عقد الأزهر الشريف، مساء الاثنين، احتفالية كبرى بالجامع الأزهر بمناسبة ذكرى فتح مكة، بحضور وكيل الأزهر ووزير الأوقاف ورئيس جامعة الأزهر، وأمين عام هيئة كبار العلماء، وأمين عام مجمع البحوث الإسلامية، ومفتي الجمهورية السابق، ورئيس قطاع المعاهد الأزهرية، ولفيف من قيادات الأزهر الشريف وعلمائه، وأبرز القيادات الدينية في مصر. وخلال الاحتفالية، أكد الدكتور إبراهيم الهدهد، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، أن احتفاء الأزهر بذكرى فتح مكة إنما هو احتفاء بجملة من القيم العليا التي أرساها الإسلام في هذا الحدث العظيم، فقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح نموذجًا فريدًا في العفو والصفح رغم ما لقيه من أذى شديد من أهل مكة قبل هجرته، مشيرًا إلى أن من أبرز هذه القيم حقن الدماء وصيانة النفس الإنسانية، حتى وإن كانت دماء من آذوه وحاربوه، إذ إن الدماء في الإسلام معصومة، وقد تجلى ذلك في إعلانه صلى الله عليه وسلم الأمان العام حين قال: "من دخل الكعبة فهو آمن، ومن دخل بيته فهو آمن"، ثم أضاف صلى الله عليه وسلم بحكمة دبلوماسية بالغة: "ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، مراعاةً لمكانة أبي سفيان بين قومه، في رسالة تؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على دخول مكة دخولًا سلميًّا يرسخ قيم الرحمة والسلام، لأنه جاء برسالة تقوم على بناء الإنسان وترسيخ القيم. وأضاف الدكتور الهدهد أن الرسالة الثانية التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل مكة في غاية التواضع، لا في نشوة الغالبين أو المتجبرين، ليؤسس بذلك معنى القوة الحقيقية التي تقترن بالعدل والرحمة لا بالبطش والانتقام، مشيرًا إلى أن الرسالة الثالثة تجلت في الموقف العظيم حين جمع النبي صلى الله عليه وسلم أعداءه الذين طالما ناصبوه العداء وقال لهم: "ما تظنون أني فاعل بكم؟"، فأجابوه: أخ كريم وابن أخ كريم، فكان عفوه صلى الله عليه وسلم الشامل تجسيدًا عمليًّا لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وتصديقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، مؤكدًا أن الإسلام دين القيم السامية التي لو احتكم إليها العالم اليوم لسلمت دماء الأبرياء، ولما شهدنا ما يحدث من قتل للمدنيين وتخريب للأوطان وإهلاك للحرث والنسل. من جانبه، أكد الدكتور أبو اليزيد سلامة، مدير عام شؤون القرآن الكريم بالأزهر، أن في فتح مكة رسائل عظيمة يمكن استلهامها من كتاب الله تعالى وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أبرز هذه الرسائل ما يتعلق بمكانة الوطن والشوق والحنين إليه، فقد كان قلب النبي صلى الله عليه وسلم متعلقًا بمكة حين خرج منها مهاجرًا، لما لها من مكانة خاصة في نفسه، فطمأنه الله تعالى وبشره بالعودة إليها في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، وهي بشارة بعودته صلى الله عليه وسلم إلى مكة وفتحها، لأن شوق الإنسان لوطنه يشبه شوق الأم لابنها، وهو ما بينته الآية الكريمة في السورة نفسها في قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهو ما يبرز البعد الإنساني العميق في الخطاب القرآني. وأضاف الدكتور أبو اليزيد أن من رسائل فتح مكة كذلك ما جسده النبي صلى الله عليه وسلم من تواضع عظيم عند دخوله مكة، إذ دخلها صلى الله عليه وسلم خاشعًا لله تعالى مطأطئ الرأس، رغم أنه كان يوم نصر وتمكين من عند الله سبحانه وتعالى، كما أبرزت هذه المناسبة رسالة الرحمة التي جاء بها الإسلام، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، ويتجلى ذلك في موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: اليوم يوم المرحمة، اليوم يوم تعظم فيه الكعبة، ردًّا على أبي سفيان الذي قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم يوم تستباح فيه الكعبة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك نقل الناس من منطق القسوة والانتقام إلى منطق الرحمة والجمال، وهو ما يظهر كذلك في تعاليم الإسلام التي رسخت قيم الإحسان في كل شيء، بل حتى في اختيار أسماء الأبناء كما في تسميته صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين رضي الله عنهما، مشيرًا إلى أن الإسلام عظم مكانة المرأة، وهو ما يتجلى في موقف هند بنت عتبة عندما جاءت تبايع النبي صلى الله عليه وسلم وراجعته في بعض ما أخذ على النساء، فاستمع إليها النبي صلى الله عليه وسلم وعفا عنها رغم ما كان منها من قبل، مما يدل على إقرار الإسلام بحق المرأة في الحوار والمراجعة. وبين الدكتور أبو اليزيد سلامة أن فتح مكة يحمل ردًّا واضحًا على من يزعم أن السنة النبوية لم تدوَّن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما يظهر في خطبة فتح مكة حين طلب رجل من أهل اليمن من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب له ما قاله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتبوا له"، في دلالة واضحة على الإذن بكتابة السنة وتوثيقها.