مصر تعرب عن صدمتها وقلقها من تصريحات رئيس الوزارء الأثيوبي بشأن سد النهضة    بسبب التقلبات الجوية.. الصحة: رفع درجة الاستعداد للقصوى بالمستشفيات    برلمانية: العمالة غير المنتظمة من أهم أولوياتنا بالمجلس    السيسي: مصر من أكبر الأسواق في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا    أمين عام أوبك: الحوار مع الصين ضرورة للنهوض بصناعة النفط العالمية    نموذج مُحاكاة لتسريع الاستجابة المحلية للقضية السكانية بسوهاج    تراجع سعر الدولار في عدد من البنوك اليوم الثلاثاء    وزير الدفاع الأمريكي يتعهد بالدفاع عن أمن السعودية    دورى ابطال اوروبا.. ملخص مباراة أتلتيكو مدريد ضد ليفركوزن    رغم الفوز.. ترودو لن يتمكن من تشكيل الحكومة بصورة مستقلة    الحكومة اليمنية: تعطيل الحوثيين لاتفاق ستوكهولم يؤكد عدم جديتهم في الجنوح للسلام    «المقاصة» راحة 4 أيام.. وميدو يكشف سر التحول أمام دجلة    سيرجيو راموس يتخطى رقم روبرتو كارلوس    الطرابيلي ينهي اجراءات استقبال بعثة المصري بسيشل    جمارك مطار القاهرة تضبط محاولة تهريب كمية من المنشطات والمكملات الغذائية    كثافات مرورية أعلى دائري البراجيل إثر حادث تصادم    مصرع طفلة غرقا بمركز زفتى والتحفظ على الجثة لدفنها    19 نوفمبر.. الحكم على 6 متهمين في قضية "الاتجار بالبشر"    بعد دفاعه عن حمو بيكا .. تأجيل حفلة تامر عاشور    كليب " باشا اعتمد " ل" أبو الأنوار" يحقق نصف مليون مشاهدة على يوتيوب    زكاة الزروع والثمار .. أحكامها ونصابها ومقدارها    ختام أعمال القافلة الطبية بقرية أبودنقاش بالفيوم    لليوم الثالث على التوالى..استمرار ورشة "تسريع الاستجابة المحلية للقضية السكانية"    "اللهم استغفرك من ذنب يحبس الرزق..اللهم صبيًا نافعًا" تعرف على دعاء المطر    الأوقاف تطلق اسم الشيخ الراحل عبد الباسط عبد الصمد على المسابقة العالمية للقرآن    بسبب التزويغ.. إحالة 260 من الأطباء والعاملين بمستشفى بالبحيرة للتحقيق    الهلال ضد السد.. الزعيم يتأهل لنهائى دورى أبطال آسيا بعد إقصاء بطل قطر    موجة جديدة.. للربيع العربى    رفع جلسة البرلمان.. والعودة للانعقاد 3 نوفمبر    30 مليار درهم حجم الاستثمارات الإماراتية المباشرة في مصر    فيديو.. خالد الجندى: الأنثى أكثر كرامة عند الله من الرجل    "الشؤون التربوية" يدعو لتوفير دعم دولي لاستمرار عمل "الأونروا" في قطاع غزة وتأهيل المدارس والمؤسسات التعليمية    على مسئولية مديرية الصحة .. سوهاج خالية من الإلتهاب السحائي    صور| نفق «الثورة» يكشف فشل المحليات بمصر الجديدة    سيد رجب ينشر البوستر الرسمي ل"حبيب"    مقتل عنصر إجرامي عقب تبادل إطلاق النيران مع القوات بالإسماعيلية    ياسر رضوان يرهن بقاءه فى بيلا بصرف المستحقات المتأخرة    رئيس جامعة القناة يفتتح قسمي العناية ووحدة الحقن المجهري    هالة زايد تستعرض إنجازات «الصحة» أمام البرلمان    "نقل البرلمان" تناقش نتائج زيارتها إلى مطروح    بمشاركة 600 محام.. افتتاح الدورة الثالثة لمعهد المحاماة بالإسكندرية    تأجيل محاكمة 215 إخوانيا في كتائب حلوان الإرهابية إلى 17 نوفمبر    عبد الدايم : مصر الحديثة تسطر واقع جديد محوره الثقافة وبناء الانسان    الإسماعيلى بزيه الأساسي أمام الجزيرة الإماراتي غدا    بالصور.....رئيس رياضة النواب يشارك باجتماع الجمعية العمومية للكشافة البحرية    «أفريقية النواب» تُشيد بإدارة «الخارجية» ل«سد النهضة»    فريق مسرح مصر يسافر إلى الرياض    «مدبولي» يعرض توجيهات الرئيس بإتاحة مستشفيات حكومية للجامعات الخاصة    هل يجوز اختلاء زوجة شابة مع زوج أمها المتوفاة في منزل واحد.. فيديو    ننشر اعترافات المتهمين باستغلال قضية «شهيد الشهامة» في إثارة الفوضى    الأبراج| اعرف مستقبلك العملي مع المهنة المناسبة لمواليد برجك    على أنغام الفرق الشعبية.. مئات الزائرين يحتفلون بتعامد الشمس على معبد أبو سمبل    آلام في الظهر تجبر رئيس الفلبين على قطع زيارته لليابان    أمير عزمي: طارق حامد في يده أن يكون من أساطير الزمالك    أول صورة ل "مكي" مع والده الراحل    وزارة الشباب تطلق النسخة الرابعة من «الحلم المصري» لذوي الهمم    بالصور.. جامعة القاهرة تجدد طوارئ القصر العيني    بجوائز قيمة.. القوات المسلحة تنظم مسابقة ثقافية بمناسبة ذكرى انتصارات أكتوبر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





زمن الرواية ودلالاته
نشر في أخبار الأدب يوم 18 - 12 - 2010

ننشر النص العربي الكامل للمحاضرة التذكارية التي ألقاها د. جابر عصفور في الجامعة الأمريكية ، بمناسبة اعلان اسم الفائز بجائزة نجيب محفوظ لعام 2010، والمحاضرة بعنوان( زمن الرواية ودلالاته).
زمن الرواية هو زمن المقاومة والاحتجاج والمواجهة، وهو يظهر، ويعاود الظهور في اللحظات المفصلية للطبقة الوسطي التي أنشأته، وجعلته صوتها المديني الذي يصوغ موقفها المقاوم للقيود القامعة لحركتها، والمعيقة لتقدمها، في المدينة التي تغدو فضاء موائما لحركتها منذ تأسسها، تعبيرا عن حركة صاعدة، في سياق تاريخي استبدل العمائم بالطرابيش، والأفندية الجدد بالأرستقراطية التقليدية، وكان ذلك في بحث الأفندية الجدد عن معني ومغزي وخلاص، في عالم يحاولون تحطيم قيوده، أو يفتحون أبوابه المغلقة، مستبدلين قيما بقيم، وأنواعا أدبية واعدة بأنواع لم تعد تعبر عن طموحاتهم الجديدة، في المدينة وبالمدينة .
وفي هذا الزمن يتلازم متصلان متقاطعان أولهما متصل أفقي، يصل بقدر ما يفصل بين طرفي الرواية والقصة القصيرة، تحت عنوان القصة التي تجمعهما في متصل السرد، فتقع القصة القصيرة في طرف المتصل الذي تتكثف فيه الرؤية، ويتركز الزمن في نقطة بعينها، وتتقلص الشخصيات، ويتحدد المنظور في اتجاه أحادي البعد، فلا يتسع للتحليل أو التفسير أو تفاعل الرؤي المتناظرة، فذلك اختصاص الطرف الثاني من المتصل الذي تحتله الرواية التي تتأني في النظر، وتأخذ وقتها الخاص في طرح أسئلة الكيفية والماهية والغائية، ممتدة في فضائها، متعددة في أصواتها، مراوحة بين المونوفونية والبوليفينية أو حتي الكرنفالية، لكي تؤدي الدور الذي يفرضه عليها زمنها، أو تنهض به في هذا الزمن، مثل نظيرها الملازم الذي تشترك وإياه في فعل المقاومة والاحتجاج، وذلك في اللحظة التاريخية التي ينقسم فيها هذا الزمن علي نفسه، فتتقابل الأضداد وتتصادم الإرادات، ويغدو البحث عن ملاذ أو مغزي أو معني أو خلاص، هو النغمة السائدة للحظة التاريخية التي تعيشها طبقة وسطي تبحث عن أفق للحرية والوجود والتحقق، مطلقة الطاقة الخلاقة لطلائع الإبداع الذي يغدو خلاصا في ذاته .
هذا المتصل السردي الأفقي يتعامد عليه متصل سردي رأسي، يتوزع طرفاه ما بين السيرة الذاتية ورواية السيرة الذاتية وتقع بينهما تدرجات لا تفارق المتصل نفسه، تتراوح بين المذكرات أو الاعترافات، أو كتابة الرحلات، أو الكتابة الروائية أو السردية عن فترة بعينها من الحياة، قد تكون فترة التكوين التي تفضي إلي »رواية التكوين« أو إلي »رواية المنفي« أو »رواية السجن« التي أصبحت ظاهرة دالة في أفق الرواية، منذ أصدر صنع الله إبراهيم روايته »تلك الرائحة«، ويمكن أن نضيف إليها رواية هجرة المقموعين إلي بلاد الثروة النفطية التي أنتجت نمطا متأخرا من الكتابة، لا يزال نقيضا لما سبقه من سرديات أو روايات الهجرة إلي الآخر التي بدأت مع »تخليص الإبريز في تلخيص باريس« لرفاعة الطهطاوي المطبوعة سنة 1834، مع فجر الزمن الروائي العربي .
وقد بدأت بواكير زمن الرواية العربي مع منتصف القرن التاسع عشر، حين تبلور شكل المدنية العربية، وانقسمت بين زمن شبه إقطاعي آفل، وزمن واعد بصعود الأفندية المطربشين الذين أرادوا مواجهة عصر الإحياء بمثالبه وأشكال قمعه الموروثة، فحل الأفندي المطربش محل الباشا أو البك في إبداع جديد، يفارق الأشكال التقليدية للشعر، وأخذ هذا الأفندي موقع الشيخ المعمم، سواء في إدارة دولاب الدولة، أو الإنتاج الإبداعي لطبقته الصاعدة، وذلك في موازاة تغيير التيارات الفكرية السائدة، مواكبة للتغير الفكري الذي كان لابد أن يصنعه الأفندي الصاعد علي عينه، محررا وعي من حوله من أبناء وبنات الطليعة وكان ذلك يعني قلب التراتب القديم رأسا علي عقب، سواء في فرض النقل علي العقل، والتقليد علي الاجتهاد، والتمييز علي المساواة، أو في العلاقة بين الطوائف الدينية، أو بين الرجل والمرأة، أو وبين الأنا والآخر، أو الدين والعلم، أو الأحرار والعبيد، خصوصا بعد أن وصلت أصداء حركة تحرير العبيد القادمة من الغرب، التي تحدث عنها فرنسيس فتح الله المرّاش في روايته »غابة الحق« 1865 وامتداد نقض التراتب إلي الأنواع الأدبية، فظهر المسرح، وزاحمت رواية الأفندية شعر الباشاوات والباكوات البارودي وإسماعيل صبري وأحمد شوقي إلي أن اضطروا إلي كتابة سرديات روائية كما فعلت عائشة التيمورية والبارودي باشا وأحمد شوقي بك وحافظ إبراهيم الذي تابعهم بإحسان هذه البداية نضم إليها أعلامها أمثال رفاعة الطهطاوي، كاتبا يواجه الحاضر المتخلف بالتقدم الواقع علي الضفة الأخري من البحر، ومترجما يستخدم تغريب الرواية قناعا من أقنعة التقية السياسية، كما فعل أسلافه ابتداء من ابن المقفع وبقدر ما كانت كتابات رفاعة السردية إرهاصا بسرديات عبدالله النديم، والشكل المحدث لمقامات المويلحي وأحمد فارس الشدياق، كان الشكل الحديث للمقامات استهلالا لروايات خليل الخوري وفرنسيس فتح الله المرّاش وفرح أنطون وعلي مبارك وأمثالهم من صناع فجر الرواية العربية .

وقد اكتمل تأسيس هذا الفجر قبيل علامات الحرب العالمية الأولي، عندما صاغ هيكل رواية »زينب« (1913) التي كانت دافعا لأقرانه علي كتابة استمرت إلي نهاية الحرب العالمية الثانية في دورة ختمتها علامات نهاية الحرب التي حملها عام 1944 مع روايات »قنديل ام هأشم« ليحيي حقي، و»شجرة البؤس« لطه حسين، و»كليوباترا في خان الخليلي« لمحمود تيمور، و»المهلهل سيد ربيعة« لمحمد فريد أبو حديد، و»الرباط المقدس« لتوفيق الحكيم ولقد كان هذا العام يحمل علامات ترهص بدخول زمن الرواية إلي حال من الاكتمال والتخصص علي السواء وبقدر ما كان حضور يحيي حقي الإبداعي علامة علي وعد أن يكون الكاتب متفرغا لفن القصة وحدها، في سياق تأسيسها، كانت هناك علامة أكثر سطوعا لظهور شاب اسمه نجيب محفوظ، أصدر روايته الثالثة »كفاح طيبة» بعد روايتيه «عبث الأقدار« و»رادوبيس« وعدد من القصص القصيرة، ضمتها مجموعته الأولي »همس الجنون« .
وقد قُدِّر لهذا الشاب أن يعلن استهلال زمن الرواية الذي لا يلحق بغيره، ولا يكون تابعا مكملا للشعر، أو غيره من أنواع الأدب، وإنما مستقلا بنفسه، يستحق
أن يهب المرء له كل وقته وعمره، ولذلك أري أن عام 1944 بداية زمن مختلف، أرهص وتنبأ بالابتداء الحقيقي لزمن الرواية بواسطة نجيب محفوظ ومن الدال، ملاحظة أن هذا الإرهاص أو التنبؤ كان في لحظة زمنية انقسمت فيها الطبقة الوسطي علي نفسها ما بين يمين ويسار، وشيوعيين وإخوان، وليبراليين وفاشيين، وكان نجيب محفوظ يتعاطف مع اليسار الليبرالي للوفد، بعد أن انطبعت صورة سعد زغلول والنحاس باشا في عقله ووجدانه، بوصفهما أنصع رموز الدولة المدنية في ذلك الزمن البعيد .
ولم يكن سوي هذا الروائي الشاب من يستطيع أن يتصدي للعقاد العملاق الذي أعلن استخفافه بالرواية سنة 1945، مؤكدا أنها قنطار خشب ودرهم حلاوة، وأن بيتا واحدا من الشعر يعدل رواية بأكملها، وأنها من فنون الدهماء وليست من فنون الصفوة التي ظل الشعر علي رأسها .

ويبدأ نجيب محفوظ دفاعه عن الرواية بإعادة الوصل بين الشكل والمضمون الذي لابد أن يتحقق في كل عمل إبداعي، وينتقل من ذلك إلي التفاصيل التي يراها ميزة للرواية علي بقية الفنون الأدبية، فهي لم توجد عبثا لأنها نتيجة حتمية لتطور العصر العلمي العام، فالعلم هو الذي وجه الانتباه للأجزاء والتفاصيل بعد أن حصرته الفلسفة، طويلا، في الكليات، خصوصا عندما اكتشف العلم لكل جزء من أجزاء المادة حتي الذرة حياة وأهمية وينهي نجيب محفوظ دفاعه بأن صعود الرواية اقترن بصعود العلم في العصر الحديث، وأنها أصبحت تقوم بوظائف لا يستطيع أن يؤديها الشعر بحكم طبيعته، فهي فن الدنيا الحديثة الذي يوفق بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق والتفاصيل، وولعه المتجدد بالخيال الذي يضم التفاصيل في نسق متعدد الدلالة والأبعاد والمستويات،وأضاف نجيب محفوظ إلي ذلك أن ما كان يصفه العقاد بالدهماء قد أصبح جماهير الشعب الذين ارتبط صعودهم بصعود الديموقراطية والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، مؤكدا أن قدرة الرواية علي مخاطبة جماهير المواطنين تضيف إلي ميزاتها، دون أن تنتقص منها ولم يكن من المصادفة أن ينتزع هذا الشاب، الذي أرهص بصعود زمن الرواية، جائزة نوبل سنة 1988 بعد ثلاثة وأربعين عاما، مؤكدا نبوءته التي أوصلت الرواية العربية إلي العالمية الحقيقية .
وقد عاش نجيب محفوظ استمرار هذا الزمن ورأي صعوده، كما رأي تحولاته الذاتية وفي الوقت نفسه، شهد نجيب محفوظ تعامد متصل آخر علي المتصل السردي الأفقي، يصل ما بين السيرة الذاتية من ناحية ورواية السيرة الذاتية التي مال إليها في أواخر حياته .
وعلي أي حال، فإن السنوات الأولي من الستينيات اعلنت استهلال كتابة مغايرة، بدأت بالقصة القصيرة، وانتقلت منها، بعد سنوات معدودة إلي الرواية التي أخذ يصعد مدها، تدريجيا، منذ السبعينيات إلي أن وصل إلي ما وصل إليه، حاليا، من حيث التنوع الشكلي والامتداد الجغرافي، وذلك علي نحو جعلنا شهودا علي الازدهار اللافت لزمن الرواية الستيني الذي استهل خطواته بصحوة بالغة الدلالة للقصة القصيرة، سرعان ما أفضت إلي الرواية بخصائصها المقترنة بتفاصيل الإجابة عن الأسباب التي أدّت إلي هزيمة 1967 وتحليل جذورها بكل ما يملكه السرد الروائي من إمكانيات.
وكان العلامة الأولي علي ذلك صدور عدد خاص لمجلة »المجلة« صدر في أغسطس 1966 بعنوان »طلائع القصة القصيرة« وكان العدد يضم نماذج من قصص إبراهيم أصلان المولود سنة 1937، وبكر رشوان المولود سنة 1938، وجميل عطية إبراهيم المولود سنة 1937، وضياء الشرقاوي المولود سنة 1938، ويحيي الطاهر عبدالله المولود 1942، وعز الدين نجيب المولود (1940)، وحسن محسب المولود سنة 1938، ومجيد طوبيا المولود (1938)، ومحمد حافظ رجب المولود 1935، وكمال ممدوح حمدي المولود سنة (1940) ومحمود دياب المولود سنة 1932، ووحيد حامد المولود 1944 الذي نشر له صلاح عبدالصبور مجموعته القصصية الأولي »القمر يقتل عاشقه« في أواخر الستينيات في سلسلة »كتابات جديدة« التي قدمت يحيي الطاهر عبدالله وأقرانه وكان واضحا أن هؤلاء يشيرون إلي غيرهم، مثل جمال الغيطاني (المولود 1945) الذي بدأ النشر سنة 1963، وبهاء طاهر الذي أصدر مجموعته القصصية الأولي »الخطوبة« سنة (1935) بعد نشرها مفرقة علي امتداد الستينيات، شأنه شأن أحمد الشيخ (1939) وسعيد الكفراوي المولود في العام نفسه وأضيف إليهم محمد روميش (1933)، ومحمد البساطي المولود مع الداخلي طه وسناء البيسي في سنة 37، قبل عام من ولادة فؤاد حجازي (1938) وعامين علي ولادة أحمد هاشم الشريف المولود سنة 1940، وثلاثة أعوام من ولادة يوسف القعيد (1944)، وغيرهم من كتاب عقد الستينيات، فضلا عن كاتباته من أمثال زينب صادق وسكينة فؤاد وإقبال بركة ورشيدة مهران ونوال السعدواي وقبلها أليفة رفعت وسعاد زهير .

وكانت العلامة الثانية صدور »جاليري 68« التي كونها تجمع طليعي ضم إدوار الخراط وسليمان فياض وجمال الغيطاني وعبدالحكيم قاسم وأحمد مرسي ومحمد البساطي وغالب هلسا وإبراهيم منصور وأحمد هاشم الشريف ومحمد إبراهيم مبروك إلي جانب محمد حافظ رجب وغيرهم وبعد هذه العلامة جاء مؤتمر الأدباء في الزقازيق سنة 1969 الذي أبرز تمرد جيل شاب، أصبح يطلق عليه جيل الستينيات وكان ذلك في موازاة »ملف أدبي« صحب عدد مجلة »الطليعة« الصادر في سبتمبر 1969 ويضم الملف استطلاعا استكشافيا لأفكار طليعة أدبية، تضم أحمد هاشم الشريف، ومجيد طوبيا، وعبدالحكيم قاسم، وحسن محسب، وفؤاد حجازي، ومحمد إبراهيم مبروك، وعز الدين نجيب، وزهير الشايب، والداخلي طه، وجمال الغيطاني، بالإضافة إلي مجموعة من نقاد السينما ونقاد الأدب والشعراء وكانت هذه المجموعة توازي غيرها من الذين لم
يشملهم »ملف الطليعة« تمارس الكتابة الإبداعية في الاتجاه الطليعي نفسه وكان ذلك في امتداد زمني يتراوح تاريخ ميلاد أفراده ما بين منتصف العشرينيات إلي امتداد النصف الثاني من الأربعينيات، في رؤيته القائمة علي وحدة التنوع التي جمعت أمثال إدوار الخراط (المولود 1936) وسليمان فياض (1929) وأبو المعاطي أبو النجا (1931) وتصل إلي إبراهيم عبد المجيد (1946) ومحمود الورداني المولود سنة 1950 وقد أصبح هذا الامتداد الزمني فضاء ميلاد طليعة أدبية، في مدي كتابة متشابهة الأهداف في الرؤية، متغايرة الخواص في التقنية الكتابية .

وكان واضحا من تتابع الأسماء السابقة أنها جماعة أدبية، أخذت تبرز إلي الوجود وتفرض نفسها منذ عام 1960، العام الذي صدرت فيه رواية »الباب المفتوح« للطيفة الزيات ومجموعة »فتاة في المدينة« لأبوالمعاطي أبو النجا ومجموعة »عيش وملح« لعز الدين نجيب، و»الخوف« لصالح مرسي، وذلك قبل عام واحد من ظهور مجموعة »عطشان يا صبايا« لسليمان فياض 1961، وبعد عامين من ظهور مجموعة »حيطان عالية« (1958) لإدوار الخراط التي كانت إشارة إلي تولد حساسية مغايرة للكتابة، تختلف بالقطع عن حساسية عبدالله الطوخي الذي أصدر »داود الصغير« في العام نفسه (1958) ويوازي ذلك صدور رواية »تلك الرائحة« علامة موازية علي وعي نقضي، آخذ في الصعود منذ سنة 1966 السابقة علي العام المشؤوم 1967، هذه الرواية العلامة فرضت بحضورها الدال قطيعة إبداعية مع التيارات الكتابية السائدة، كما كانت اللبنة الأولي لزمن الرواية الجديد الذي واصل عطاءه وازدهاره، منذ ذلك التاريخ الذي أعقبه التأثير الجذري لهزيمة 1967 التي أنضجت الوعي الستيني، ودفعته دفعا إلي الرواية، في موازاة القصة القصيرة، من أجل فهم ما حدث وتتبع جذوره، بغية الفهم والمواجهة والتخطي والرفض علي السواء ولكن ما نكاد نصل إلي السبعينيات حتي نلمح التصاعد التدريجي لرواية »الرؤية الستينية«، صعودا إلي الثمانينيات التي بدا واضحا فيها خفوت صوت القصة القصيرة علي نحو دال، بالقياس إلي الستينيات الغنية بزخم القصة القصيرة التي كانت، تبدو، بمعني من المعاني، كأنها ومضات إبداعية مكثفة تضئ مسار الرواية اللاحق .
ويسهل ملاحظة أن رواية صنع الله إبراهيم »تلك الرائحة« (1966) قد جاورت روايات »الكذاب« لصالح مرسي، و»ما تبقي لكم« لغسان كنفاني، وأعقبتها، سنة 1967، روايات »ميرامار« لنجيب محفوظ الذي بدا كأنه يري الانهيار الكبير قبل مقدمه بأشهر قليلة و»موسم الهجرة إلي الشمال«، فضلا عن »أيام القلق« لصلاح حافظ التي كان عنوانها كأنه يشير إلي الدافعية التي دفعت جمال الغيطاني إلي أن يكتب حكاياته التي يحيل فيها التاريخ المملوكي إلي أقنعة للحاضر ومرايا لافتراق الأزمنة وتقاطعها، علي نحو ما ظهر في مجموعته الأولي »مذكرات شاب عاش منذ ألف عام« التي صدرت سنة 1969 مع رواية »الحِداد« ليوسف القعيد، كي تستهل ولادة »الزيني بركات« في مطلع السبعينيات وكان ظهور »أوراق شاب« في السنة نفسها التي أصدر فيها عبد الحكيم قاسم روايته »أيام الإنسان السبعة« تأكيدا لهذه الرؤية الكتابية المغايرة، وذلك في موازاة رواية أبو المعاطي أبو النجا »العودة إلي المنفي« التي كتبها قبل أن يكتب قرينه سليمان فياض »أحزان حزيران« (1969)، و»أصوات« (1972) وبعد أن كتب ستيني أصغر منهما هو محمد البساطي مجموعته القصصية »الصغار والكبار« سنة 1967، قبل أن يستقر علي جنس الرواية في النهاية .

ومن المهم ملاحظة أن أيام قلق الستينيات التي اكتوت بجحيم هزيمة 67 لم تكن أيام قلق مصرية أو عربية فحسب، وإنما كانت جزءا من كل، يشمل الكثير من شباب العالم الذي تجاوب مع أقرانه في كل مكان للتمرد علي القديم من ناحية، ودفع الجديد الواعد من ناحية موازية .
ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن تحدث ثورة الطلاب في فرنسا سنة 1968 مع صدور مجلة »جاليري 68« في القاهرة، ومظاهرات طلاب الجامعة التي دفعت عبد الناصر إلي إصدار بيان مارس 1968، امتصاصا للغضب الطلابي الذي لم يصل إلي عنف الطلاب الباريسي الذي كان ثورة سياسية ثقافية اجتماعية، أفضت إلي استقالة ديجول وموته اللاحق ولم يكن من المصادفة، أيضا، أن توازي الثورة الشبابية التي كان وقودها طلاب الجامعة في فرنسا، ما يماثلها في الولايات المتحدة من حركات طلابية جمعت ما بين ضفتي المحيط، وامتدت آثارها إلي كل ألوان الإبداع الأدبي والفني التي وصلت بينها الرواية، وربطت بينها الرغبة الأوريبية في التمرد علي كل تجليات »الأب«، فتهاوت الأبنية المنغلقة وانفتحت علي مراح مبدأ الرغبة، وأبرزت اليسار الجديد، وأنتجت فيلسوف الحركة الطلابية هربرت ماركيوز الأمريكي ذا الأصل الألماني، ومنظّر الحركات الاجتماعية الثقافية آلان تورين الفرنسي، فضلا عن مسكوكات »الثقافة المضادة« و»أوديب النقيض« و»ثقافة التحرر« بكل أنواعها وكان ذلك في سياق تحول جذري شمل العالم، وأدي إلي استقلال اثنتين وثلاثين دولة إفريقية عن الاستعمار الأوربي، في موازاة تولد خطاب ما بعد الاستعمار، ونقض المركزية الأوربية الأمريكية في الاتجاهات الجديدة المتولدة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، فضلا عن ظهور ما أصبح يطلق عليه اسم »النظرية الثقافية« .

ولم تكن الستينيات المصرية في معزل عن ذلك كله بسبب عمليات المثاقفة المتواصلة، والمؤثرة في الكتاب الشباب بدرجات تتناسب مع ثقافة كل منهم ودرجة تعليمه، خصوصا بعد أن نقلت إليهم الترجمة، فضلا عن معرفة عدد منهم باللغات الأجنبية، أسماء المتمردين الجدد الذين أنتجوا الرواية الجديدة في فرنسا، وأدب الشباب الغاضب في إنجلترا، فضلا عن أدب »البيت« في أمريكا، وعلي رأسه رواية چاك كرواك »في الطريق« .
وربما كان من أهم ما أثبتته حركات التمرد الستيني في العالم أفكار مثل تلك التي أشاعها آلان تورين، عندما ذهب إلي أن فهم العالم لم يعد ممكنا بمنظور العلم الاجتماعي أو الاقتصادي وحده، وإنما بالمنظور الثقافي الذي يمايز بين المنفتح والمنغلق من الثقافات التي تغتني بالتنوع وتثري بالتعدد، وتتدافع بالحركات الشابة المتمردة إلي التغيير العام ويقيني أن ثورة الستينيات العالمية وتوابعها هي التي أدت إلي تقويض نزعة المركزية الأوربية الأمريكية، أو تعريتها علي الأقل بفضل نظريات ما بعد البنيوية وما بعد الاستعمار ونظريات الخطاب النقضي الملازمة .
وبقدر ما أدي ذلك إلي تغيير مفهوم الإبداع العالمي وإعادة النظر إلي مفهوم العالمية نفسها، في سياق التمرد علي المفاهيم القديمة، ومنها خطاب الاستعمار الجديد، انفتح السبيل لاستقبال أدب الهوامش والاحتفاء به فغزا الأدب الإفريقي والآداب الآسيوية، عواصم المركز الأوروبي الأمريكي، في موازاة ارتفاع خطاب ما بعد نقض الاستعمار وقد حدث ذلك كله في سياق من التحول الموازي الذي أدي إلي صعود زمن الرواية في الأفق العالمي نفسه وهو صعود اقترن بإنشاء جائزة »بوكر« البريطانية للرواية، سنة 1968، علي خلاف جائزتي بولترز الأمريكية وجونكور الفرنسية وغيرهما من الجوائز العالمية التي ظلت تشمل أكثر من نوع أدبي .

ولم تبرز جائزة "booker" التي عاصر إنشاؤها انفجار ثورة الطلاب في فرنسا أسماء الروائيين الجدد في إنجلترا فحسب، بل أضافت إليها أسماء هندية مثل سلمان رشدي (1981) عن روايته »أطفال منتصف الليل« وأرونداتي روي »رب الأشياء الصغيرة« (1997) وأرفيدا أديجا »النمر الأبيض« (2008)، فضلا عن رواية بن أوكري النيجيري »طريق الجوع« (1991) وكازو إيشيجورو الياباني »بقايا اليوم« (1989).
وطبيعي، في هذا السياق، أن يتغير المؤشر الإحصائي لجوائز نوبل إلي نوع الرواية من ناحية، ورواية الهوامش المتحررة من الاستعمار الأوربي القديم من ناحية موازية وقد كان الشاعر الهندي رابندرانات طاغور الآسيوي الوحيد الحاصل علي نوبل سنة 1913 بمبرر ينص علي أنه وضع أفكاره وعبر عن رؤاه بإنجليزيته الخاصة التي هي جزء من الأدب الغربي وهو تبرير يكشف عن نزعة مركزية أوربية واضحة، سرعان ما خفتت بعد حركة الشباب العالمي الثائر في الستينيات، ودلالات اختيارات جوائز مثل البوكر البريطانية، وجونكور الفرنسية .
ولذلك تحول موقف جائزة نوبل منذ منتصف الستينيات مع منح الجائزة للروائي الروسي ميخائيل شولوخوف، تقديرا لملحمته عن نهر الدون، وتعبيره عن مرحلة من حياة الشعب الروسي وتتدافع أسماء الكتاب الخارجين علي المركزية الأوروبية الأمريكية منذ ذلك الوقت، فيحصل عليها ميجيل أستورياس من جواتيمالا سنة 1967 وياسوناري كاواباتا الياباني في العام اللاحق، وسولجنتسين السوفييتي سنة 1970، وبابلو نيرودا شاعر شيلي سنة 1971 ويرتفع مؤشر الرواية ليظهر اسم سول بيلو وإيزاك سالنجر الأمريكيين 1976، 1978، وجابريل جارثيا ماركيز من كولومبيا سنة 1982، وول سوينكا النيجيري سنة 1986 ونجيب محفوظ المصري 1988 وكاميلو خوسيه ثيلا الإسباني 1989، ونادين جورديمر من جنوب إفريقيا 1991، ودريك والكوت من جزر الأنتيل 1992، وذلك لما يبرزه أدبه من تعددية ثقافية هادفة وهو تبرير مختلف كل الاختلاف عن تبرير نوبل »طاغور«، ويدل علي مدي التغير في وعي عالمي، انتقل من المركزية إلي التعددية، قبل أن يرتفع شعار »التنوع الخلاّق« من خلال »اليونسكو« .
ولذلك يظهر اسم كنزابورو أوي من اليابان 1994 وخوزيه ساراماجو الروائي البرتغالي سنة 1998 وجون كوتزي من جنوب أفريقيا سنة 2003 وبعدها يحصل عليها أحد غاضبي الستينيات هارولد بنتر البريطاني سنة 2005، علي مسرحه الذي يناهض القمع وكل أشكال الانغلاق ويأتي الروائي التركي أورخان باموق سنة 2006، ويختتم القائمة سنة 2010 ماريو فارجاس يوسا الروائي البيروني بما يرجع منحه الجائزة إلي »رسمه خرائط أبنية السلطة«، وتطويره العميق لمقاومة الفرد وتمرده الذي يؤدي إلي النصر أو الهزيمة وما أدل هذا الاستعراض العفوي علي تغير منحني جائزة نوبل ليؤكد التواصل الصاعد لزمن الرواية في العالم، وصعوده بعد الأسماء الروائية المألوفة لكل من رومان رولان (1915) وأناتول فرانس (1921) وسنكلير لويس (1930) وجون جالزورثي (1932) وبيرك بك (1938) وهيرمان هيسه (1946) وأندريه جيد (1947) وويليام فوكنر (1949) وفرانسوا مورياك (1952) وإرنست هيمنجواي (1954) وألبير كامي (1957) وإيفو أندرتش (1961) وجون شتاينبك (1962) وچان بول سارتر (1964).

والحقيقة أن استحداث جوائز عالمية مخصصة للرواية، مثل البوكر البريطانية وغيرها من جوائز العالم، يؤكد المعني نفسه لصعود زمن الرواية سواء في عالمنا العربي أو العالم كله، منذ الستينيات التي لم تقلب الموازين السياسية والاجتماعية فحسب، بل أضافت إليها الموازين الإبداعية التي أدت إلي أمرين متوازيين عربيا، أولهما اتساع الخارطة الروائية العربية لتشمل كل الأقطار تدريجيا، وثانيهما أن »رؤية الستينيات« التي امتدت إلي عقود لاحقة كان دافعها، ولا يزال، العمل علي خلق كتابة مغايرة، في مواجهة جيل الرواد المغايرين والمشجعين أمثال يحيي حقي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس الذي قدم عددا متميزا من أبناء الأجيال الجديدة .
ولقد كانت المعاصرة مصدرا حافزا علي الإبداع الذي يتحدي نفسه بنفسه، لكي يستحق ابناء وبنات الجيل الجديد شرف الوقوف إزاء كبار الأربعينيات والخمسينيات، وفي مواجهتهم، وذلك بهدف تقديم كتابة مختلفة لا أثر فيها للتقليد، بل الابتكار والإبداع الذي لا يزال مستمرا، عابرا بالدوافع الإبداعية نفسها إلي السبعينيات والثمانينيات التي أضافت إلي البداية الستينية، ولا تزال، حيوية التجدد، والتولد الدائم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.