بيت أقل بياضاً خيري منصور لو كان سارتر حياً، لانفرد بمقالة لا مثيل لها عن فوز أوباما بالرئاسة الأمريكية، فهو من أكثر الأوروبيين انحيازاً للسود في أمريكا وخارجها، وحين كتب عن الرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سنجور وزميله الشاعر ايميه سيزير سماهما “أورفيوس الأسود" الذي جاء من العالم السفلي لينقذ العالم وليس العكس، وما كتبه عن د. فرانز فانون في مقدمة كتاب “مُعذبو الأرض" قد يرى فيه البعض الإنجيل الأسود. لو كان سارتر حياً لتساءل، كما هي عادته، ما الذي فعله أوباما الكيني الأصل بسواده؟ وما الذي يمكن لأي أسود آخر أن يفعله بسواده؟ فالأمريكي الأبيض زعم ذات إبادة أن السود لا يصلحون لأكثر من مسح الأحذية على الارصفة، وثمة من صدقوا ذلك، لكن المرأة التي رفضت لأول مرة أن تخلي مقعدها في الحافلة لسيد أبيض كانت هي الأخرى تتقدم خطوة نحو البيوت البيض، ومنها ذلك البيت الذي كان حكراً على الرجل الأبيض لثلاث واربعين مرة. وأذكر ان سارتر كان أول من تساءل عن مستقبل السود في عالم شديد البياض، وإن كان الامريكي الرائد والشاعر المبشر بالحرية والت ويتمان قد كتب في إحدى قصائده بأنه قادر على أن يرى البياض في عمق السواد. ثمة إذن من يعلن الحق في الحلم، مثلما ان هناك من يحول الحلم الى واقع، لكن أوباما لم يكن الكائن الأول الذي اجترح المعجزة البيضاء، فقد سبقه الوف، بل ملايين من السود الذين هزوا قبضاتهم في الهواء. ويخطئ من يعزل انتصار أوباما عن ذلك التراكم التاريخي لنضال السود، فأمريكا ذات جذور إفريقية الى حدّ بعيد، والزمن لابد أن يتغير، وهذا ما عبرت عنه سيدة بيضاء عندما قالت إن الأمريكيين ضجروا حتى من لونهم. قد تكون الأمور اكثر تعقيداً من كل هذا، لكن من شاركوا السود الامريكيين رقصتهم بعد فوز أوباما هم أكثر عدداً من كل ما ترصده الحواسيب. الشبان الذين أدلوا بأصواتهم لأوباما ليسوا كلهم من السود، وشعوب العالم التي كانت تعد الأيام استعداداً لكسر جرار الفخار وراء الرئيس بوش لها حساباتها الخاصة. والأمر كله متعلق أولاً وأخيراً بالديمقراطية، فهي لا تقبل التدجين ولا تشبع ايضاً، وعلينا لكي نتأقلم مع نتاجها ان نتوقع منها افراز ما نحب وما لا نحب، فالمسألة أبعد من الأهواء والرغائب. قبل عقدين من الزمن تولى قيادة الجيوش الامريكية جنرال أسود، وبعد ذلك ترأست الدبلوماسية الأمريكية امرأة سوداء. لكن الجنرال كولن باول والسيدة كوندوليزا ليسا فرس الرهان السوداء في هذا السباق المحموم. وفي نهاية المطاف، لا تقاس المواقف بالألوان فقط، وباراك أوباما لم تدخل أطروحاته الى الاختبار حتى الآن، ومن يدري قد يكون أشد بياضاً من بوش وتشيني، من حيث المواقف السياسية، وقد يكون ترجمة متأخرة وغير فورية لحلم السيد “كنج". عن صحيفة الخليج الاماراتية 9/11/2008