اشتهر هذا الرجل بنظرته العميقة الثاقبة، وبلحيته القصيرة وشعره الطويل، أو بقبعته العسكرية المزينة بنجمة الشرف.. عُرف كذلك بأنه رمز لثورة الضعفاء علي الظلم والاستبداد وبأنه مصدر قوة لمن هم بلا قوة.. الأرجنتيني أرنستو تشي جيفارا، يعتبره كثيرون شخصية ثورية فذة، يشهد علي ذلك أفلام وكتب ومقالات وأغان بكل اللغات، لم يكن لها هدف إلا تخليد ذكري الأسطورة الثورية. أوليفيه بيزانسون السياسي اليساري الفرنسي, والمتحدث الرسمي باسم الحزب الجديد ضد الرأسمالية وصف جيفارا بأنه "جمرة متوهجة علي الدوام", وفي دراسة لبيزانسون صادرة مؤخرا عن دار نشر "ألف ليلة و ليلة" الفرنسية، كتب بيزانسون عن جيفارا " لم يكن مجرد ثائر عظيم بل كان ورعا تقيا متدينا", أما الفيلم الشهير "مذكرات دراجة نارية" (إنتاج برازيلي- شيلي- بيروفي- أمريكي- أرجنتيني مشترك, وأخرجه البرازيلي والتر ساليس عام 2003),الذي يتحدث عن أول رحلة قام بها جيفارا في أمريكا اللاتينية, فقد حصد العديد من الجوائز, وكذلك الحال بالنسبة لفيلم "تشي" الذي حصل علي جائزة مهرجان كان السينمائي الدولي عام 2009 وكلا الفيلمين يمجدان الرجل باعتباره رمز الحرية العظيم. غير أن جاكوبو ماشوفر(كوبي المولد ويعيش في فرنسا منذ أكثر من أربعة عقود) الأستاذ المتخصص في شئون أمريكا اللاتينية بجامعتي أفينيون والسوربون, يجاهد فكرياً علي مدي الأربعين عاما الماضية، من كتاب لآخر ليكشف عما يعتبره"حقيقة الثورة الكوبية" التي شارك فيها جيفارا, مع رفيق دربه الرئيس الكوبي المتقاعد فيدل كاسترو, التي انتهت بانتصار كاسترو ومن معه وإسقاط النظام العسكري للرئيس فولجنسيو باتيستا.. جاكوبو ماشوفر أصدر مؤخراً كتابا جديدا عن حياة جيفارا , عن دار نشر "ألف ليلة و ليلة" أيضا,معتمدا علي مذكرات كتبها جيفارا بخط يده, وفي مقدمة الكتاب عرج المؤلف بسرعة علي حياة جيفارا موضحا تفاصيل جديدة, عن الثائر الكوبي الذي ولد في الأرجنتين عام 1928 ,و في الثالثة والعشرين من عمره قطع دراسته بكلية الطب ليطوف أمريكا اللاتينية بدراجته, وعلي عكس ما عرف عن جيفارا بأنه أكمل دراسته لاحقا وأنه كان طبيب الثوار الكوبيين ,فإن ماشوفر يؤكد أن جيفارا لم يحصل علي شهادته الجامعية وبالتالي لم يكن مؤهلا لمزاولة الطب.. في عام 1965 انتقل جيفارا إلي المكسيك و هناك قابل لأول مرة الأخوين راؤول (الرئيس الحالي لكوبا) وفيدل كاسترو المنفيين عقب فشل تمردهما الأول, وعرض عليهما جيفارا العمل معهما ومداواة الثائرين من الرفاق. في أواخر عام 1965 تحركت الباخرة "جرانما" من قبالة السواحل المكسيكية متجهة صوب كوبا وعلي متنها 82 مسلحا بهدف القضاء علي النظام العسكري للرئيس باتيستا, وهنا يعرض ماشوفر, خطابا كتبه جيفارا لزوجته، في يناير 1957، قال فيه عن وصوله لكوبا:"هأنذا بالغابات الكوبية علي قيد الحياة ومتعطش للدماء", و بعد استيلاء الثوار بقيادة تشي (أطلق عليه هذا اللقب لتحدثه الأسبانية بلهجة أرجنتينية) علي أول وحدة عسكرية تابعة للجيش الكوبي, تم منحه نجمة الشرف علي قبعته العسكرية من قبل الرفيق القائد فيدل كاسترو, وعلي مدي عامين لاحقين لذلك الحدث ظل تشي علي رأس مجموعة من الثوار الكوبيين في مكان ما بسلسة جبال مايسترا, وكان اسمه الحركي آنذاك ستالين 2. في الثلاثين من ديسمبر عام 1958 سقطت مدينة سانتا كارلا في أيدي الثوار, وكانت تلك هي بداية النهاية للرئيس باتيستا, إذ لم يُبد جيشه أي مقاومة ضد الثوار فلم يجد مفرا سوي التخلي عن الحكم والهرب خارج البلاد , قبل أن يستولي كاسترو علي مدينة سانتياجو في الثاني من يناير عام 1959, متزامنا مع دخول جيفارا العاصمة هافانا دخول الأبطال الفاتحين, وبعد ذلك مباشرة تم تعيين جيفارا قائدا لسجن كابانا أكبر سجون العاصمة, الذي شهد محاكمة وإعدام 200 شخصية من أتباع الرئيس الهارب باتيستا, ويقول ماشوفر إن جيفارا كان يجلس بنفسه ليشاهد عمليات الإعدام في قلب السجن, مسترخيا ببرود علي مقعد بينما قدماه ممددتان علي مقعد مقابل , مستمتعا بدخان سيجاره وبقتل المعارضين، لذا أطلق عليه البعض لقب "جزار كابانا". عقب تلك الأحداث بفترة قصيرة ورغم عدم امتلاكه أي خبرات اقتصادية فقد تم تعيينه وزيرا للصناعة ثم رئيسا لبنك كوبا الوطني, ثم شرع في عملية تأميم كل مصادر الثروة في البلاد, ليصنع من نفسه "رجلا جديدا طهرته الاشتراكية"، علي حد وصف جاكوبو ماشوفر, وإذا كان جيفارا أسس ما عرف ب"الأحد الأحمر"، في إشارة إلي مبادرة كانت تهدف إلي التشجيع علي العمل التطوعي حتي يوم العطلة الرسمية الأسبوعية, فإن ماشوفر يؤكد أن جيفارا أنشأ معسكرات سرية بغابات كوبا يجبر فيها المعتقلين علي العمل يوميا بدون أي راحة، وفي تلك الأثناء كان جيفارا يطوف العالم بصفته "الأمين العام لحركة ثورية عالمية"، حيث زار الصين والاتحاد السوفيتي والجزائر في عهد أحمد بن بيلا, وتحدث في خطاباته بلهجة تصعيدية ضد كل ما هو رأسمالي مؤكدا: "أطلقنا الرصاص و سنطلقه وسنظل نطلقه طالما كان ذلك ضروريا"، ثم جاء خطابه علي منصة الأممالمتحدة عام 1964 الذي اتهم خلاله الاتحاد السوفيتي بالتقاعس في أداء ما عليه من واجبات ليكون سببا كافيا في أن يستبعده كاسترو تماما. في عام 1965 شد جيفارا الرحال إلي جمهورية الكونغو الديموقراطية (زائير سابقا) لمساعدة المتمردين بقيادة باتريس لومومبا(أصبح رئيسا فيما بعد),غير أنه لم يستطع إكمال مهمته معهم بسبب تصادم نظرياته الماركسية مع العادات المحلية للثوار الأفارقة, وفي عام 1966 رحل إلي بوليفيا لمساعدة ثوارها أيضا إلا نفس المشكلة التي واجهته في الكونغو واجهته مع الفلاحين الهنود هناك, ويعلق ماشوفر بالقول "لقد فشل في دراسته، وفي كل مكان ذهب إليه.. في كوباوالكونغو و بوليفيا", وفي الثامن من أكتوبر عام 1967وقع جيفارا في الأسر علي أيدي مسلحين كولومبيين تقودهم وحدة من المخابرات الأمريكية, وفي اليوم التالي مباشرة تم إعدامه رميا بالرصاص، وهو في التاسعة والثلاثين من عمره ليتحول إلي شهيد كتب عنه جان بول سارتر قائلا :"إنه الكائن الحي الكامل في عصرنا", وهو ما يرد عليه ماشوفر ساخرا :ذلك الدموي السيكوباتي إنه الخدعة الكاملة بعصرنا".