فوز المهندس إسلام جيوشي بمنصب نقيب مهندسي الفيوم بعد حسم جولة الإعادة    قوافل "أمان ورحمة" بالإسكندرية توزع 1250 كرتونة غذائية بالمناطق الأكثر احتياجا    السيسي يؤكد لمحمود عباس ضرورة وقف التصعيد وأولوية الحل السلمي لأزمات المنطقة    الجيش الإيرانى يعلن استهداف حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن بصاروخ    واشنطن بوست: البنتاجون يستهلك بسرعة إمداداته من الأسلحة الدقيقة    الاتحاد الأوروبي يعلن إجلاء أكثر من ألف مواطن من الشرق الأوسط    السفير الفلسطينى في لبنان يبحث أوضاع الفلسطنيين مع رئيسة بعثة الصليب الأحمر    تشكيل مباراة وادي دجلة والجونة في الدوري الممتاز    المترو ينتهي من توزيع 60 ألف وجبة إفطار صائم يوم 15 رمضان 2026    ضبط متهمين بالاعتداء على شاب بسبب الإبلاغ عن سرقة محل والده بشبرا الخيمة    إفطار إمبابة يجمع المسلمين والأقباط في رسالة محبة.. فيديو    الطلاب الوافدون يجتمعون على مائدة إفطار اليوم السادس عشر بصحن الجامع الأزهر    الشباب والرياضة بالإسكندرية تنفذ مبادرة "الأسرة السكندرية بين الرياضة والثقافة" بمركز شباب العمراوي    تشكيل بايرن ميونخ أمام مونشنجلادباخ بالدوري الألماني    «عرض وطلب» الحلقة 2 | سلمى أبو ضيف ترد القلم ل أبو سريع وتلجأ لطيلقها في عملية والدتها    علي كلاي الحلقة 17، انتحار هايدي وطعن سيف في ليلة زفافه على درة والقبض على العوضي    السفير عاطف سالم: صعود مناحم بيجن وحزب الليكود غيّر المشهد السياسي في إسرائيل    "القومي للبحوث" يقدم الدليل الكامل ل مائدة رمضانية آمنة وخالية من المخاطر الصحية    ميمي جمال ل "حبر سري": تربيت بين الإسلام والمسيحية.. و"ربنا واحد"    السفير عاطف سالم: فترة عملي في إيلات منحتني خبرة وفهمًا معمقًا لإسرائيل    برلماني: إحالة المتلاعبين بالأسعار للقضاء العسكري.. رسالة حاسمة تحمي المواطن    مصر القومي: كلمة الرئيس في الأكاديمية العسكرية تمثل دعوة للمواطنين لمزيد من الوعي    النداء الأخير    وزيرة التضامن تشهد إطلاق نتائج دراسة صندوق مكافحة الإدمان الميدانية حول تعاطي وإدمان المخدرات بين الإناث    منال عوض توجه بتنفيذ حملة موسعة بسوق الجمعة لمكافحة الاتجار غير المشروع في الحياة البرية    اورنچ مصر تفوز بجائزة «أثر» لأفضل الممارسات في الاستدامة والمسؤولية المجتمعية    القيادة المركزية الأمريكية: أكبر حاملة طائرات فى العالم تواصل عملياتها    وزير البترول: برنامج لتعظيم الاستفادة من موارد حقل ظهر بالتعاون مع شركاء الاستثمار    بطعم زمان.. طريقة عمل رموش الست في البيت بخطوات سهلة ومكونات بسيطة    مجلس الوزراء يستعرض بالإنفوجراف أبرز أنشطة رئيس الحكومة هذا الأسبوع    أردوغان: تركيا تتابع عن كثب تطورات الأوضاع في إيران    في الجول يكشف سباب بكاء عماد السيد بعد استبداله أمام بتروجت    شوف سباق الخير على أرض مصر عامل إزاي.. إمبابة Vs المطرية.. فيديو    سيميوني: أتلتيكو مدريد في نهائي الكأس وهدفنا المنافسة في كل البطولات    حبس صديق المتهم بقتل طالب الأكاديمية العربية 4 أيام لمساعدته على الهروب    نيافة الأنبا تادرس يشهد جولة الإعادة الحاسمة لانتخابات نقابة مهندسي بورسعيد    حملة بيطرية بدمياط تضبط لحومًا فاسدة وتؤكد حماية صحة المواطنين    محمد محمود والد أحمد داود في «بابا وماما جيران»    الأنبا أرساني يشارك في حفل إفطار بالسفارة المصرية في لاهاي    فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة.. نور وبركة للمسلمين من جمعة إلى جمعة    من بدر إلى فتح مكة.. لماذا ارتبط شهر رمضان بأعظم الانتصارات في التاريخ الإسلامي؟    محافظ الفيوم يتابع أعمال شركة السكر وأليات توريد محصول البنجر من المزارعين    خسارة توتنهام الخامسة تواليا تنعكس على الجماهير في المدرجات    تأجيل «عمومية الصحفيين» لعدم اكتمال النصاب    من هم الصائمين الذين لا يُقبل صيامهم؟    فيديو استغاثة المنتزه يقود الأمن لضبط لص المواتير وديلر المخدرات    طالبة إعدادية ببنى سويف الثالثة على الجمهورية بمسابقة القرآن الكريم    هيئة التأمين الصحى الشامل ترصد إقبالا متزايدا على المنافذ بالفترات المسائية    الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»    الصحة: اعتماد أول مستشفى تابع للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان من GAHAR    الأسبوع الثالث من رمضان.. الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس حتى الأربعاء    النقل تحذر المواطنين من اقتحام مزلقانات القطارات    أسعار البيض اليوم الجمعة 6 مارس 2026    لعزومة مشرفة، طريقة عمل كفتة الحاتي في خطوات بسيطة    ماهر همام: أفتقد روح الفانلة الحمراء داخل الأهلي    الفنانة الجزائرية مريم حليم تنفي زواجها.. ومحمد موسى يفاجئها بفستان العرس    ترامب ل ميسي: نحن نحتفل بالأبطال.. وتعادلتم مع أفضل نادٍ في مصر    طبيب الأهلي يوضح تشخيص إصابة كريم فؤاد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خلافات الصحابة .. وقفة جادة لتنزيه المقدس عن البشر
نشر في محيط يوم 26 - 10 - 2014

العرب يهابون دراسة أنفسهم .. وأقلام مشبوهة تسعى لهدم الوحي
من الشافعي للشنقيطي .. التشيع تهمة جاهزة !
بن تيمية شيخ السلفيين الذي أنصف تاريخ الصحابة الكرام
بن عربي في "عواصمه" والخطيب في شرحه ، ارتكبا تدليسا واضحا
تأمل لتأخر بيعة علي لأبي بكر .. وغضب معاوية للسلطة .. وندم عائشة عن الجمل
الصحابة ليسوا معصومين من الخطأ .. هكذا علمنا الرسول
تراث الصحابة وقع بين كربلائيين شيعة وأمويين جامدين !
طاعة السلطان الجائر تراث غير مقبول في عالم اليوم
إن الأمّة لن تخرج من أزمتها التاريخيّة إلا إذا أدركت كيف دخلت إليها. فليس من خروج من هذه الأزمة الدستوريّة التاريخيّة دون دراسة الخلافات السياسيّة التي تفجّرت بين الصحابة في القرن الأوّل الهجري، وتأمُّلها بعقل متجرّد يمنح قُدسيّة المباديء رُجحاناً على مكانة الأشخاص، ويواجه العقد النظريّة السائدة في هذا الموضوع بفقه وثّاب غير هيّاب، مع التزام بصحّة النقل، والتثبُّت في الرواية."
هكذا أوجز المفكر الموريتاني محمد مختار الشنقيطي أزمة الأمة في كتابه الصادر بطبعة جديدة عن دار "تنوير" تحت عنوان "الخلافات السياسية بين الصحابة .. رسالة عن مكانة الأشخاص وقدسية المباديء" والذي ناقشته مساء أمس محاضرة بمكتبة "ألف" بحضور حشد من الباحثين الإسلاميين يتقدمهم الدكتور أحمد محمود أستاذ التاريخ الإسلامي، والناشر عبدالرحمن أبوذكري، فيما أدار اللقاء المستشار الثقافي للمكتبة عماد العادلي.
الكتاب ذاع صيته منذ أن صدرت طبعته الأولى بجدة عام 2004، وصار محط جدل لا يزال مستمرا بين مشجع ومعارض، من أبناء التيارات الإسلامية المختلفة، كما حظيت طبعاته المختلفة بتقديم من الشيخين راشد الغنوشي ويوسف القرضاوي على التوالي.
أما صاحب الكتاب فهو متخصص بالشريعة الإسلامية وخاصة الفقه والأصول، حائز الدكتوراة في تاريخ الأديان من جامعة تكساس بأمريكا، كما عمل مديرا للمركز الإسلامي نحو سبع سنوات، حاضر بعدد من الجامعات العربية، وله العديد من الدواوين والإصدارات الفكرية الهامة ومعظمها يدور حول فلسفة الحكم في الإسلام.
أضواء على كتاب الخلافات
في مناقشة الكتاب، أشار عماد العادلي، إلى أن القداسة المتوهمة للأشخاص رفضها الإسلام، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حريصا على إظهار بشريته، وللأسف فقد عني الغرب بدراسة تراث العرب، بينما ظل العرب يهابون دراسة أنفسهم، فخضعت أغلب الدراسات حول العرب ذات بعد استشراقي يبرز مركزية الغرب وهامشية العرب أو يحوي افتراءات وأكاذيب ليس لها أساس .
وصحابة الرسول حملوا أمانة الدين على أعناقهم وتحملوا المشاق، ولكن هناك من يضفي عليهم قداسة وعصمة غير مفترضة إلا لنبي ، فيما يظل هناك فريق متربص يتعامل مع اصحاب النبي (ص) بعداء ظاهر ويتهمهم بأنهم مجرد غزاة أو حتى يذهب للتحقير منهم كما يفعل بعض غلاة الشيعة.
لكن هذا الكتاب يتأمل أفعال الصحابة باعتبارهم بشر مميزون حقا، ولكنه يعلي من قيمة المباديء المستقرة عندنا كمسلمين، والتي نقيس عليها فعل الأشخاص، وليس العكس، عملا بمبدأ "يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال"
من جانبه تحدث الدكتور أحمد محمود، مدرس التاريخ الإسلامي بكلية دار العلوم، عن توقع الخلاف السياسي بين الصحابة بعد رحيل النبي صلى الله عليه وسلم، باعتباره أمر طبيعي بين البشر، فقد عاشوا مرحلة ما بعد الوحي، وكان من الطبيعي أن يكون على رأس التساؤلات التي تشغل ضمير المسلمين : من يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في مقام الحكم لا النبوة ؟
وزاد من صعوبة السؤال أن النبي لم يرد عنه نص صريح بتولية أحد الحكم من بعده، ولم تتضمن البنية النصية للمسلمين المتمثلة في القرآن والسنة الصحيحة، على طريق إجرائي محدد للحاكم وطريقة تنصيبه وعلاقته بالرعية وواجب الرعية نحوه، وإن اشتملت على مجموعة من القيم السياسية الكلية كالشورى والعدالة والمساواة.
ويزداد الأمر صعوبة حين نتذكر أن الإسلام أرسى دعائم دولته، ولم ينتشر بدول ذات نظم حكم مستقرة، لكن ما جرى أنه تنزل في جزيرة العرب التي عاش أهلها حياة القبلية، وكان هذا الفكر حاكما لكل تنظيم سياسي واجتماعي، ومع هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، انتقل المسلمون لطور الدولة بعد أن عاشوا طور القبيلة، وبنشأة الدولة الإسلامية فقد صارت راعية للدين وحملته بقوة السلطان لخارج الجزيرة العربية .
ومن هنا فقد أحال الإسلام المسلمين للتجربة البشرية بشرط ألا تخالف تلك التجربة نصا محكما تشريعيا. وطالما ان الإسلام أحال الحكم للتجربة البشرية فمن الطبيعي أن يحدث الخلاف السياسي، لا العقائدي
مذاهب تناول سيرة الصحابة
جرى خلاف بين أئمة وفقهاء المسلمين في مسألة تناول خلافات الصحابة، فمنهم من رفض خوض تلك السيرة عملا بحديث الرسول "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا" ومقولات الصالحين كعمر بن عبدالعزيز الذي سئل عن تلك الخلافات فأجاب : "هذه فتنة عصم الله منها سيوفنا، فلنعصم منها ألسنتنا ..
.. وهناك من فسر الحديث بأن المقصود هو الإمساك عن التعريض بهم أو التطاول عليهم وليس نقد أفعالهم للعبرة ، ومن هنا سنجد أئمة كابن كثير والنسائي يتحدثون عن خلافات الصحابة من باب العلم بالشيء ولكنهم يؤكدون أن الخوض فيها محرم
في حين نجد إمام يعد ثاني مؤسس للمدرسة السلفية، بعد تأسيسها الأول على يد الإمام أحمد بن حنبل، وهو الشيخ بن تيمية يعتبر أن دراسة تلك الخلافات مفيد للمسلمين طالما ليس فيه تطاول على مقام الصحابة المكرمين، فهم بشر وتعرضوا لفتن وبعضهم أخطأ وكانت نيته حسنة ، وندم فيما بعد، كما حدث في فتنة مقتل عثمان وما تبعها من أحداث مؤسفة. وقد ندمت السيدة عائشة رضي الله عنها حين ذهبت تطلب صلح المسلمين فانتهى الأمر بمقتلة بشعة لم تقصدها وحاشاها
أخيرا هناك فريقان يقفان على حدي النقيض، الشيعة المتطرفون الذين يسبون ويكفرون صحابة الرسول (ص) ، والمتشيعين السنة، وهو مصطلح صكه مؤلف الكتاب في غالب الظن، ويعني بهم هؤلاء الذين دلسوا الحقائق التاريخية الدامغة لنفي أي خطأ جرى من أي صحابي عاصر الرسول وبعثته، وهو نهج يخالف النهج النبوي ذاته، ويضرب المؤلف أمثلة لهؤلاء ك"بن عربي" صاحب "العواصم من القواصم" ومحب الدين الخطيب شارح العواصم والإمام الطبري ونحوهم.
ونجد بن عربي يتجاهل مثلا الدور الذي لعبه عبدالملك بن مروان لإفساد منهج النبوة في الحكم، وما جرى بعهد ابنه الذي تولى بعد عدة اشهر مستهلا حكمه بالقول "لا يقولن أحدكم اتق الله إلا قطعت رأسه" أو انتزاعه الحكم من عبدالله بن الزبير والذي أودى بقتل الأخير، وهو أحد أكابر الصحابة، وأنه سبب رئيسي في فتنة مقتل عثمان بن عفان . كما ينكر بن عربي حقيقة تأخر بيعة علي بن أبي طالب التي أكدتها شهادة السيدة عائشة رضي الله عنها، ويذهب لأحاديث ضعيفة .
ويضيف الدكتور أحمد محمود على كل هذه الفرق والمذاهب في دراسة سير الصحابة، فئة معاصرة تستهدف هدر الوحي تدريجيا، وتحويل الدين من تشريع لمادة قيمية مفرغة على حلقتي "الله والأخلاق" بدون وحي أو نص، وهؤلاء حين يتعرضون لحياة الصحابة الكرام ويخطئونهم في أشياء، يرمون للتدرج صعودا ونفي الصدقية عن أصحاب النبي والمؤمنين الأوائل برسالته ومن ثم نسف فكرة التصديق بالوحي من الأساس.
لكن المؤلف وضع ضابطا أساسيا في التعامل مع الخلافات السياسية بين الصحابة، وهو العلم والعدالة، بحيازة الأدوات المعرفية من حيث التبحر في قراءة التاريخ والإلمام بعلم الحديث ونقد الروايات الحديثية والتاريخية والفقه واللغة، وغيرها من العلوم، ثم أمانة النقل والبعد عن التحيز والابتعاد عن تحكيم مناهج مدرسة فقهية بعينها.
والحقيقة أن تهم التكفير والتشيع طالت كل من تناول سيرة صحابة الرسول بالتفكر والنقد، وآخرهم مؤلف هذا الكتاب والذي يورد أنه حتى الإمام الشافعي والأئمة النسائي والطبري ، حين كانوا يؤسسون لمنطق فقهي جديد أو ينقلون روايات تتوافق مع ما يذهب إليه الشيعة،اتهموا بالتشيع، ومن ذلك آرائهم في الجهر بالبسملة في الصلاة أو المسح على الخف، وهي من المندوبات التي يؤكد العلامة بن تيمية أن تركها لمجرد توافقها مع بعض أفعال الشيعة أمر مكروه ومرفوض في الدين.
أزمة الفقه الدستوري الإسلامي
يقول المؤلف : "لقد انتصر المجتمع الاسلامي الاول علي الردة الاعتقادية التي ثارت في اطرافه , لكنه انهزم امام الردة السياسية التي نبعت من قلبه . والردة - كما يقول ابن تيمية - قد تكون عن الدين كله , او بعض الدين . وتلك الردة السياسية المتمثلة في تحويل الخلافة الي ملك هي التي رسمت صيرورة الحضارة الاسلامية ومآلها , ولا تزال تتحكم في المسلمين حتي اليوم ."
الكتاب يتناول مسألة شائكة، وهي غياب الفقه الدستوري السياسي المحكم عند المسلمين، لأن غالب الأئمة الأكابر عاشوا في ظلال القهر والاستبداد السياسي تحت راية الخلافة المتوارثة، وكانوا مهمومين بوحدة البلاد ومجابهتها لحملات الصليبيين ونحوها، فجاء تراثهم داعيا للخضوع للسلطان، وعدم الخروج عليه، لكن مؤلف الكتاب معجب بمنهج بن تيمية الذي جاء فيه صراحة ضرورة الخروج على الظالم لأن الله يعاقب القرى بظلم بعض اهلها وصمت الآخرين على استمرار هذا الظلم . وقد سلك العلامة الماوردي فيما بعد مسلكا وسطا سعى فيه لأن يكون للعلماء والفقهاء دور الوسيط بين الرعية والحكام، واستمر العمل بهذا المبدأ ببعض الأمصار حتى جاء محمد علي فنسف هذه القاعدة .
ويلفت مؤلف الكتاب لنقطة هامة، وهي أن السياسة وأمور الحكم من الفروع وليست الأصول في شريعة المسلمين، وحتى كتب الأصول التي تعرضت لها فقد جاء ذلك من باب الرد على أفكار الشيعة الذين يعتقدون بالإمامة ويضعونها أصلا بالعقيدة، ويستدعي المؤلف ما قاله الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه، حين تحدث إليه أحدهم حول خلافه مع سعد بن أبي وقاص فقال : "مه .. فإن ما بيننا لم يبلغ الدين" أي أنه من الفروع الوارد فيها الخلاف.
بين المقدس .. والمتغير
هيمنت على الكتاب الدعوة لضرورة التمييز بين الوحي، بوصفه ثابتا مقدسا معصوما، وبين التجربة التاريخية المتغيرة التي يجوز الحكم عليها وتقييمها، وهي تجربة تحتمل الخطأ احتمالها للصواب. وقد أهدى الكتاب إلى الذين يؤثرون الكتاب على الشخص والوحي على التاريخ، ليكون الوحي حاكما على التاريخ لا العكس، فالاحتكام للوحي لا بظرف تاريخي متغير.
والكتاب ليس سردا للخلافات بين الصحابة، ولكنه قواعد عامة تبلغ 22 قاعدة استخلصها الشنقيطي من قراءاته وبالتحديد من أعمال الحجة بن تيمية، والإمام أحمد بن حنبل، ليستفيد منها أي باحث في مسائل الخلافات بين الصحابة.
واختار المؤلف بن تيمية، ليعتمد على تراثه الوافر في هذا الجانب وخاصة كتابه الضخم "منهاج السنة" وهو موسوعة في الفقه السياسي الإسلامي إضافة لفتاواه التي تتناثر بمجلداته . كما أن الرجل كما أسلفنا من مؤسسي المذهب السلفي البارزين وكتبه حجة لهذا التيار بطوائفه بدء من السلفية الجهادية وانتهاء بمن يأمرون بطاعة الحكام ! وربما في الاستئناس بما أوره من فتاوى رد عملي على من يكفر ويتهم مؤلف الكتاب من أبناء التيار السلفي الذين يكن لهم المحاضر ومؤلف الكتاب احتراما وتقديرا، ولكنه ينتقد ما عندهم من نظرة أحادية لكل مسألة وضيق بالرأي الآخر ، أحيانا. ويؤكد المؤلف أن كتابات بن تيمية إلى جانب ما سبق امتازت بالموضوعية، فلم يكن الرجل يتورط في التطاول على الصحابة، ولكنه لم يكن أيضا يلتفت كثيرا لمكانة الأشخاص، فخرج إنتاجه متزنا بين قدسية المباديء ومكانة الأشخاص.
وينتقد بن تيمية مثلا طريقة أهل السنة في مواجهة بدع الشيعة وبذاءاتهم، فالشيعة يتخذون يوم عاشوراء مأتما عظيما ويجلدون انفسهم لأن الحسين قتل بينهم ، لكن نجد أهل السنة يتخذون يوم كهذا للفرح والسرور وتبادل الأطعمة وهي مسألة عجيبة .
قواعد الحديث عن الصحابة
الكتاب يعتمد على 22 قاعدة مفيدة في التطرق لخلافات الصحابة، ويستشهد الدكتور أحمد محمود على سبيل المثال فقاعدة هامة وهي "التثبت في النقل والرواية"؛ فالتاريخ الإسلامي قائم على المرويات، وكتب ك "تاريخ الأمم والملوك" للإمام الطبري، يضم أحداثا مؤرخة ومرويات مسندة لأصحابها، ولكن الطبري لم يحدد الثابت من الضعيف فيها، كأن يكون الراوي شيعيا أو يهوديا وما شابه، كما أن بعضها يناقض قواعد التطور التاريخي والعقلي أحيانا، وبينما يدعو مؤلف الكتاب لاعتماد منهج المحدثين، الذي ينظر في الإسناد ويحكم على رواة السند وعدالتهم، بغض النظر عن اتفاق الفكرة مع تحيزي الديني من عدمه.
يرى الدكتور أحمد محمود أن ذلك يحدث إشكالية لكل باحث ومهتم بالدراسات الإسلامية التاريخية بالتحديد، لأن الأحاديث تترك فراغات واسعة لا تفسر التطور والتفصيلات التاريخية، لكنه يفضل هنا اعتماد ما ذهب إليه الدكتور أكرم العمري، أن الروايات المتعلقة بالعقيدة أو الأحكام الفقهية، نطبق فيها منهج المحدثين، لكن الروايات المتعلقة بالغزوات وتعيين الولاة وبناء الأمصار وغيرها من المسائل الحضارية، يمكن أن نتسامح فيها قليلا فنعتمد باقي المرويات ونمحصها.
ثم نأتي لقاعدة أخرى يشملها الكتاب وهي "التعامل مع الصحابة كبشر وليس ملائكة"، ويورد الكتاب قصة اجتماع السقيفة الشهير، والذي انتهى باختيار ابي بكر بعد ان اختار الصحابة سعد بن عبادة خليفة لرسول الله في الحكم، وحين تغير الحال غضب سعد ولم يبايع عمرا، ويفسر بن تيمية ذلك بانه كان يطلب الامارة لنفسه ، وقد تأخر سيدنا علي بن أبي طالب عن البيعة ستة اشهر، بحسب رواية البخاري، ولم يبايع عمرا إلا بعد وفاة السيدة عائشة رضي الله عنها، وقد كان معترضا على الطريقة التي جرى بها تنصيب سيدنا أبي بكر ، وليس على شخصه.
وينقل المؤلف عن بن تيمية بعض أسباب الخلافات التي دارت بين الصحابة، وهي التنشئة الاجتماعية والسياسية السائدة في الجاهلية والتي لم تنزاح كلية عند كل صحابة الرسول مع دخولهم للإسلام، فقد توعد معاوية بن أبي سفيان بالحرب حين علم بإمارة أبي بكر الصديق، وقال "والله لأملأنها عليهم بالخيل والرجال" ووصفها بارتضاء الإمارة في أذل بيت للعرب، وهو ما رد عليه الإمام علي بن أبي طالب بقوة وحزم داعيا إياه لنبذ أي شر بالمؤمنين.
ويشير الدكتور أحمد محمود إلى حقيقة أن قتال معاوية كان بغيا من أوله، فالمطالبة بدم عثمان لا تكون بالانقلاب على الخليفة علي بن أبي طالب ، وهو هنا يعود لمنطق الجاهلية والقبيلة، وربما تلك واحدة من أبرز انتقادات المؤلف فضلا عن المحاضر حول فتاوى بن تيمية، فقد مال لتبرير بعض أفعال معاوية بن أبي سفيان وذهب إلى كونه لم يكن يريد السلطة في حياة علي بن أبي طالب على خلاف الثابت تاريخيا .
وبخصوص الفتن التي عاصرها المسلمون الأوائل، يميل مؤلف الكتاب إلى عدم تحميلها وحسب لأطراف خارج الدائرة الإسلامية، فلم يكن عبدالله بن سبأ سببا وحيدا بمقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان، لكن هناك عوامل أخرى فقد كان رضي الله عنه لينا مع الصحابة حتى ظن بعضهم أن الخروج عليه أمر سهل، بخلاف سابقه عمر بن الخطاب المعروف بالحزم. كما أن هناك تحولات طرأت على المجتمع الإسلامي بعد انتشار الفتوحات، فصار الصحابة يفسر بعضهم استبعاده من الولاية على أحد الأمصار بأنه تقليل من دوره وجهوده لنشر الإسلام أو قدراته في الإمارة والإدارة، على الرغم من أن رسول الله حسم هذه النقطة ، فكان يولي من يجد فيه الكفاءة لا الصلاح فحسب، وهذا ما جعله صلى الله عليه وسلم يقول لأبي ذر الغفاري أنه امرأ فيه ضعف فلا يمكن توليته واختار خالد بن الوليد برغم أن الأخير كان مع جهوده الواثقة في الحروب وبراعته حتى لقب بسيف الله، له أيضا بعض الأخطاء التي تبرأ الرسول منها .
لقد شهد التاريخ الإسلامي أمورا يندى لها الجبين، ويجب الاعتبار منها، مع مراعاة الظرف التاريخي والسياق الاجتماعي والزماني، لكن المحصلة كانت قتل خلفاء راشدين بل وشيوع سباب لصحابة من فوق المنابر، وهو ما أمر به غلاة الحكام الأمويين في حق علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورفض كثير من الصحابة الانصياع له ، وكان من أشهر هؤلاء الولاة "عبدالملك بن مروان" .
"إن جيل الصحابة لم يكن غير مجتمع بشري فيه الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات بإذن الله، وليست غلبة الخير على أهل ذلك الجيل مسوغاْ كافياْ للتعميم والإطلاق، وإضفاء صفات القدسية على كل فرد فيه، مما يناقض حقائق الشرع قبل حقائق التاريخ. وإذا كان لأهل الحديث مبررهم في قبول رواية كل الصحابة دون استثناء، فإن تحويل عدالة الرواية في السلوك بشمل كل الصحابة خلط في الاصطلاح، وتنكر للحقيقة الساطعة لا يليق بالمسلم الذي يؤثر الحق على الخلق مهما سموا" محمد المختار الشنقيطي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.