افتتاح الجناح المصري المُشارك في فعاليات بورصة برلين السياحية 2026    إي آند مصر تطلق مبادرات لدعم الأسر المستحقة خلال رمضان    اتساع دائرة الاستهدافات الإيرانية فى الخليج.. غدا ب"اليوم السابع"    مصرع شاب وإصابة اثنين فى تصادم بطريق دمو بالفيوم    أشرف زكي يرد على اتهامات فرض روجينا بطلة للأعمال الدرامية: مسيرتها تتحدث عنها    أشرف زكي: رامز بيحب أسماء جلال والموضوع هزار.. "الدنيا سخنت بسبب السوشيال ميديا"    «أولاد الراعي» الحلقة الأخيرة.. نوران ماجد تتألق في مشهد قتل أحمد عيد    وزير الدفاع يلتقى مقاتلي «البحرية والمنطقة الشمالية العسكرية» ويشاركهم الإفطار    الإعدام لعاطل بتهمة قتل خفير وإصابة آخر فى قنا    خطر المخدرات ودور الشباب في المواجهة.. ندوة توعوية بجامعة كفر الشيخ    20 ألفاً مقابل 4 ملايين.. واشنطن وطهران تتسابقان نحو استنزاف المخزونات    منافسة ثلاثية| صراع هداف الدوري يشتعل    محافظ دمياط يتابع إنشاء صالة مغطاة في كفر سعد    أشرف زكي: تركي آل الشيخ داعم كبير للفن المصري.. ونهضة مرتقبة    دار الإفتاء توضح حكم فدية الصيام لكبيرة السن غير القادرة ماديًا    رد حاسم من الدكتور علي جمعة حول شعور بعض الأشخاص بوجود أعمال وسحر    الدكتور المنشاوي يطمئن على طالبات جامعة أسيوط الأهلية المصابات في حادث انقلاب سيارة    مجلس الإرسالية العالمية يدين العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران ويدعو لصون السيادة    تواصل الحملات الرقابية لهيئة البترول على منظومة توزيع الوقود    وزير النقل يتفقد ورش تطوير عربات قطارت البضائع في الإسكندرية    الرياضية: سفره إلى مدريد مرجح.. فحوصات لتحديد مصير رونالدو من مواجهة نيوم    وزير الخارجية يتابع أوضاع الجاليات المصرية بالمنطقة من مقر خلية العمل المشكلة بالقطاع القنصلي    قيد أسهم مصر لتأمينات الحياة في البورصة المصرية برأسمال 5 مليارات جنيه    ارتفاع معدل التضخم في منطقة اليورو بنسبة 1.9% خلال فبراير    المجالس الطبية المتخصصة: 56 مليون قرار علاج على نفقة الدولة حتى 2026    بيتر ميمي يعلن عرض فيلم «مفتاح العودة» التسجيلي بعد نهاية «صحاب الأرض»    تامر حسني يقلق الجمهور على هاني شاكر.. بهذه الرسالة    طريقة عمل الكريب، لفطار رمضاني غير مكلف وشهي    وزير التربية والتعليم يزور "57357" ويشيد بالدور الإنساني والعلمي للمستشفى    وزير البترول: مصر يمكنها المساعدة في نقل النفط السعودي إلى البحر المتوسط    خبير: تعديل الضريبة العقارية يوفر تسهيلات كبيرة لكنه يحتاج حماية أكبر لمحدودي الدخل    تفاصيل 5 فعاليات رمضانية بالأوبرا    محمد عبد المولى: 50% زيادة فى أقساط التأمين على السفن بسبب الحرب الإيرانية    الرئيس الأوكراني يدين اللهجمات الإيرانية ضد الإمارات    محمد وهبي يقترب من خلافة الركراكي في قيادة منتخب المغرب    انفجارات فى كابول وتصاعد الاشتباكات مع باكستان... القتال يمتد إلى عدة ولايات    رئيس الوزراء: غلق مضيق هرمز واستهداف سفن وإنشاءات نفطية سيؤثر على المنطقة بالكامل    خالد جلال مدربا للإسماعيلي وحسني عبد ربه مديرا رياضيا بدون مقابل    «الرعاية الصحية»: تقويم عظام الوجه باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد بمجمع الإسماعيلية الطبي    بسبب رفضها معاشرته، إحالة عاطل بتهمة قتل زوجته في الوراق للجنايات    التحفظ على أموال صانعة محتوى بتهمة غسل 60 مليون جنيه من نشاط غير مشروع    إحاله أوراق قاتل جاره بكفر الزيات لمفتي الجمهورية    المنشاوي يتابع تنفيذ برنامج ميكنة شئون التعليم والطلاب بكلية الحاسبات والمعلومات بجامعة أسيوط    إجراءات قانونية ضد 22 عنصرًا جنائيًا لقيامهم بغسل 1.4 مليار جنيه    إصابة 13 شخصاً في تصادم سيارتين بالشرقية    مسجد أبو بكر الصديق.. إرث إسلامي وتاريخي في المدينة المنورة    الرياضية: لقاء مصر والسعودية الودي قد يقام في القاهرة بدلا من قطر    شعبية الغردقة تتألق في افتتاح ليالي رمضان الثقافية والفنية بقصر ثقافة الغردقة    محمود أبو الدهب: ناصر منسي الأجدر بقيادة هجوم المنتخب في كأس العالم    إيران: 787 قتيلا ضحايا الهجوم الأمريكي الإسرائيلي    طلاب جامعة القاهرة يشاركون الهلال الأحمر في إعداد قافلة "زاد العزة" المتجهة لغزة    هشام نصر: صدارة الزمالك للدوري ضد المنطق.. ونثق في مشروع جون إدوارد    أخبار فاتتك وأنت نائم| حريق في السفارة الأمريكية..خناقة حريمي.. شظايا وسط إسرائيل    محافظ المنوفية يجري زيارة مفاجئة لمستشفى الحميات بشبين الكوم    خسوف كلي للقمر تزامنًا مع بدر رمضان.. تعرف على المدة وكيفية أداء الصلاة    رئيس الوفد يشكل لجنة لتحويل الصحيفة والبوابة إلى مؤسسة متكاملة    رمضان.. مرآةُ النفسِ والوجدان    بعد مشهد الابتزاز الإلكترونى بمسلسل حد أقصى.. اعرف كيفية التصرف الصحيح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوسف عز الدين عيسى يكتب عن مدن لا يسكنها أحد!
نشر في محيط يوم 17 - 07 - 2008


يوسف عز الدين يكتب عن مدن لا يسكنها أحد!

محيط - سميرة سليمان
الأديب يوسف عز الدين عيسى
" للنيل شاطئان، أما البحر فتبهرنى لا نهايته!"
هذه كلمات الأديب يوسف عز الدين عيسى التي تكشف عن حبه لاستكشاف آلام البشر علّه يستطيع يوما تخفيفها.. له ما يقرب من أربعمائة عمل درامي ومائتي قصة قصيرة وأربع مسرحيات وثمان روايات مطبوعة بخلاف أعماله غير المنشورة.
هو أيضا شاعر، وكاتب للمقالات والأعمدة الأسبوعية في جريدة الأهرام، كان أول مصري يحصل على جائزة الدولة التقديرية في الأدب من خارج القاهرة بالرغم من كونه أستاذا في كلية العلوم، ونتذكر أعماله الأدبية المبدعة والباقية مؤثرة فينا بذكرى مولده.

ولد الدكتور يوسف عز الدين عيسى فى17 يوليو عام 1914فى الشرقية وتخرج من كلية العلوم جامعة القاهرة بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وعين معيدا بها عام 1938. ظهرت ميوله الإبداعية فى سن السابعة و كتب الشعر فى العاشرة من عمره، و يتذكر الدكتور يوسف بيت في قصيدة كان قد ألفها في هذا السن الصغيرة يقول:
فكأنني من فرط ما قد سرني طير تهادى في الفضاء يغرد
و قد كافأه والده بعشرة قروش من الفضة قائلا له أن المكافئة على كلمة "تهادى" وحدها.
رغم التحاقه بكلية علمية إلا أن هذا لم يشغله عن الأدب الذي عشقه فقد كان يكتب القصة القصيرة والأشعار فى مجلة الكلية، حتى التقى بالأستاذ محمد فتحى كبير مذيعي الإذاعة بالقاهرة في هذا الوقت، فقد قرأ أحد أعماله، و هي مسرحية بعنوان "عجلة الأيام" وأعجب بها إعجابا شديدا و طلب منه كتابتها كتمثيلية إذاعية وكانت هذه أول تمثيلية يقدمها للإذاعة عام 1940و من هنا أصبح د. يوسف عز الدين عيسى رائدا للدراما الإذاعية في مصر و الشرق الأوسط ، وقد كتب للإذاعة أعمالا كثيرة منها "فراشة تحلم"، "الرياح البنفسجية"، "عشاق الخيال".
استمرت إذاعة القاهرة تطلب أعمالا من الدكتور يوسف فكتب عديد من الأعمال الدرامية مثل "العبقرية تبكى", "الأيام التى مرت"، "سر الحياة"، "مالك الحزين"، "أحلام العصافير"، "سيكوسيتا"، "نحن و الأقدار"، سلسلة "صور من الحياة" وٍسلسلة "بدون عنوان" التى كان يشترك في إخراج الحلقة الواحدة منها جميع مخرجي الإذاعة ومئات غيرهم.
يوسف عيسى في طفولته
كما أنه صاحب أول مسلسل سيكولوجي في مصر والشرق الأوسط وهو مسلسل من 34 حلقة "عدو البشر"1954 ثم كتب "المملوك الشارد"، "عواصف"، "العسل المر"، "اليوم المفقود" الذي أذيع على مدى ستة أشهر بمعدل حلقة في اليوم و أخيرا "لا تلوموا الخريف".و عشرات غيرها، كما اختيرت أشعاره لتكون من مختارات الإذاعة فغني أشعاره و لحنها كبار الملحنين، منها أغنية القرنفل، التى غناها عبد الحليم حافظ في بدء حياته.
قدم برامجا مزج فيها بين العلم و الأدب لتبسيط العلم للشخص العادي ومنها " العلم و الحياة" على مدى خمس سنوات.

مدينة أسطورية
في عام 1942 عندما علم د.يوسف أن جامعة الإسكندرية تحت الإنشاء طلب نقله من القاهرة إليها فورا. كانت الإسكندرية في عينيه مدينة أسطورية ستساعده على الكتابة.
يقول د. يوسف عز الدين عيسى: ".. اخترت الإسكندرية مسرحاً لأحداث العديد من أعمالي، رغم أن تيار الهجرة إلى القاهرة من جميع أنحاء الدولة لا ينقطع، ولكنني سبحت عكس هذا التيار فهاجرت بمحض اختياري من القاهرة حيث كنت أشغل وظيفة "معيد" بكلية العلوم بجامعتها، وانتقلت إلى الإسكندرية التي انبهرت بجمالها، وشغلت وظيفة "معيد" بكلية العلوم عند إنشاء جامعتها عام 1942. ولقد كتبت معظم أعمالى فى هذه المدينة، وأفضِّل الكتابة في كازينو يطل على البحر حيث يكون الهواء في ذروة نقائه".
مرشح نوبل للآداب!
يوسف عيسى وعائلته
سافر في بعثه دراسية إلى إنجلترا مع زوجته و حصل علي شهادة الدكتوراه عن جدارة حيث امتحنه البروفيسور ويجلزورث وهو أستاذ في علم الأحياء وفي يوم مناقشة الرسالة وضع البروفيسور يده علي نسخة الرسالة وقال: لقد امتحنت مئات الرسائل، لم تبهرني و تمتعني و تؤثر في واحدة منهم كما فعلت هذه الرسالة، و أنا لن أمتحنك ولكنني سأسألك كي أستفيد منك.
لم ينقطع يوسف عن الكتابة وكتب في انجلترا تمثيليات أذاعتها إذاعة البي بي سي البريطانية في برنامجها الثالث وهي: "خطاب الي الله "، " البراعم الخضراء" و" شجرة الياسمين". و كان يصله خطاب شكر من الإذاعة البريطانية التي أعجبتها كتاباته.
آثر د.يوسف العودة إلى الإسكندرية مدينته التي عشقها رغم تفوقه في انجلترا عاد إلى مصر عام 1952.
في عام 1957 انتدب عضوا بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة و كان رئيسا لنادي القصة و رئيسا لتحرير مجلة "أمواج الأدبية" و رئيس مجلس إدارة عالم القصة و رئيسا للصفحة الأدبية لجريدة "الأيام" علاوة علي كونه عضوا باتحاد الكتاب، كما مثل مصر في العديد من المؤتمرات في مصر و خارجها.
تم ترشيحه لجائزة نوبل إلا أن من شروط الجائزة أن تكون الأعمال مترجمه إلي الإنجليزية, الألمانية, الفرنسية أو السويدية؛ و رغم أن رأي كثير من النقاد أن شروط نوبل في الأدب تنطبق علي أعمال يوسف عز الدين عيسي إلا أن الترجمات وقفت عائقا لقراءتها.
حصل على جائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 1987، وسام العلوم و الفنون من الطبقة الأولى مرتين، الأولى عام 1976 و المرة الثانية عام 1989، وسام الجمهورية عام 1981، جائزة الدولة التشجيعية في الأدب عام 1975، درع الإذاعة في عيدها الذهبي، درع التليفزيون في عيده الفضي، درع اليوبيل الذهبي لكلية العلوم لتكريم الرواد، الميدالية الذهبية لكلية العلوم ، كما حصل علي العديد من شهادات التقدير و الدروع من جامعة الإسكندرية و غيرها من الجامعات و قصور الثقافة، تم اختياره كأحسن شخصية أدبية على مستوى الجمهورية لعامي 1998و 1999، وحصل على وسام فارس الأدب عام 1999 من قصور الثقافة لدوره الرائد في رفعة شأن الأدب و الأدباء.
رحل الدكتور يوسف عن عالمنا في 18 من شهر سبتمبر1999 و كان يواظب على محاضراته في الجامعة حتى آخر وقت كما نشرت "الأهرام" له قصه قصيرة جديدة بعد أسابيع من رحيله و كانت قد وجدتها زوجته بين أوراقه و عنوانها "القاعة الكبرى" وهي أخر مؤلفاته.
ولأنه أديب تفوق علميا وتميّز إنسانيا، دأب على كشف أغوار النفس الإنسانية وتحليلها آثرنا التجول بحديقة كتبه لننتقي بعض أزهارها.

"الواجهة"
رواية عن المبادئ الضائعة
تبحث الرواية في قضية الإنسان الشريف الذي يعتنق قيم ومبادىء ويعتقد أن العالم كله مثله يحيا في الواجهة ويرى الكل أصحاب قيم ومبادىء مثله.
ويدور بطل الرواية في الطاحونة للحصول على الدخل وكلما ذهب ليشترى الطعام وجد الأسعار في ارتفاع فلا يستطيع الشراء فيذهب إلى الطاحونة ليدور ويدور إلى أن تنهك قواه ثم لا يستطيع الحصول على قوت يومه في حين كل أهل المدينة يحصلون على المال وتبدو عليهم علامات الثراء ويأكلون أشهى الأطعمة! .
ويتساءل أفي المدينة طواحين أخرى لا أعرفها تعطى أجرا أكبر من الطاحونة التي أدور فيها؟ ويقال له أنه لا أحد يدور في الطاحونة سواك بالمدينة، ويكتشف أنه الوحيد الذي يدور في الطاحونة وتلهب السياط ظهره، ويتساءل من أين يحصل أهل المدينة على كل هذه الأموال ويقال له أن المدينة بها جزء خلفي كل شئ مباح فيه الكل يسرق في الجزء الخلفي.
ينهار البطل ويتساءل لماذا هو وحده بالمدينة الذي يدور في الطاحونة ويحصل على أجر زهيد وتلهب السياط ظهره، يقال له أن هذا صحيح لأنك أشرف من في هذه المدينة فهيا واصل الرسالة التي من أجلها أتيت وابحث عن الحقيقة التي ننتظرها كلنا. في النهاية يموت حزنا بعد أن يكتشف أنه لا أحد يعيش في الواجهة سواه.

"الله أم الطبيعة"
فى عام 1961اختارت منظمة فولبرايت د.يوسف عيسى ليكون أستاذا زائرا في الولايات المتحدة الأمريكية مدة عام، و هناك ألقى محاضرة يثبت فيها وجود الله عن طريق العلم دون التعرض لدين معين. كان ثمانون في المائة من الحاضرون من الملحدين و أجرى استفتاء للحاضرين بعد المحاضرة، فإذا بالملحدين قد تقلص عددهم إلى عشرة أشخاص.
يقول د. يوسف "لقد آمنت بالله عن دراسة لا عن وراثة" و قد حول هذه المحاضرة إلى كتاب بعنوان " الله أم الطبيعة" و دعاه النادي الثقافي الأدبي في جدة بالمملكة السعودية لإلقاء نفس هذه المحاضرة هناك.

"خطاب إلى الله "
في هذه القصة يحكي د. يوسف عن زينب البائسة التي لا أب لها ولا أم ولا أقارب، ولا تعلم كم مر عليها من الأعوام فى هذا الوجود، ولو تذكرت لأدركت أنها بعد أيام ستتم سبع سنوات.
إنها تذكر مثلا، أنها كانت فى إحدى ليالى الشتاء عند باب ضريح السيدة زينب، كعادتها، وكانت تتسول من مرتادي الضريح حتى قابلت ذات يوم امرأة أقنعتها أن تعمل في البيوت بدلا من التسول، وبالفعل ذهبت معها وقاست من هذه السيدة كل صنوف العذاب.
تقول القصة: "..ذات يوم أرسلتها لشراء بعض الجبن والزيتون من عبد القادر البقال ولما عادت فحصت سيدتها الأشياء، ثم نظرت إلى زينب نظرة قاسية وقالت:
- الزيتون أقل مما اعتدنا شراءه بهذا الثمن. هل أكلتِ منه شيئا فى الطريق؟
نفت زينب نفيا باتا أنها أكلت منه شيئا، ولكن سيدتها لم تصدقها، فجذبتها من يدها وجردتها من غلالتها وهوت على جسدها بعصا غليظة ثم ألقت بها فى ركن الغرفة.

زينب تيأس من الحياة
نصحتها مبروكة احدى خدم العمارة بأن ترسل خطابا إلى أبيها لينقذها من هذا العذاب، تذكرت زينب انها لا أب لها ولا أحد ففكرت أن تكتب خطابها إلى الله قائلة: "..هو الذى يعطف على المساكين ولا يظلم الناس ولا يحب الظلم. إذا كتبت الخطاب إليه وألقيته فى ذلك الصندوق الذى أرى الناس يلقون بخطاباتهم فيه، فلابد أن يصله الخطاب".
وطلبت زينب من عبد القادر البقال أن يكتب لها خطابا إلى ربنا، ولم يشأ البقال أن يطفئ شعاع الأمل الوحيد التي تتمسك به هذه المسكينة وعندما سألها ماذا أكتب قالت زينب: " اكتب له أن يأخذنى عنده، فأنا مسكينة، أليس هو الذى خلقنى؟".
وفجأة ترى سيدها أمامها وأعادها إلى البيت الذي أصبحت تكرهه، وفي الصباح التالي تحكي القصة: "...صحا أهل المنزل، ونادتها سيدتها فلم تسمع إجابة وظنتها غافلتهم وهربت مرة أخرى. فهرعت إلى المطبخ تبحث عنها. وجدتها متكورة فى ركن المطبخ. ركلتها بقدمها ركلة قوية لتوقظها فلم تستيقظ زينب، ولن تستيقظ".

"ليلة العاصفة"
تحكي هذه القصة عن حمدي بطلها 12 سنة الذي يذهب إلى المدينة ليحضر فرح أخت صديقه بعد إنتهاء اليوم المدرسي، ويعود متأخرا في المساء، وسط سماء ملبدة بالغيوم، وقد بدأ الرعد وهطل المطر وازداد الظلام حلكة، ويلوذ ببيت من طابقين، قريب من الطريق الزراعي، وأمامه شجرة ضخمة، وعندما يفتح الباب، تطل منه إمرأة في يدها مصباح، فيلقي نفسه في حضنها، بعد أن يكتشف أنها أمه.
وتمضي الأحداث لنكتشف أنها أمه المتوفاة التي جاءت لتخبره من خلال نبوءات بما سوف يمر بالأسرة من أحداث، ومن ضمن هذه النبوءات أنه سيموت في الثلاثين من عمره ليلة عيد ميلاده في منتصف الليل.
عندما فتح حمدي عينيه، وجد نفسه في سريره بمنزله، وبجواره أبوه وأخته، أوضح له والده انه غاب عن الوعي إثر العثور عليه ملقى في الطين على حافة الطريق.
لم يذكر حمدي ما رآه في تلك الليلة، ليلة العاصفة، وما سمعه، بل طواه في أعماق نفسه. وتدور الأيام، ويكبر حمدي، ويكتشف أنه كل ما ذكرته له أمه من أحداث قد حدث بالفعل، وتحولت نبوءات الحلم إلى واقع . ولم يتبق سوى نبوءة واحدة، مما سمعه في هذا المنزل العجيب لم تتحقق بعد. ظل صوت أمه يرن في أذنه، وكأنه صوت الفجر، وهي تقول "مات حمدي ابني يوم عيد ميلاده الثلاثين".
وتمضي الأحداث لنكتشف أنه لم يمت، وتنتهي القصة بقول حمدي فيما يشبه الحكمة: "هناك من الأشياء ما يعجز عقلنا عن إدراكها، مهما أوتينا من علم ".
"الصرخة"
بطل القصة رجل بلا اسم، فالاسم رمز للهوية، وهو مثل الجميع، أناس بلا هويات وبلا معالم تميز شخصاً عن آخر.
هي قصة بطل مهزوم، يفشل في الحصول على وظيفة، كلما تقدم بطلبه لكثير من الجهات. ولا يجد في نفسه دافعا للزواج والإنجاب، تجنبا لمزيد من القلق والشقاء. ولا يجد شيئا أجمل من الوحدة والبعد عن الناس.
تدور القصة حول مدينة بأكملها أصاب أهلها النوم والنعاس. أو الموات، في لحظة من اللحظات، توقف كل شيء عن الحركة والحياة والاستمرار في أداء أعماله الحياتية واليومية.
يصور لنا الكاتب هذه المدينة النائمة، ومن خلال هذا العالم القصصي الساكن الجامد المتوقف عن الحركة، تبرز لنا طفلة صغيرة بريئة، تبحث عن أمها، ومن خلال بحثها، يتجول بنا الكاتب في هذا العالم الصامت الذي توقف كل شيء فيه عن الحياة عند نقطة معينة، ولكن الطفلة الصغيرة عندما تعثر على أمها، فإنها تعيد كل شيء إلى ما كان عليه، من خلال الصرخة القوية الصادقة التي أصدرتها ، ليعود العالم إلى حالته العادية بعد أن توقف كل شيء فيه .

يوسف عيسى ونهم إلى القراءة لا ينتهي
ومن القصة نقرأ:
عندما نزل إلى الشارع شعر أنه الوحيد الباقي على قيد الحياة، فهو على الأقل يعي العدم والموت. إنه لا يعاني من ضائقة مادية بل من خواء روحي. باع سيارته الحقيرة، واشترى سيارة فاخرة، ولكن .. ما فائدة امتلاك قصر وسيارة مرسيدس، وسط عميان لا يرون النعمة التي هو فيها. الناس أيضا لن تلومه ولن توبخه وتسخر منه، لو مشى حافيا وتجرد من كل ملابسه. لا داعي إذن للخدم في الفيللا، ولا لزوم لرابطة العنق. هو يشعر بالراحة وهو يسير حافي القدمين. ولا فائدة من صالون فاخر لن يزوره فيه أحد. ذهب إلى أكبر بنك في الدولة.
حصل على عشرين رزمة من الجنيهات . رماها في (دواسة) السيارة وهو عائد إلى منزله. لا فائدة من هذه الجنيهات. جميع السلع في متناول يده. يستطيع الإستيلاء على السلع دون حاجة لنقود، فأصحاب المحلات في غيبوبة مزمنة، لا يستوقفون من يدخل المحلات. عيونهم تحدق في الزبائن ولا تعيرهم إلتفاتا. إنه يشعر أنه داخل مقبرة كبيرة، تحوي أبدانا حية وقلوبا ميتة.
كما يقول النقاد تكشف القصة عن اللامعنى في حياة معاصرة ماتت فيها الأحاسيس والمشاعر، وغابت عنها العقول والأفكار الحافزة لمواصلة الحياة.

"الجائزة"
هذه الرواية حصل بها الكاتب السكندري د. عز الدين عيسى على جائزة الدولة التشجيعية، تدور الرواية حول ثلاثة علماء نالوا جائزة نوبل في الأدب، الفسيولوجيا، والفيزياء، وفي الطائرة التي تقلهم الى السويد لتسلم الجائزة، أبلغهم قائد الطائرة بأنه قد ضل الاتجاه وسوف يضطر للهبوط في جزيرة مجهولة.
وفي الجزيرة يدور حوار فلسفي بين العلماء الثلاثة وحاكم الجزيرة الذي يأمر بقتلهم لعدم فائدتهم في الجزيرة. لكنهم اقترحوا عليه بناء جسر حول الجزيرة لحمايتها من الفيضان والغرق ، وكان أهل الجزيرة كلما أقاموا الجسر بالنهار ينهار بالليل .. ثم يعيدون بناءه من جديد وهكذا .. دواليك .
ولكن يصل الأمر بالعلماء الثلاثة إلى الاختلاف وإجراء التجارب على الكائنات الحية بالجزيرة قبل إقامة الجسر. وفي نهاية التجارب ونهاية الرواية أيضا تتحول عقول العلماء، الذين فازوا بجائزة نوبل، إلى عقول متخلفة .
"القطار"
نعرف من هذه القصة أن رئيس القطار لا يعرف محطة قيام القطار، ولا محطة وصوله، وكل ما يهمه هو التأكد من أن جميع الركاب قد دفعوا ثمن تذاكر الركوب.
ويصل الركاب إلى مدينة بلا اسم، ولا توجد على لافتة المحطة أي كتابة. وعندما يصل الركاب إلى محطة الوصول، يستوقفهم بعض الحرس، ويطلبون منهم خلع جميع ملابسهم، وترك حقائبهم المليئة بالمال والتحف والبضائع، وهكذا يصلون إلى مدينة الوصول عراة.
ثم يحمل القطار شحنته الأخرى من البشر، وينطلف صفير الإنذار، ويتحرك القطار، وسرعان ما ينساب داخل نفق مظلم، ويغيب عن الأنظار. تلك هي رحلة الحياة الإنسانية، التي يرمز لها القطار، حيث يخرج الإنسان عاريا من رحم الحياة، ويعود إلى قبره عاريا. هي رحلة تبدأ بالعراء وتنتهي بالعراء.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.