حين يلعب الغباء الإسرائيلي لمصلحة الفلسطينيين...! حسين حجازي هل تجاوزنا الحقيقة، أو أخطأنا التقدير، او خالفنا الصواب، حينما رأينا أن هذه المقاربة الامنية الخالصة، الحربية تماماً، من أجل تحقيق السلام، انما تجعل من هذا السلام، سلاماً مغمساً بالدم، وأنه ليس على الفلسطينيين، وقد اختبروا على جلدهم، كل هذه الترهات منذ سبع سنوات، ان يمنوا أنفسهم بمثل هذه الامنيات الزائفة؟ هل كنا وحدنا من رأى في زيارة بوش، نذيراً أسود، كذاك المانشيت العريض باللونين الأسود والأحمر الذي وضعته "الأيام" على صدر صفحتها الرئيسية يوم الاربعاء الفائت؟ أم أن كل شيء كان واضحاً، لمن كان له أذن تسمع وعين ترى، كما يقولون، وأنه ليس آمالاً طيبة، ولا يحزنون. لقد كان واضحاً أن غزة هي العنوان. ولكن كان واضحاً بنفس القدر، ان المعضلة الغزية، التي تحولت في الآونة الاخيرة الى ما يشبه خزاناً يوشك على الانفجار، هي المشكلة والحل، في آن معاً، الذي يختبر على بواباتها، بل قل على اسوارها، مصير هذا السلام. وكما كان متوقعاً، وكما يحدث في مسلسل الاحداث الدرامية، حيث اللاعبون والاحداث يقتفون في مواقفهم، وردود افعالهم، هذا الطابع الجبري، والمحكم، الذي يستبعد أي حل آخر، او نهاية اخرى لهذه الدراما سوى المأساة، فإن الحركة الافتتاحية في هذه الاحداث التي استهلت، في لقاء بوش واولمرت، بتوعد غزة، هي التي حددت وجهة الاحداث اللاحقة، تجعل كل الكلام الآخر عن تحقيق السلام غير ذي صلة. هكذا اذاً نتعلم للمرة المئة، في غضون هذه اللعبة المتدحرجة، أن المقاربات الامنية، كبديل عن المقاربة الاستراتيجية الشاملة، لنزع الاسباب الصراعية، سوف تديم هذا الاشتباك المتواصل. بين ثنائية الادارة التفاوضية، والادارة الحربية، الصراعية، وقد قضى عرفات في محاولته التغلب على هذه الثنائية، بتغليب المقاربة السياسية الشاملة، ولكن عرفات فشل، وبفشله كان يجب ان ندرك، بأن السلام لن تقوم له قائمة على قاعدة فشله، وقتله. واليوم، حسناً أن الاحداث رغم فداحتها المؤلمة، تعجل بطرح هذه المشكلة أمام خلفاء عرفات المنقسمين على انفسهم، بين غزةورام الله، حسناً هذا التبكير بقدوم الازمة، لكي يأخذ الفلسطينيون على عاتقهم، طرح هذه المقاربة جانباً، فإما الادارة التفاوضية لحل النزاع، وإما الادارة الصراعية الى ما لا نهاية. وحتى الآن، اللحظة، ينطبق على الموقف، المثل القائل، "ربّ ضارة نافعة"، فقد قيل في الازمات السالفة إنه في الحرب، كما التفاوض، ينتصر عمل فطين ذكي، على عدو غبي، وليس ثمة اليوم، اغبى من هذين الذكيين، او اذكى من هذين الغبيين، اولمرت وبوش، اللذين أوقعا نفسيهما والسلام المنشود بهذه الورطة. لنلاحظ هنا، أن الاشارات التي صدرت مساء يوم الخميس عن الرئيس ابو مازن، عن امكانية اتخاذه موقفاً، بوقف المفاوضات، او حتى التهديد باستقالته، هي مناورة ذكية، للعب ورقته الشخصية هو نفسه، الذي يعتبر موقفه حجر الزاوية، والمفتاح في كل هذه القضية، وان مناورة جدية من قبيل التهديد، بوقف المفاوضات، او الاستقالة، وهو ما يعتبر ذهاباً الى شفير الهاوية، يمكن ان تشكل ضغطاً حقيقياً، لوقف العدوان على غزة، وإحداث، هذه المقاربة الفلسطينية الخالصة، في حل المعضلة الغزية، كما اعادة الاعتبار لادارة تفاوضية للنزاع، تقوم على المقاربة السياسية وليس الأمنية. يوجد اذاً مفتاح الحل للخروج من الازمة اليوم، في قدرة الرئيس على لعب ورقته الشخصية الخالصة، وهي الورقة الأهم، في المناورة السياسية، وإن موقفاً يتخذه الرئيس ويستجيب من خلاله، للمزاج الفلسطيني العام في غزة والضفة، من شأنه تغيير مسار الازمة الحالية لمصلحة الفلسطينيين. إنني أمتدح هنا، بادرته التي تتجاوز الطابع الانساني برأيي، الاتصال بالدكتور محمود الزهار لتعزيته باستشهاد نجله، وهي المبادرة التي رأى فيها الفلسطينيون خطوة في الاتجاه الصحيح، لكسر الحاجز بين فتح وحماس، رام اللهوغزة، على طريق اعادة توحيد الموقف الفلسطيني. إن تقاسماً حتى ولو بصورة غير مباشرة، أو متفق عليها، كنتيجة لتداعي الأحداث، بين غزةورام الله، حماس وفتح اليوم، يمكنه ان يقلب قواعد اللعبة الحالية، الضارة بكلا الجانبين الفلسطينيين. وهاكم تصوراً لهذا التقاسم الممكن في لعب الادوار، الذي بامكاننا تحقيقه، ويمكن ان يشكل جواباً استراتيجياً لاستثمار الازمة الحالية، واذا كانت قراءتي للتكتيكات التي ينتهجها كلا الطرفين: حماس في غزة، والرئيس في رام الله، غير مجانبة للصواب، فإن كلا الطرفين هما اليوم، اكثر قرباً من صنع موقف سياسي، يمثل قلباً للموازين، دعونا اذاً نقارب هذا الموقف بصورة أكثر وضوحاً. اولاً: موقف الرئيس وفتح: لقد اشرنا الى ان الرئيس يملك أن يلعب ورقته الشخصية، ووقف المفاوضات، لطرح الخيار امام اسرائيل والادارة الاميركية، إما بتقويض العملية قبل ان تبدأ، ونسفها او اللعب وفق قواعد جديدة للعبة، قوامها، استبدال المقاربة الامنية بمقاربة استراتيجية شاملة، على قاعدة، من نقطتين: اعتبار غزة، وحماس، جزءاً من الحل، باعتبار أن مشكلة حماس، هي مسألة فلسطينية داخلية، تحل عن طريق الحوار والتوافق، وثانياً، التوصل الى وقف لاطلاق النار، كوقف للعنف الحالي المتبادل، باعتبار أن هذا الاتفاق على وقف النار هو المقاربة الوحيدة الممكنة، لحل المشكلة الامنية، الصفحة الاولى من خارطة الطريق، واعطاء وزن اكبر للرئيس في التوصل الى هذا الاتفاق، بما يشمل فك الحصار. على الرئيس ان يأخذ المبادرة الآن، في الضغط على الاميركيين واسرائيل من اجل افساح المجال للفلسطينيين معاً، للتوصل الى اتفاق على التهدئة، يكون بمثابة الأساس لاتفاق على وقف اطلاق النار، وانهاء مشكلة الانقسام الداخلي، والمعضلة الغزية، اذا كان يستحيل تحقيق السلام من دون غزة، ولا يوجد حل عسكري اسرائيلي لغزة. ثانياً: حماس: كما كان متوقعاً، اشتداد الضغط العسكري والسياسي، على حركة حماس في غزة، لم يكن يطرح على هذه الحركة، سوى الذهاب هي الأخرى ايضاً الى حرب محدودة، أو حتى مفتوحة. والواقع، أن حماس تلقفت الحماقة الاسرائيلية بارتكاب هذه المجزرة، من أجل انتهاج مقاربة عسكرية قوامها، توسيع الأزمة، على قاعدة القول المأثور "اذا اردت ان تصغر مسألة عليك بتكبيرها". واذا تخلت عن إحجامها السابق والحذر، بقصف المدن الاسرائيلية المحيطة بغزة، فانها وقد امسكت اسرائيل متلبسة أمام العالم، بهذه الجريمة، صعدت من قصفها بالصواريخ، على أمل ان توسيع رقعة الاشتباك، هو المخرج الوحيد لحماس من الاستنزاف الحالي، الذي تمارسه اسرائيل منذ عدة شهور، وهي ترى ان نجاتها، بعكس التهديدات الاسرائيلية السيكولوجية اساساً، قد تكون بمثل هذه الضربة الاستباقية الشاملة، التي تمنحها القدرة بعد ذلك، على التفاوض غير المباشر على صفقة شاملة، قوامها، فك الحصار والتهدئة، وتبادل الاسرى. وبموازاة ذلك، احداث هذا الانقلاب في المزاج الغزي والفلسطيني عموماً، تجاه حماس. والراهن، أن حماس نجحت في تحقيق هذه الاهداف، وهذه هي المؤشرات: 1- قيام حماس بتحدي اسرائيل عن طريق قلب قواعد اللعبة السابقة، وضع الكرة في الملعب الاسرائيلي، لامتحان قدرتها الحقيقية، والكشف عن هذه القدرة على حد سواء. ومن الواضح، ان اسرائيل التي تجد الآن نفسها متورطة في هذه اللعبة، لا تملك خيارات كثيرة، لوقف هذه الحرب، دون دفع ثمن سياسي لحماس، او الفلسطينيين ككل، قوامه، الخضوع لمقاربة تفاوضية جديدة. 2- وبخلاف اسرائيل وواشنطن، وحتى الرئيس ابو مازن، فإن جميع هؤلاء اللاعبين لديهم ما يخسرونه من استمرار التصعيد الحالي، فيما حماس التي حشرت الى الزاوية، ليس لديها ما تخسره، بل على العكس، فإن كل يوم يمر على تصاعد الازمة، يلعب لمصلحتها، اذا كانت كل قصة انابوليس وباريس ومفاوضات السلام سيتم تقويضها بضربة واحدة. 3- وبخلاف الوضع السابق، حيث المزاج الغزي والفلسطيني عموماً، لم يكن في مصلحة حماس، فان اطالة هذه الازمة سوف تعمل، وهي عملت حتى الآن، على استعادة حماس كسبها لهذا التعاطف. باختصار، يتضح اليوم، أن اسرائيل الحمقاء، لعبت مرة اخرى لمصلحة حماس، وليس لمصلحة شريك السلام، وبقي ان نعمل نحن، مع الاستفادة من هذه الاخطاء، لاعادة تجليس الموقف الفلسطيني، لمصلحة رؤية استراتيجية، على قاعدة اعادة المصالحة، والتوافق، بين رام اللهوغزة، وتبادل الادوار، لكسب نتائج هذه الازمة سياسياً، والله ولي التوفيق. عن صحيفة الايام الفلسطينية 19/1/2008