تعرف على عقوبة تزوير التقرير الطبي وفقًا للقانون    ترامب يعلن دعم الحكومة التكنوقراطية في غزة ويشدد على نزع سلاح حماس    محافظ قنا يشهد احتفالية «الإسراء والمعراج» بمسجد عبد الرحيم القنائي    البيت الأبيض: ترامب أوقف 800 عملية إعدام في إيران    زعيمة المعارضة الفنزويلية تلتقى ترامب وتهديه ميدالية جائزة نوبل للسلام    قسد تمنع المدنيين من الخروج عبر الممرات الإنسانية شرق حلب    الأهلى يضع الرتوش النهائية على صفقة ضم هادى رياض من بتروجت    زكريا أبوحرام يكتب: أطفال دولة التلاوة    عصام عطية يكتب: شو وزاري    صلاح دندش يكتب : تخاريف    شيخ الأزهر يحذِّر من خطورة التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى المبارك    الأمم المتحدة تحذر من تفاقم الوضع حال شن ضربة عسكرية على إيران    «كمونة» يكشف كواليس اتحاد الكرة بشأن استمرار حسام حسن مع المنتخب    بعد انقطاع 5 سنوات.. وزير الثقافة يقرر سفر الفائزين بجائزة الدولة للإبداع الفني إلى أكاديمية روما    «أرقى مجلس تم تجميعه».. «ترامب» يعلّق على مبادرة السلام في غزة    وزارة الصحة: أكثر من 22.8 مليون خدمة طبية بمحافظة البحيرة خلال عام 2025 ضمن جهود تطوير الرعاية الصحية    صحة مطروح: إجراء 33 تدخلا جراحيا ناجحا بمستشفى سيوة المركزي    أحمد أموي: الهدف الأساسي للجمارك هو حماية الصناعة المصرية وتنظيم الأسواق    جامعة سوهاج ترد رسميًا على أزمة الطالبة الأولى بقسم اللغة الفارسية    أبرز تصريحات السيسي خلال لقائه وزير التعليم الياباني: توسيع المدارس المصرية اليابانية وتعزيز الشراكة التعليمية    قفلت السكة في وشها، رد فعل صادم من أصالة عن رغبة ابنتها شام احتراف الغناء (فيديو)    النائب أحمد بلال البرلسي يطالب بحد أدنى للمعاشات: الحكومة لا تدفع شيئا.. وهذه أموال المصريين    دعاء تفريج الهم والكرب في ليلة الإسراء والمعراج مجرّب ومؤثر    زعلانين ليه أنا هكون موجود، محمد رمضان يثير الجدل بشأن عدم تأهل مصر لنهائي أفريقيا (فيديو)    رئيس مصلحة الجمارك: نظام التسجيل المسبق للشحنات ACI حقق نجاحًا كبيرًا في تسريع الإفراج الجمركي    تسرب غاز ينهي حياة طفلين شقيقين في أبو النمرس بالجيزة    شديدة البرودة ورياح، حالة الطقس اليوم الجمعة 16 يناير 2026    أول قرار من النيابة ضد المتهم بدهس سيدة واثنين من أبنائها في حدائق أكتوبر    متحدث الحكومة: أنفقنا 300 مليار جنيه على تطوير الموانئ المصرية    متحدثة أمريكية: وجود قوات أوروبية في جرينلاند لا يؤثر على قرار ترامب    واشنطن: جميع الخيارات مطروحة لوقف "المذبحة" في إيران وترامب رجل أفعال لا أقوال    هل تشهد أسعار الدواجن زيادة خلال شهر رمضان؟ اتحاد المنتجين يرد    السعودية والمغرب توقعان برنامجين تنفيذيين للتعاون في مجال الطاقة المتجددة    أبطال وصناع فيلم مؤلف ومخرج وحرامي يحتفلون بعرضه الخاص    جاسم حيدر: الفن العراقي يواجه تحديات ولكل محافظة لون فني يميزها    شيخ الأزهر بمناسبة الإسراء والمعراج: المسجد الأقصى أمانة في أعناق المسلمين لا تسقط ولا تُمحَى    إلى ربع النهائي.. برشلونة يتجنب مفاجآت الكأس ويطيح ب راسينج سانتاندير    حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج.. ما قاله العلماء بين الاستحباب والبدعية    أهم 10 أدعية مستجابة في ليلة الإسراء والمعراج وفضل الصدقات في هذه الليلة المباركة    ميلان يقلب تأخره لفوز على كومو ويواصل مطاردة إنتر في الدوري الإيطالي    خبر في الجول - موعد سفر بلال عطية لخوض فترة معايشة مع هانوفر    لأول مرة في تاريخ الطب البشري، نجاح أول جراحة لتحويل مسار الشريان التاجي دون فتح الصدر    الجمعية المصرية للتكييف: البيئة تساعد مصانع التبريد على استخدام تكنولوجيات لا تضر الأوزون    إريك شيل: أريد قيادة نيجيريا للفوز على منتخب مصر    «رفض يغششه».. طالب يعتدي على زميله بسلاح أبيض بعد امتحان التاريخ في الشرقية    "تعليم الإسكندرية" تنهي استعداداتها لامتحانات الفصل الدراسي الأول للشهادة الإعدادية    بعقد ثلاثى.. مصطفى العش يوقع للمصرى لمدة 6 أشهر وينتظم فى التدريبات غدا    محافظ أسوان يشهد احتفالية الأوقاف بذكرى ليلة الإسراء والمعراج بمسجد الحاج حسن    الرعاية الصحية بالإسماعيلية تستعد لإطلاق المرحلة الثانية من حملة "دمتم سند"    تطورات الحالة الصحية للفنان ياسر صادق بعد دخوله الرعاية المركزة    رئيس جامعة الأزهر يحضر مناقشة رسالة ماجستير ب طب الأسنان حول أحدث أساليب علاج الجذور    النيابة تأمر بتحليل الطعام في واقعة اشتباه تسمم أسرة بمدينة 15 مايو    "الشيوخ" يستأنف جلساته العامة الأحد بمناقشة قضايا المناخ وورد النيل وتعديل قانون الضريبة على العقارات    حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج وأفضل الأعمال    الطقس غدا.. شديد البرودة وشبورة كثيفة والصغرى بالقاهرة 12 درجة    بهاء أبو شقة يعلن تنازله عن الترشح لرئاسة الوفد ويستقيل من عضوية الحزب    حى وسط القاهرة: حريق درب الدهان بمحل إكسسوارات ومحدود    إسقاط الجنسية المصرية عن شخصين لتجنسهما وخدمتهما العسكرية خارج البلاد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبدالسلام العجيلي.. قنديل آخر انطفأ في ليل العرب
نشر في محيط يوم 30 - 07 - 2007


قنديل آخر انطفأ في ليل العرب
العلم، الأدب، السياسة، والحرب مرافىء للذاكرة ترسو عندها مراكب بحار حفر اسمه في الحياة الأدبية والعامة، هو الأديب والطبيب والوزير، هو المتواضع ولكنه الغني في نفسه وروحه ، جمع بين الأدب والعلم، عمل أيضاً في الطب والسياسة، يعد أحد أهم أعلام القصة والرواية المعاصرين في العالم العربي، هو الأديب الإنسان والقاص والروائي، الذي ينهل في كتابته من عبق التراث، ليجعله ركيزة تعيد الحياة إلى روح تحتضر .

محيط : سميرة سليمان
عبد السلام العجيلي... أديب من نوع متميز، نذر نفسه لخدمة المجتمع والأدب، فجعل من الطب مهنة لرعاية المرضى والحفاظ على أبناء وطنه، ومجالاً للتعبير عن الحسّ الإنساني العارم الذي يملأ قلبه وعقله، وامتلك رهافة الشعور والإحساس التي وجدت في الأدب متنفساً لها، فتعانق الطب والأدب ليصوغا أنشودة الوطن والأمة، وليعبرا عن هموم الأمة وآمالها، ويسهما في النهضة الثقافية والمعرفية، فكان أديب الأطباء وطبيب الأدباء، وعلماً شامخاً من أعلام الفكر والأدب، غيبه الموت عن عالمنا منذ أيام قليلة عن عمر يناهز 88 عاما أنجز خلالها ما يزيد على أربعين مؤلفا في حقول الشعر والقصة القصيرة والرواية والمقالة.
ولد الأديب الدكتور عبد السلام العجيلي في مدينة الرقة على ضفاف الفرات شمال شرق سوريا عام 1918م. تعلم القراءة في الرقة ودرس في حلب ودمشق حتى تخرج طبيباً من جامعة دمشق عام 1945م .
مثل مدينته في البرلمان السوري عام 1947م ليصبح أصغر نائب في البرلمان. وشارك مع جيش الإنقاذ في فلسطين عام 1948م، وشغل عدداً من المناصب الوزارية (الخارجية الثقافة والإعلام) عام 1962م .
في بداية حياته السياسية التي سارت بموازاة ممارسته للطب وفوزه بالبرلمان مرشحا عن مدينة الرقة استقال من عضوية البرلمان ليلتحق بجيش الإنقاذ طبيبا وذلك في عام 1948 دفاعا عن الحق العربي في فلسطين .. فيمضي إلى حرب فلسطين طبيباً ومقاتلاً، فهو لا يعرف الفصل بينهما، ولا يقوى على التفريق بين واجبه الوطني وواجبه الإنساني. فنداء فلسطين كان يدوّم في دخيلة عبد السلام العجيلي منذ تعالت أصداء ثورة 1936، حينها سافر لأول مرة إلى دمشق دون علم أهله، وهو الطالب الذي نال لتوّه الشهادة الثانوية (البكالوريا) معتقداً أنه استوفى العلم، أما غاية السفر فقد كانت التطوع في صفوف الثوار ومنذ ذلك الحين لم يغادر نداء فلسطين عبد السلام العجيلي. وتحت عنوان (مجاهدون) كتب العجيلي شعرا يخاطب بها أمه لدى التحاقه بالمجاهدين في فلسطين :

ودعتُ أمي حين جُزتُ المنحنى
إن قدَّر الله ولم أرجع هنا
أماهُ لا تبكي عليَّ فها أنا
قد صُنت أميّ الأرض من كيد العدا
لبيك يا داعي الفدا

وقد تحدث عن تجربته في فلسطين قائلا " لقد أتاح لي تطوعي في هذه الحملة تجربة فذة، ومعرفة غنية سواء من الناحية الشخصية، أو من الناحية العامة، لقد اكتشفت من خلال هذه الفترة التي قضيتها في فلسطين في ميدان المعارك إذا صح لي أن أسميها هكذا، أشياء كثيرة عن سير أمورنا وعن خصائص شعبنا وعن أقدار رجالنا.."
يذكر العجيلي أن أول ما احتفظت به ذاكرته من صور في طفولته كانت صورة جسم لامع، فضي اللون ، يرتسم على صفحة سماء خفيفة الزرقة ويسير على تلك الصفحة بخط مستقيم وبحركة تبدو ثم منظر قطع صغيرة، مستطيلة، تتساقط من ذلك الجسم اللامع عرف فيما بعد أنها طائرة حربية وأن تلك القطع المتساقطة قنابل مهلكة كانت الطائرة تلقيها على مواقع متفرقة من البلدة، موضحا أنها " احدي طائرات جيش فرنسا الذي غزا بلادنا واحتلها باسم الانتداب بعدما غدر الحلفاء بالعرب وتقاسموا بلادهم ".
ثم كبر الطفل وانتقل إلي المدرسة التي كانت بالنسبة له كما يصفها "عالمي المفضل والجميل"، ليروي بعد ذلك العجيلي كيف أقعده مرضا ألم به عن المدرسة مدة ثلاثة أعوام، ليصارحه والده بعد ذلك برغبته في ترك المدرسة ليساعده في إدارة أملاكه.
"كان ذلك مصيرا قاسيا" هذا عبر العجيلي عن إحساسه آنذاك ولكنه استدرك ليوضح أن " هذه الأعوام الثلاثة المتتابعة كانت ضرورية لنضج تفكيري كما أنها ألحقتني بمدرسة من نوع آخر، رحت أتلقى المعرفة فيها لا من أفواه المعلمين أو من صفحات الكتب، بل من مخالطة الناس وممارسة الحياة والتعامل المباشر مع أمورها".
وكانت قصيدة نظمها العجيلي لافتتاح عرض مسرحي مدرسي لأصدقائه هي بداية الطريق لظهور موهبته، والتي جعلت المحيطين بوالده يطالبونه بإعادته إلي المدرسة مرة أخري . داوم العجيلي في مدرسته الثانوية علي نظم الشعر الذي كان في البداية أداته للسخرية والمزاح كما يذكر قائلا : " كنت أسخر فيه من رفاقي وأرسم به صوراً ضاحكة لأساتذتي، وأحيانا أنظم به نظريات الهندسة ودروس الكيمياء في أراجيز ساخرة على طريقة ألفية ابن مالك" موضحا أن تعلقه الحقيقي كان بالفيزياء والرياضيات.
"العلم ، والأدب، والعمل العام " مهام رئيسية ثلاث حملها العجيلي معه من مرحلة الدراسة الثانوية إلى المرحلة الجامعية، ثم إلى جميع مراحل حياته التالية بعد ذلك .
مؤلفاته الأولى توقع بأسماء مستعارة
بدأ العجيلي الكتابة بأسماء مستعارة منذ ثلاثينات القرن الماضي ويرجع ذلك لانطوائه علي نفسه وحياءه المفرط الذي جعله يتهيب من كل إشارة تميزه عن الآخرين، ونشر له كتابات أدبية كثيرة في عدد من الدوريات المشهورة في ذلك الزمن ، مثل مجلة "الحديث" في حلب و "المكشوف" في بيروت
وهي دوريات كانت تحفل بما يكتبه أساطين الفكر والثقافة ويطمح الكثيرون إلى أن تظهر أسماؤهم فيها، أما العجيلي فكان قانعا أن يجاور إنتاجه الأدبي في تلك الدوريات إنتاج المشاهير، وبأن يلقى الإعجاب من القراء دون أن يعرف أحد، إلا الندرة من أصحابه، بأنه كاتب تلك القصص أو المسرحيات أو ناظم تلك القصائد ، واستمر ذلك حتي 1948حيث أصدر أولى مجموعاته القصصية بعنوان ( بنت الساحرة )، وفي هذا العام نظم مع عدد من الظرفاء والكتاب «عصبة الساخرين» من بينهم سعيد الجزائري وعبد الغني العطري، وكان العجيلي من اقترح للعصبة اسمها. كما كتب الشعر والقصة والرواية والمقالة، ومن مؤلفاته الشعرية ديوان الليالي والنجوم، وكتب المقامات.
هذا وقد كتب أيضا في القصة القصيرة: ساعة الملازم، الحب والنفس، الخائن، قناديل أشبيلية، بنت الساحرة، رصيف العذراء السوداء، فارس مدينة القنيطرة، الخيل والنساء، مجهولة على الطريق، موت الحبيبة، الحب الحزين، عيادة في الريف، وفي مجال الرواية كتب: باسمة بين الدموع، قلوب على الأسلاك، أزاهير تشرين المدماة، ألوان الحب الثلاثة (بالاشتراك مع أنور قصيباتي)، حب أول حب أخير سعاد وسعيد، أرض السياد، أجملهن، حمى الطبيب، قطرات دم، جيش الإنقاذ .

كما كانت له إسهامات في أدب الرحلات نذكر منها: حكايات من الرحلات، دعوة إلى السفر، خواطر مسافر، وفي المقالات كتب: في كل واد عصا، فصول أبي البهاء، ادفع بالتي هي أحسن، جيل الدربكة، أشياء شخصية، وغيرها من المؤلفات الأخرى التي شملت نواحي سياسية، ومحاضرات، وغيرها من الكتب الأخرى التي جمع فيها حصيلة ما عاشه وما رآه حيث جاءت هذه الكتب لتلخص تجربته في الحياة والسياسة والطب.
ويعد أدب العجيلي سجلاً حافلاً لتحولات البيئة والمجتمع ، وتغيرات الأفكار والمفاهيم في زمنه من رؤى الماضي إلى استشراف المستقبل .‏رصد العجيلي في كتاباته نثريات الحياة اليومية والمعاشية والسلوكية، ومن ثم سبر أغوار عوالمها في الزمان والمكان، وهو في الوقت نفسه منخرطا في الشأن العام كنائب في البرلمان في عام1947، ومقاتل في حرب فلسطين 1948 ووزير للإعلام 1962م .
ومنذ الهزيمة القومية الوحدوية 1958 التي انهزم معها المجتمعان المدنيان السوري والمصري ومرارة الخيبة والإحباط تسكن أدبه كما في روايته (قلوب على الأسلاك)، ولذا ظلت أسئلة العجيلي هي أسئلة الزمن الليبرالي الذي استشعر غربته وغرابته خلال حقبة أربعين سنة.
هذا وقد حظي إنتاجه بالثناء والتقدير، وترجمت معظم أعماله إلى بعض اللغات الأجنبية مثل: الإنجليزية ، والفرنسية ، والإيطالية ، والأسبانية ، والروسية .. .. وتقديراً لعطائه الثر وتاريخه الطويل، قُلّد مؤخراً في حفل كبير وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة ..
رغم خمسة وأربعبن كتاب..الأدب هواية
"علاقتي بالأدب علاقة هواية" هذه الجملة كانت الشعار الذي يرفعه العجيلي دائما فما من حوار أو ملتقي فكري أو أدبي إلا ويؤكد الأديب السوري علي هذه الجملة ذاكرا "أن إنتاجي كأديب، قد ترجم إلى لغات متعددة، لا ينفي صفة
الهواية عني، ذلك لأني لست أنا الذي سعى إلى جعل اسمي وإنتاجي معروفين في الأوساط الأدبية، العربية منها والأجنبية، لأكون مسئولا عن حشر نفسي في عداد محترفي الأدب، بل إني طالما كتبت بأسماء مستعارة، وطالما تهربت من الانضمام إلى التجمعات الأدبية، وطالما أنكرت على نفسي الصفة الأدبية، بغرض الاحتفاظ بصفتي كهاو"
حيث دأب العجيلي علي أن يتعامل مع الأدب كهواية ممتعة وسامية في آن واحد يمارسها في غير عناء وفي قليل من الجد، ولكنه كان يستشهد في ذلك بقول الشاعر القديم :" صار جدا ما لهونا به رب جد جره اللعب! "

وتتلخص فلسفته كأديب كما عبر عنها في: (أنا كإنسان مؤمن حائر بين أمرين ، أو على الأصح مدرك لأمرين : ضآلة شأني كمخلوق بشري في الوجود ليس إلا ذرة على كوكب هو تابع لشمس تابعة لمجموعة سديمية نعلم بعقلنا القاصر أن الكون المدرَك من قبلنا يحتوي ملايين مثلها ، والأمر الثاني هو كبريائي كإنسان والذي يدفعني إلى الكفاح وبذل كل جهد في سبيل غايات سامية،إن إدراكي لهذين الأمرين يعد الفكرة الشاملة التي ينبعث منها موقفي كأديب في هذه الحياة).
كاتب لا تعنيه التابوهات
كان دائما ما يوجه له النقد بشأن ابتعاده في كتاباته عن تجاوز التابوهات الثلاثة المحرمة وأن عليه أن يكون سياسيا مشاكسا وحسب ولكنه كان يرد قائلا " السياسة في الأدب مسئولية وموقف وليست معارضة للنظام السياسي في كل الظروف والأحوال" كما أنه كان لا يعنيه التعرض الدقيق لعلاقة المرأة بالرجل فكل ما كان يعنيه في هذه العلاقة كما يقول " هو إطارها الاجتماعي والإنساني أما التفاصيل فأنا أتركها لخيال القارئ".
وفي قصيدة أنا في انتظارك يخاطب العجيلي حبيبته قائلا :

أنا في انتظارك يا حبيبي والوردُ
ولهى تسائلني حبيبكِ هل يعودُ
هذا شبابي منك أذوته الوعود
فارحم شباب الورد من حرقات نارك
أنا في انتظارك قد ملأتُ بك الدنُى
وفرشتُ دربك بالزهور وبالجنا
فرغت كؤوسُ القوم إلا كأسنا
وغفا الندامى كلّهم إلا أنا

أما عن الدين فكان العجيلي دائما ما يحلم بكتابة عمل يتناول حقيقة إيمان الفرد بحرية دون قيود تصادره أو تعترض مساره. وكان أهم ما يميز العجيلي كتاباته التاريخية التي كانت مقولة جمال عبد الناصر "أن الشعوب والأمم أشد حاجة في أزماتها إلي التاريخ" منطلقا لها موضحا أننا بحاجة دائما إلي من يذكرنا بأيام القيم والنضال والعشق الرومانسي الراقي، أو كما يقول " إننا نبحث عن الأصالة في تاريخنا لمواجهة موجة الابتذال"
ويعد الدكتور العجيلي قامة من القامات العالية في ثقافتنا العربية المعاصرة، ولم يكن نيله وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة من لدن السيد الرئيس بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية عام 2004 إلا تقديراً منه لهذه الشخصية المتميزة صدقاً وعطاءً، والتزاما ووفاءً.
كان العجيلي كثيرا ما يعزف علي أوجاع الأمة العربية أنغامه الحزينة، وكان لا يلبث أن يردد كفانا شعارات ديموقراطية لا تسمن ولا تغني من جوع، كما كانت كتاباته تعكس حزنه الشديد علي ما آل إليه مصير بغداد... ولكنه مع ذلك كان رافضا أن يصب العرب كل غضبهم على العدوان وحده، لأن ذلك سيكون قصور نظر، ونقص إدراك وجهل.
وهي الأمور التي من الممكن أن نستعيض عنها بالعودة قليلا إلى الوراء لنتبين العوامل التي أدت بنا بأن نكون ضحايا هذا العدوان وفريسته، واستطاع العجيلي أن يكسب احترام الكثيرين, ليس في سوريا فحسب بل وفي البلاد العربية والأجنبية أيضاً؛ وبقي طموحه, تأدية واجبه بقدر الإمكان, فقدم الكثير قولاً وعملاً، وعلى عكس الكثيرين, لم تشكل المظاهر والمناصب والجوائز سوى أشياء لا لزوم لها, كانت بالنسبة إليه .

قبض الريح وباطل الأباطيل
لِمن القبابُ تروعُ والأسوارُ
وزخارفٌ حارتْ بها الأبصارُ
لا حَيَّ في حبّ المنيّةِ والردى
إلاّ الصخورُ تئِنُّ، والأحجارُ
قفراء والأشباح ملء دروبها
ومن الفجيعةِ جحفلٌ جرّارُ
تحبو الحياةُ مروعةً في جنبها
وتدِبُّ في عرصاتها الأفكارُ
لما مشينا والحياةُ بظلِّها
نفضت مراقد بومها الأوكارُ
وتململ الأمواتُ في أجداثهم
لما علا من صخبنا إعصارُ
يا موتُ لا تُغْضِبْكَ منّا خَلَّةٌ
ركضت بأيدي خيلنا الأقدارُ
نبكي، ونضحكُ، والحياة وأهلها
كلٌّ إليكِ مردُّهُ والدارُ

هكذا كان العجيلي العمل لديه شيء مقدس يعلو ولا يعلى عليه، واستطاع بفضل ما أوتي من همة ونشاط، وما أوتي من رغبة في إعطاء الأشياء حقها أن يوفق بين مهنتين اثنتين، تتطلب كل واحدة منهما وقتاً تضيق به ساعات اليوم الواحد، فهو في عيادته طبيب وخارج الطب، في الحقل الأدبي، في سوريا وفي الوطن العربي، وفي العالم أديبٌ له حضوره المميز واللافت، كذلك فإنه لا يدع واجباً دون تأديته على أكمل وجه في مدينته الرقة التي أحبته رجلاً متواضعاً أصيلاً من منبت طيب، من دون أن يؤثر أداؤه لواجبَه على اهتماماته الأخرى .
قالوا في حب عبد السلام العجيلي
البروفسور جاك بيرك مستشرق فرنسي : "وقد كانت القدرة على تكثيف العقدة الدرامية هي ما أثّر في نفسي، منذ أول نصوص نشرها هذا الإنسان الذي أسهم في معارك جيله بدون أوهام ولكن ليس بدون التزام".
نزار قباني : "أروع بدوي عرفته المدينة، وأروع حضري عرفته الصحراء".
يوسف إدريس : " رائد القصة القصيرة في الأدب العربي الحديث".
البروفيسور جان جولميه مستشرق فرنسي : " غوته وستاندال وفلوبير، أسماء أعلام في الأدب مشهورة وعبد السلام العجيلي يستحق أن يشبه بأساتذة فن الرواية الكلاسيكي هؤلاء، وأنا قادر بسهولة على إقامة البرهان على صحة ذلك، لو كنت أملك الزمان والمكان اللازمين."


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.