هناك لحظات يختفي فيها الصوت الداخلي، ويخبو ضوء البوصلة التي تميز بين الخطأ والصواب. حين يغفو الضمير، يغدو العالم صامتا وكأنه مدينة بلا رياح، كأنه جسد بلا قلب، كأنه نهر يجري بلا ماء. كل ما نراه لا يتحرك في مكانه، كل ما نسمعه لا يهمس بالحقيقة، وكل ما نلمسه صار بلا أثر. وكل هذا الخدر يترك أثرا أعمق من أي فشل ظاهري: فقدان الحس بالمسؤولية، ذلك الشعور الدقيق الذي يحفظ للحياة توازنها. الخطأ لم يعد يحرج أحدا، بل أصبح مألوفا، مرنا، يمارس بابتسامة، ويغلف بمبررات تبدو مقنعة. كل تنازل صغير، كل صمت طويل، كل مجاملة غير مستحقة، كلها تراكمت لتصبح جبلا صامتا يثقل كاهل الحياة. حين يغفو الضمير، لا نرى الانحراف، بل نتعايش معه. نسمح لأنفسنا بالغش، بالخداع، بالتحايل، ونكتفي بمشاهدة الآخرين وهم يغرقون في نفس الفخاخ. وهنا ينهار الإحساس بالحقيقة، ويصبح كل شيء شبه طبيعي، رغم أنه خاطئ، وكأننا نسير في حقل من المرايا المكسورة، لا نعرف أي انعكاس يعكس ما نحن عليه فعلا. أخطر ما في هذا الخدر هو صمت القلب. الرداءة لم تعد تخجل؛ صارت واثقة، تصرخ في زوايا الحياة، تطالب بالاعتراف بها كواقع. وفي المقابل، تراجعت الجدية، وانكمشت الأصالة، وأصبح الالتزام عبئا ثقيلا، والنزاهة سذاجة، والعمق فكرة غريبة. وكل ذلك يخلق شعورا بالاغتراب: أنك تعيش وسط أناس يبتلعون القيم كما تبتلع أوراق الخريف، وأنت وحدك تحاول الحفاظ على شيء من الأخضر، شيء ينبض بالحياة، شيء يحاول أن يذكر بأننا قادرون على أن نكون أفضل. الحياة اليومية صارت اختبارا للضمير. كل قرار، مهما بدا بسيطا، يحمل أثره: هل تقول الحقيقة رغم الألم؟ هل تقف حين يكون الوقوف صعبا؟ هل ترفض الانحراف حتى لو كان الصمت أرخص؟ هذه اللحظات الصغيرة، التي يراها البعض تافهة، هي ما يصنع الفرق بين شخص يمشي في الظلام وبين شخص يرى الطريق بوضوح، بين قلب يغفو وبين قلب يشعر. الضمير النائم يخلق صمتا قاتلا، صمتا يبرر كل شيء، ويعطي الضوء الأخضر لكل ضعف، ويخدر المشاعر. وهذا الصمت أقسى من أي صدمة خارجية، لأنه يتركك تشعر بأنك جزء من الانهيار، بلا دماء تسفك، بلا صرخات، بلا أثر يحسب. كل مجاملة، كل تنازل، كل صمت، كلها إشارات تنقلك بعيدا عن إحساسك بالمسؤولية، وتترك قلبك هشا أمام أي تجاوز، كما لو أن جسدك بلا أعصاب، يلمس لكنه لا يشعر، يسمع لكنه لا يفهم، يرى لكنه لا يعي. المحاسبة الذاتية هي ما يعيد الحواس إلى عملها الطبيعي. أن تشعر بما يجرح الآخرين، أن تسمع ما لم يقل، أن ترى ما حاول الجميع إخفاءه، أن تلمس أثر أفعالك في حياة غيرك، أن تتوقف قبل أن تضغط على الزر الخاطئ. هذه اللحظات، حين تحس بصدق، تعيد للضمير نبضه، وتعيد للحياة طعمها، وتعيد للقلوب وظيفتها. تصبح كل حركة محسوبة، وكل كلمة لها وزنها، وكل نظرة تحمل معنى. الإصلاح لا يبدأ من الخارج. لا تبدأه القوانين ولا الحملات ولا الشعارات. يبدأ من داخلك، من اللحظة التي تسأل فيها نفسك: هل أضفت قيمة؟ هل تحركت حين كان الواجب يحتم؟ هل اخترت الطريق السهل بدل الطريق الصحيح؟ الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة تخلق وعيا جديدا، تزرع إحساسا بالمسؤولية، وتعيد للشخصية مكانها الطبيعي في الحياة، وتبني جسورا بين ما نحن عليه وبين ما يمكن أن نكون. الحياة ليست مجرد أحداث نعيشها، بل شعور نحمله في كل فعل، في كل كلمة، في كل نظرة. الضمير المستيقظ يجعلنا نرى التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرق: ابتسامة صادقة، كلمة شجاعة، موقف صامت لكنه حاسم، لمسة حقيقية للآخر، تصرف ينقذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يضيع. حين تعود الحواس للعمل، تتغير كل الأشياء من حولنا. ترى الصواب رغم الضجيج، تسمع الحق رغم الصخب، وتلمس أثرك قبل أن يلمسك الزمن. حين يستيقظ الضمير، كل شيء يتغير. ليس بالضجيج، ولا بالخطب العالية، ولا بالشعارات الرنانة، بل بالوعي الدائم والقدرة على الإحساس الحقيقي بما يحدث من حولك. كل لحظة صدق مع الذات تخلق صدى أعمق من أي قرار رسمي، وأقوى من أي قانون، وأعظم من أي قوة خارجية. الضمير الحي، حين يعمل، يعيد ترتيب العالم كله، من الداخل قبل الخارج، من القلب قبل العين، من النفس قبل الشارع. ويصبح الفرد قادرا على صنع التغيير، بداية من نفسه، قبل أن يحاول تغيير الآخرين. في النهاية، ما نحتاجه ليس صدمة خارجية، ولا خطابات كبيرة، ولا بيانات إعلامية. نحتاج ضميرا حيا، حساسا، يقظا، يعرف الفرق بين ما يجرح وما يخفف، بين ما يبني وما يهدم، بين ما يصح وما يضر. حين يستيقظ هذا الضمير، تعود الحواس للعمل، وتستعيد الحياة معناها، ويصبح كل فرد قادرا على صنع التغيير، بداية من نفسه، قبل أن يحاول تغيير الآخرين. وهنا تكمن الحقيقة الكبرى: أن كل لحظة يقظة، مهما صغرت، قادرة على تغيير مجرى حياة، وعلى إعادة التوازن لما يبدو خارج السيطرة.