التعليم تتخذ إجراءات عاجلة بشأن اصطحاب الهواتف المحمولة في المدارس    رويترز: المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي غادر طهران وتم نقله إلى موقع آمن    اليوم.. محاكمة التيك توكر نرمين طارق لاتهامها بنشر مقاطع فيديو خادشة للحياء    90 دقيقة متوسط تأخيرات «بنها وبورسعيد».. السبت 28 فبراير 2026    ملتقى الجامع الأزهر يناقش الأمن الفكري وسبل الحفاظ عليه في رمضان    بعد تعرضه لوعكة| تطورات الحالة الصحية للإمام الأكبر أحمد الطيب    تحديث لحظي لسعر الذهب اليوم 28 فبراير| عيار 21 وصل لكام؟    كندا تعلن نقل بعض دبلوماسييها من إسرائيل على خلفية توترات الشرق الأوسط    حياة كريمة فى الغربية.. الانتهاء من مشروعات الرصف والتطوير ببسيون    نشرة أخبار طقس اليوم السبت 28 فبراير| الأرصاد تحذر من برودة وأمطار    أيهما أفضل لصحتك؟.. الصودا الدايت أم العادية    تعرف على تفاصيل تصدر ضياء عبد الخالق تريند جوجل    خرجت لشراء مستلزمات رمضان.. فعادت جثة    في مواجهة جريمة الإحتكار.. الداخلية توجه ضربات قوية ضد محتكري السلع    صحاب الأرض دراما الآلم والأمل.. أساتذة الإعلام: دراما تفرض حضورها    ثنائية رمضانية للأوبرا.. أنغام نورانية للإنشاد بمعهد الموسيقى    بعد تعرضها لحادث.. غادة إبراهيم تستكمل تصوير «المتر سمير»    بين الاعتراض والقبول.. تأخر قانون الأحوال الشخصية سببه إشكاليات جديدة    تحطم طائرة شحن عسكرية في بوليفيا وسقوط 15 قتيلاً و30 مصابًا    هجوم على دورية للأمن السوري في ساحة الأمويين وسط دمشق (فيديو)    لقطة إنسانية بين الخطيب وأحمد مرتضى في عزاء أسطورة الترسانة تشعل منصات التواصل    هل كُتبت السنة بعد 300 عام؟.. باحث في الشريعة الإسلامية يُجيب    دعاء الليلة العاشرة من شهر رمضان.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    "مواليد 100 عقبة؟".. بيزيرا بين الحصول على اللقطة والتأقلم في مصر    سحور ذكي | 5 أطعمة تمنحك الطاقة وتشبعك حتى الإفطار    الخارجية الأمريكية تؤكد دعم حق باكستان في الدفاع عن نفسها ضد طالبان    وزير الخارجية العماني: إيران وافقت على عدم الاحتفاظ باليورانيوم المخصب    ترامب يأمر الوكالات الفيدرالية بوقف استخدام تكنولوجيا شركة ذكاء اصطناعي    ترامب: لا تخصيب لليورانيوم الإيراني ولو حتى بنسبة 20%    مجلس النواب يوافق على إدراج مناقشة تأخر تكليف خريجي الكليات الطبية ضمن جدول الأعمال    كلاكيت تاني مرة، تامر الكوراني يفوز بمنصب نقيب مهندسي الغربية    هذا آخر ما قاله شعبان عبد الرحيم قبل وفاته: الدنيا هتطربق بعد ما أموت    وفاة الفنانة الشابة إيناس الليثي    وفاة مفاجئة لممثلة شابة.. تعرف على التفاصيل    كامويش وآخرون.. من الغائبون عن الأهلي أمام زد؟    الزمالك يهزم سبورتنج فى المرحلة الثانية بدورى محترفى اليد    الرقابة الشعبية الرقمية في مواجهة احتكار السوق وجشع التجار    ألمانيا تأمر بسحب سيارات بي إم دبليو من أنحاء العالم بسبب خطر اشتعالها    معهد التغذية يكشف عن أفضل سحور صحي    محامٍ يوضح المسؤولية الجنائية على قائد سيارة كرداسة رافع علم كيان الاحتلال    "درش" الحلقة 10.. لقاء الخميسي تتقدم ببلاغ ضد سهر الصايغ    صناعة السيارات في مصر على مفترق طرق.. من التجميع إلى التصنيع العميق    ترامب يوجه الوكالات الاتحادية بالتوقف عن استخدام تكنولوجيا أنثروبك    محافظ أسيوط يشارك عمال نظافة حى غرب إفطارًا جماعيًا.. صور    عبدالظاهر السقا: عقوبة الإيقاف 3 مباريات ظلم والاتحاد يركز على البقاء بالدورى    هشام يكن: هدفي مع إرتريا الوصول لأمم أفريقيا    رمضان 2026| بعد وجبة خفيفة.. أفضل وقت لتناول دواء الكوليسترول خلال الصيام    أجوستي بوش: لم نظهر بالمستوى المطلوب أمام مالي.. ونسعى لتصحيح الأخطاء قبل مواجهة أنجولا    فيديو موقعة الأسلحة البيضاء ببني سويف.. الأمن يكشف كواليس معركة عامل التوصيل والطالب    مصرع وإصابة شخصين في حادث مروع بين موتسيكل وربع نقل بأبشواي    وزير الزراعة يهنئ الرئيس السيسي بذكرى انتصارات العاشر من رمضان    هانز فليك يوضح موقفه من تجديد عقده مع برشلونة    أحمد عبد الحميد: كزبرة عنده مواهب حقيقية وفى ناس مستكترة عليه البطولة    كيف تحافظ على تركيزك في رمضان؟.. عادات يومية تعزز نشاطك الذهني    أدعية ثاني جمعة من رمضان.. كلمات رجاء بالرحمة والمغفرة    عمرو خالد: مهما كانت ذنوبك.. سورة التوبة تفتح لك أبواب العودة إلى الله    عيار 21 الآن فى مصر.. آخر تحديث لأسعار الذهب اليوم الجمعة    موعد اذان العصر.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 27 فبراير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في الدول الديمقراطية لا يبقى شيء سراً إلى الأبد
نشر في محيط يوم 04 - 06 - 2009

يقدم كتاب «المرض والسلطة» لمؤلفه وزير الخارجية البريطاني الأسبق اللورد ديفيد أوين، الذي تنشره «القبس» على حلقات، دراسة للمرض وأثره في رؤساء الدول. وينظر في كيفية تأثير المرض والعلاج البدني والنفسي، في عملية إدارة الحكم وفي اتخاذ القرارات التي قد تقود إلى التصرفات الحمقاء أو الغبية أو الطائشة.
ويهتم الكاتب بصفة خاصة بالزعماء الذين لا يعانون من المرض بالمعنى العادي، ومن تعمل وظائفهم الإدراكية بصورة جيدة، ولكنهم أصيبوا بما يطلق عليه «متلازمة الغطرسة»، التي أثرت في أدائهم وتصرفاتهم. ومثل هؤلاء الزعماء يعانون من فقدان القدرة والوثوق المفرط في النفس، وازدراء النصيحة والمشورة التي تتعارض وما يعتقدونه، بل وحتى رفض أي نصيحة مهما كانت.
ولقد ظل الدكتور ديفيد اوين ومنذ فترة طويلة يهتم بالعلاقة المتبادلة بين السياسة والطب، وهو يستخدم في الكتاب معرفته الواسعة في المجالين للنظر في المرض ضمن حالات مختلفة في حياة السياسيين، وما إذا كان من الممكن حماية المجتمعات من مرض زعمائها!
الغزو
في 29 أكتوبر جرى انزال قوات مظلات اسرائيلية بقيادة قائد عسكري مغمور حينها هو ارييل شارون في سيناء. وفي اليوم التالي، وحسب الاتفاق مع الاسرائيليين، اصدر البريطانيون والفرنسيون انذاراً يطالب بوقف اطلاق النار والتهديد بالتدخل اذا لم يتم الاتفاق حول ذلك. رفض جمال عبدالناصر الانذار وفي 31 اكتوبر بدأ الغزو العسكري الانغلو-فرنسي.
بدا ايدن حينها يتصرف بصورة تنم عن هدوء اكثر. فبالرغم من الضغوط والقلق في 30 اكتوبر، فإنه اظهر هدوءا عندما بعث ببرقية الى الرئيس ايزنهاور بعد شن الغزو. ففي 31 اكتوبر عندما شنت القاذفات البريطانية ضربات ضد القواعد المصرية كتبت اليزابيث زوجة لورد هيوم انها «أعجبت بالطريقة الجيدة التي بدأ بها رئيس الوزراء وكل من اعضاء الحكومة».
ولكن يبدو ان ذلك كان وضعاً مؤقتاً. فقبل ساعات من اذاعة ايدن لبيان موجه للمواطنين في مساء يوم 3 نوفمبر رأى مندوب هيئة الاذاعة البريطانية الذي استدعي الى مقر رئيس الوزراء، ايدن عندما كان مسترخياً على سريره والى جانبه عدد من زجاجات الادوية. وكان يبدو مرهقاً حتى انه اقترح ان يأخذ رئيس الوزراء قسطاً من الراحة قبل اذاعة البيان. وفي ذلك البيان ادعى ايدن انه «رجل سلام ورجل هيئة الدول ورجل الامم المتحدة ومازلت ذلك الرجل»!
رد الجميل
وكان وزير المالية هارولد ماكميلان ملتزماً التزاما تاماً بسياسات ايدن. وقد نصح ايدن بعد لقائه ايزنهاور وحده في البيت الابيض في 25 سبتمبر ان «ايزنهاور مصرّ بطريقة أو اخرى على اسقاط عبدالناصر. وقد شرحت له صعوباتنا الاقتصادية فيما يتعلق باستخدام يدنا الطويلة، وقد بدا متفهماً».
كما بعث ماكميلان ايضاً تقريراً الى ايدن حول لقائه مع جون فوستر دالس وزير الخارجية الاميركية آنذاك. وابلغ ايدن ان دالس قال على الرغم من ان قضية السويس لا تؤثر كثيراً على الانتخابات في ذلك الوقت، فإنه اذا وقع اي شيء، فانه سيكون له تأثير كارثي. وذكرني كيف انه والرئيس ايزنهاور قدما لنا يد المساعدة في مايو 1955 خلال الانتخابات وطلب ان نحاول رد ذلك الجميل ومحاولة وقف كل شيء الى ما بعد 6 نوفمبر.
كان ذلك التصريح الصادر عن دالس يحمل اكثر من تلميح بتأجيل اية خطوة الى ما بعد الانتخابات الاميركية. كما ان ايدن ابلغ بأسلوب واضح بحساسية الانتخابات الأميركية في مراسلات متبادلة مع ايزنهاور، ولكن مع مرور شهر اكتوبر لم يبد ان ايدن أو ماكميلان قادران على تقدير تأثير عملية غزو مصر عشية الانتخابات الرئاسية على ايزنهاور. وكان من الحماقة الا يأخذا هذا الأمر في الاعتبار.
تقدير خاطئ
كان ماكميلان، بصفته وزيراً للمالية، وعند استلامه رسائل من واشنطن في ليلة 5 6 نوفمبر أول من ادرك خطأ تقديره في ما يتعلق بردة فعل ايزنهاور فقد كان للازمة تأثير كبير على الجنيه الاسترليني، واثرت على احتياطيات بريطانيا من النقد الأجنبي، وكان ماكميلان في حاجة إلى الحصول على قرض احتياطي من صندوق النقد الدولي، ولكن ذلك سيستدعي الحصول على مساندة الولايات المتحدة غير انه ابلغ ان مساندة أميركا للاسترليني تعتمد على وقف اطلاق النار بحلول منتصف الليل.
هذا إلى جانب الانباء حول مضايقة الاسطول السادس الاميركي لسفن البحرية البريطانية مقابل شاطئ بورسعيد التي نقلت إلى ماكميلان الذي غير موقفه فيما يختص بدعم العمل العسكري فوراً.
ولم تواجه سلطة ايدن هزّة أكثر من تلك التي واجهتها في 6 نوفمبر، وكان ماكميلان الشخص الوحيد الذي يمكنه تحدي تلك السلطة علناً ويستطيع تحريك مجلس الوزراء الذي فقد تماسكه وقدرته على تنحية ايدن. غير ان ايدن تحرك أولا، حيث استدعى مجلس الوزراء لاجتماع يعقد في غرفته في مجلس العموم في الساعة العاشرة الا الربع صباحاً وهو يدرك انه لا يستطيع الحصول على الاغلبية في المجلس للاستمرار في تلك السياسات، وقال ان الاميركيين قد يدعمون فرض عقوبات اقتصادية عبر مجلس الأمن في وقت لاحق من ذلك اليوم ولا يوجد بديل سوى الإعلان عن وقف لاطلاق النار، ووفقا لعضو في مجلس الوزراء فقد كان ماكميلان «شديدا للغاية في تحذيره بما يمكن ان يقدم عليه الاميركيون»، واوضح للمجلس خطورة الوضع المالي بصفته وزيرا للمالية.
ورطة دبلوماسية
لقد كانت ورطة دبلوماسية، فقد قال ايزنهاور «لم ار البتة قوى عظمى تحدث مثل هذه الفوضى وتربك الأوضاع»، وحدث تراجع مذل لفرنسا وبريطانيا بعد ان فقدتا اصدقاءهما وكان ذلك اكثر أهمية من الضغوط الأميركية على الجنيه الاسترليني وخطاب التهديد الذي بعثه نيكولاي بولغانين بخصوص قضية السويس، وكان بولغانين حرّك في فجر يوم 4 فبراير 200 الف جندي سوفيتي و4 آلاف دبابة نحو بودابست وتلك العزلة التامة ظهرت ايضاً في مجلس الأمن.
كان من الافضل من وجهة نظر ايدن الشخصية، وبالنسبة لسمعة البريطانيين والفرنسيين في الشرق الأوسط، تأجيل الدعوة إلى اجتماع مجلس الوزراء حتى 7 نوفمبر لكسب الوقت واحتلال القناة بالكامل، وفي الوقت ذاته استخدام حق النقض مع الفرنسيين ضد أي قرار يدعو لفرض حظر صادر عن مجلس الأمن وقد كان هذا ما يفضله رئيس وزراء فرنسا غي موليه ورئيس الوزراء الاسرائيلي ديفيد بن غوريون الا ان ايدن لم يكن على استعداد للانتظار وتحدي مجلس الأمن.
التعتيم
لم يبدر اي تلميح بوجود تواطؤ مع اسرائيل امام مجلس العموم خلال شن العملية العسكرية وكان لهذا الامر ما يبرره. ولكن الامر الغريب وما يشير الى ان ايدن كان يعتقد ان التعتيم والتغطية يمكن ان يستمران لفترة اطول، هو قراره بعث اثنين من الدبلوماسيين الى باريس في محاولة لجمع جميع نسخ ما عرف في وقت لاحق باسم «بروتوكول سيفر» الذي سمي باسم الضاحية الباريسية التي عقدت فيها الاجتماعات والتخلص من جميع تلك النسخ. وكان سلويز لويد قد حضر اجتماع سيفر الاول، غير ان الاجتماع الثاني شارك فيه باتريك دين الدبلوماسي الرفيع والسكرتير الخاص للويد دونالد لوغان. ووافق غي موليه وديفيد بن غوريون، اللذان حضرا الاجتماعين، على الالتزام التام بالسرية، ولكن كان يجب على ايدن ادراك انه لا يمكن التزام السرية الى الابد في البلدان الديموقراطية. فالقادة الفرنسيون والاسرائيليون الذين اغضبهم قرار مجلس الوزراء البريطاني بوقف تقدم القوات في منطقة القناة ولم يكن لديهم شعور بالذنب جراء تلك العملية العسكرية ما كانوا سيحتفظون بالسر.
كما كانت نظرة ايدن القائلة ان التعتيم والتغطية سينجحان في ابعاد انظار الاستخبارات الاميركية لفترة اكثر من بضعة اسابيع في افضل الاحوال، والارجح بضع ساعات، نظرة غير واقعية تماماً.
بل في واقع الامر، فإن الاستخبارات الاميركية ادعت انها عرفت بالعملية خلال جميع مراحلها، غير ان هنالك ادلة تشكك في هذا الامر. ففي 24 اكتوبر عندما ادعى جون فوستر دالس ان اول مرة سمع فيها بالاعتداء الاسرائيلي ظن ان الفرنسيين وليس البريطانيين متورطون فيه. وانه فقط بعد الاعلان عن الانذار النهائي الذي اصدره الفرنسيون والبريطانيون، ادرك دالس وجود النوايا المخفية. وقد ابلغ كريستيان بينو، الاكثر واقعية من ايدن، الولايات المتحدة عن حقيقة تواطئهم، بينما كان ايدن لا يزال يتظاهر امام الاميركيين بان ذلك التواطؤ لم يحدث، مما زاد من غضب الاميركيين.
رد على الخداع
واذا ما وضعنا في الاعتبار ان ايدن كان يعرف ايزنهاور منذ فترة تزيد على عشر سنوات، فإنه كان من سوء التقدير لشخصه الاعتقاد انه لن يرد على خداعه وتضليله في مثل تلك القضية المهمة على يد شخص كان يثق به. وفي الواقع، ووفق ما ذكره السفير البريطاني لدى اميركا حينها، فإن ايزنهاور وليس وزير خارجيته دالس من كان يقوم بالخيارات الكبرى في السياسة الخارجية الاميركية.
واستمرار ايدن في محاولاته للتغطية اضر بموقفه، وعندما قال في مجلس العموم في 20 ديسمبر انه لم «يكن على علم مسبق بأن إسرائيل سوف تهاجم مصر» كانت تلك كذبة. والكذب امام مجلس العموم امر لم يلجأ اليه ايدن البتة طوال اكثر من اثنين وثلاثين عاما كان فيها عضوا في البرلمان. وكان ذلك امرا مخالفا لسلوكه وشخصيته وقد عجل بتركه منصبه. ففي الاول من يناير عام 1957 أكد هوراس ايانز ان على رئيس الوزراء الاستقالة والا فانه سوف ينتحر في نهاية المطاف.
وأشار أحد الاطباء الى اصابته بأضرار في الكبد. وفي الواقع فقد استقال ايدن لاسباب سياسية وليس صحية تماما. وابلغ ايدن وينستون تشرشل اولا بقراره. ومن بين آخر ما قام من واجباته كرئيس للوزراء املاء مذكرة حول آخر لقاء له مع الملكة في 9 يناير قبل تقديم استقالته في اليوم التالي «لقد ابلغتها ان تقرير الاطباء الذي اطلعت عليه الملكة لم يترك اي خيار سوى التخلي عن واجباتي كرئيس لوزرائها».
الختام
ما هو مدى اهمية مرض ايدن في الاخطاء التي وقعت في ما يتعلق بقضية السويس؟
يقول المؤرخ والنائب البرلماني السابق عن حزب المحافظين روبرت رودس انه من الصعب بالنسبة له «تحديد العوامل التي دفعت ايدن للالتزام بموقف شرعي تماما الى آخر يقترب من كونه غير شرعي». وهنالك من تشكك في ان يكون مرضه قد شكل عاملا مهما. وقد كتب هيو توماس ان احد الاطباء ممن اشرفوا على وضعه الصحي، ربما الدكتور تي هانت، اعتقد ان ايدن ما كان سيتصرف بطريقة مختلفة للغاية في ازمة السويس ان كان يتمتع بصحة جيدة.
غير انني لا اعتقد ان تلك الملاحظة يمكن تبريرها عند الاخذ بعين الاعتبار التحليل المفصّل الذي قدمته حول توقيت قرارات ايدن الخطيرة والحالة الصحية التي كان يمر بها. ان كعب آخيل في ازمة السويس ليس الخطوة العسكرية، بل قرار التواطؤ مع اسرائيل من دون دعم امريكي.
وإذا كان ايدن في حالة صحية جيدة حينها، فإن الادلة تشير، بالنسبة لي، انه كان سيرفض السير في مثل ذلك الطريق.
ومن دون شك فإن اعتقاد ايدن في الحاجة الى اتخاذ موقف قوي يعود لنظرته الى ازمة السويس على انها تشكل جزءا من مشكلة اوسع يمثلها في رأيه التهديد السوفيتي. وان نظرته تلك ليس لديها ادنى صلة بحالته الصحية، وايدن نظر الى الاتحاد السوفيتي ونواياه القريبة والبعيدة المدى في الشرق الاوسط بأنها تمثل تهديدا خطيرا. وكان ايدن يخشى قيام عبدالناصر المتهور المسنود بدعم سوفيتي بتحرك ضد اسرائيل في ربيع عام 1957.
وقد شكل مرض ايدن احد العوامل التي حددت سياسته تجاه تأميم قناة السويس ولكنه احتل موقعا مركزيا في ما يتعلق بالطريقة التي نفذت بها تلك السياسة. وروبرت كار الوزير البارز في حزب المحافظين في اوائل السبعينات عندما كنت عضوا في البرلمان. وهو صديق مقرب من ايدن ومن المعجبين به وعمل في منصب سكرتيره الخاص. ولذلك فانني اعتبر تقييمه للحالة الصحية والذهنية لايدن في ذلك الوقت تقييما مهما. فهو يقول: «انني اجد صعوبة في قبول ما يقال من ان صحة ايدن لم يكن لها تأثير حاسم على ادارة تلك السياسة.
وقد كان سيتبع السياسة الاساسية ذاتها اذا كان في صحته جيدة ولكنني اجد من الصعوبة بمكان الاعتقاد انه كان سيرتكب مثل تلك الاخطاء الواضحة في الحساب في تنفيذها في المجالين السياسي والعسكري». ولمصلحة البلاد كان على اطبائه اقناعه بالتوقف عن اتخاذ القرارات لفترة على الاقل في الفترة التي عانى فيها من ارتفاع الحمى.
واذا كان ايدن قرر الاستقالة بسبب حالته الصحية او انه كان قد ابلغ مؤتمر الحزب بانه مريض وانه سيسافر حسب نصيحة اطبائه الى جامايكا في تلك الليلة 13 اكتوبر، وليس كما فعل في نوفمبر لكان تاريخ ازمة السويس قد اصبح مختلفا تماما. ولكانت مفاوضات سلوين لويد في نيويورك مع وزير الخارجية المصري التي اعتبرها ايدن وانتوني ناتينغ تدعو للتفاؤل قبل اجتماعه مع شاليه، قد استمرت لبضعة اسابيع اضافية. ولما استطاع رئيس وزراء مكلف بالوكالة بانجاز المهام اي تبلر على سبيل المثال او وزير الخارجية في وضع يمكنه اتخاذ سياسة جديدة تماما مثل تلك التي اقترحها الفرنسيون والاسرائيليون وعلى الاقل حتى بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الاميركية في 6 نوفمبر.
كما ان الوضع في هنغاريا كان سينتهي الى نتيجة مختلفة في حال عدم غزو قناة السويس في اكتوبر. ففي الوقت الذي اعتدت فيه اسرائيل على مصر في 29 اكتوبر كانت الثورة الهنغارية التي بدأت في 23 اكتوبر في حالة وقف لاطلاق النار والقوات السوفيتية التي ارغمت على التراجع كانت في حالة انسحاب. الا انه في الثاني من نوفمبر سافر نيكيتا خروتشوف للقاء الزعيم اليوغسلافي المارشال جوزيف بروز تيتو، وقد وافق تيتو ان هناك سببا يدعو السوفيت لغزو هنغاريا وقال خروتشووف لتيتو ان أزمة السويس وفرت «فرصة مناسبة، فهذا الأمر سيساعدنا وسيكون هنالك ارتباك وضجيج في الغرب وفي الأمم المتحدة، وكان هذا الوضع سيكون أقل بكثير مما لولا شنت بريطانيا وفرنسا واسرائيل حربا ضد مصر، فهم متورطون هناك ونحن متورطون في المجر».
وبعد وقت قصير من منتصف ليلة الاحد 4 نوفمبر اخترقت الدبابات السوفيتية الدفاعات المحيطة ببودايست وفي 5 نوفمبر بعث بوب بيرسون ديكسون برقية إلى وزير الخارجية في الامم المتحدة يقول فيها «لقد تم وضعنا دون شك في الفئة ذاتها التي تضم روسيا لقصفها بودابست ولا أرى انه سيكون في مقدورنا ان نكون مقنعين في احتجاجنا على القصف الروسي لبودابست في الوقت الذي نقصف نحن فيه القاهرة».
لقد كان لازمة السويس أثر بالغ طويل المدى على السياسة الخارجية البريطانية والفرنسية، وقد تحرك الفرنسيون في غضب باتجاه تحدي الهيمنة الاميركية. والبريطانيون، بعد مواجهة الاذلال، توجهوا نحو اعادة بناء العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة والاعتماد عليها وفي عبارة النعي الذي نشرته صحيفة التايمز في عام 1977، فان «ايدن كان آخر رئيس وزراء يعتقد ان بريطانيا قوة عظمى والأول الذي واجه ازمة اثبتت انها ليست كذلك».
الكتاب تأليف اللورد ديفيد اوين
- تولى منصب وزير الخارجية في حكومة رئيس الوزراء البريطاني جيمس كالاهان في سبعينات القرن الماضي.
- شارك في تأسيس الحزب الاشتراكي الديموقراطي وتولى زعامته في وقت لاحق. وهو الآن عضو في مجلس اللوردات.
- ظل لفترة طويلة يهتم بأثر الصحة في رؤساء الحكومات.
- لدى اللورد اوين العديد من المؤلفات في المجال السياسي مثل «أوديسا البلقان» و«متلازمة الغطرسة» وغيرهما.
** منشور بصحيفة "القبس" الكويتية 4 يونيه 2009


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.