظرة بسيطة على الحوادث التي يروح ضحيتها الغلابة كل يوم تؤكد أن التراخي والترهل الإدراي هو السبب في كل الكوارث التي تعيشها البلاد. موظف يجد لنفسه ألف مبرر كي لا يقوم بواجبات عمله ويشرعن الرشوة والفساد ويعتبرها فهلوة وشطارة وتفتيح مخ وفاسد آخر يدفع الرشوة في مقابل التستر على مخالفاته أو لتسليك أموره ويتبارى في اغراء الموظف الفاسد .. ومجتمع من النعام يدفن رؤسه في الرمال "وكأن على رؤسهم الطير" .. لا يحرك ساكناً ويكتفي بمصمصة الشافيف والتعجب من حال البلد وهو مشترك في هذه المنظومة سواء بصمته أو بمشاركته في فسادها. على طول ضفاف النيل تصطف المئات من المراكب الخشبية المتهالكة التي تبث أغاني عبر مبكرات صوت وسماعات دي جي تزعج الجميع بدون رقابة لا من شرطة المصطحات المائية أو مرفق النقل النهري أو البيئة أو الحي إن كان هناك أحياء في هذا البلد. مجموعة من الصبية أقل وصف لهم أنهم مشردين أو أطفال شوارع كبروا وبحثوا عن عمل لمرحلة جديدة من حياتهم يستجدون المارة للركوب في المركب مقابل ثلاثة أو خمسة جنيهات ويصل الأمر بالبعض أن يغريك بوجود رقاصة على متن المركب ويستعيونوا في ذلك ببعض النساء أو الفتيات من نفس الفئة تقوم بالرقص على سطح المركب حتى يمتليء عن آخره وقبل تحرك المركب لحظات تختفي الرقاصة لتظهر في مركب ثاني وثالث وهكذا ... الناس الغلبانة عايزة تفرح وهي في سبيل ذلك لا تبحث عن اشتراطات السلامة ولا الأمن الصناعي ولا تبحث عن اللايف جاكيت أو طفاية الحريق كل ما يهمها ان تقضي نصف ساعة بعيدا عن الزحام والحرارة المرتفعة على الأرض فتهرب للنيل وهي لا تدرك أنها ربما تكون طعاماً لما بقي به من أسماك. المفترض أن هذه المراكب لها ترخيص والترخيص له اشتراطات ولكن من الواضح أن موظفي التراخيص لا يهمهم سوى ان يرجعوا لبيوتهم آخر اليوم محملين بكافة صنوف الطعام والشراب الفاخر التي اشتروها بأموال حرام جراء التستر على هذه المخالفات في الوقت الذي تعاني فيه مرفق النقل النهري التي تصل ايراداتها في العام الى 8 مليون جنيه تقريبا وهو مبلغ زهيد جدا يمكن ان يكون حصيلة باخرة واحدة راسية على ضفاف النيل . الترهل الإداري يا سادة وعدم تطبيق القوانين على الجميع هو آفة هذا البلد ، فحين نسمع عن تسمم أطفال في بني سويف بسبب محلول معالجة الجفاف فهذا يعني أن موظف مترهل لم يراعي اشتراطات التخزين وحين نسمع عن حريق مصنع بسبب انفجار انبوبة بوتجاز يعني ان موظف مترهل لم يراعي اشتراطات السلامة والأمن. وليسأل كل منا نفسه في النهاية هل أنت مترهل؟ هل تتغاضى عن المخالفات في عملك حتى ينتفخ كرشك بمال حرام ؟ هل تشارك في إفساد الآخرين؟ كلنا سيقول لأ ويرى أنه أطهر خلق الله .. إذا أين الفاسدين والمفسدين ؟ ثم نسأل ونتعجب أين البركة التي اختفت من بيوتنا ومن أعمارنا ومن أولادنا ؟؟