وإذا كان الرئيس القائد قد ألقي بمسئولية تجديد الفكر وبث الخطاب الذي يحتويه علي عاتق المؤسسة الدينية وعلي رأسها الأزهر الشريف.. فإن العدل والإنصاف يقتضيان ألا نحمل المؤسسة الدينية وحدها كامل المسئولية.. لأنها وإن كانت مختصة وحدها بمهمة تجديد الفكر.. فإنها ليست وحدها المنوط بها نقل هذا الفكر.. صحيح ان المؤسسة الدينية تزخر بجيش كبير من العلماء والفقهاء والوعاظ والأئمة والخطباء.. يحسنون توجيه الخطاب الديني في كل مكان.. خاصة من فوق منابر مائة ألف مسجد أو يزيد منتشرة في المدائن والقري والنجوع والكفور وفي كل البقاع.. ولكن تشاركهم هذه المسئولية كثير من المؤسسات التي توجه الخطاب.. إما إيجاباً في بعض الأحيان وإما سلباً في معظم الأوقات.. فالمؤسسة التعليمية المنوط بها تربية النشء والشباب تخلو مناهجها - أو تكاد - من التربية الدينية والأخلاقية مخالفة بذلك أحكام الدستور المصري الذي يلزمها بذلك في مادتيه العاشرة والرابعة والعشرين.. والمؤسستان الثقافية والشبابية رغم ان مهمتهما ترقية الوجدان وتجويد بناء الإنسان إلا انهما بالخطاب الديني لا يكترثان.. أما المؤسسة الإعلامية فليتها اكتفت مثل المؤسسات السابقة بالسلبية.. ولكنها جنحت إلي الإيجابية في مقاومة الفكر الديني.. بل وتمادت في غيها لتوجه إلي الأمة خطابها اللاديني.. توجه خطابا يعارض كل الأديان ويعمل علي تغييب الضمير والوجدان.. بل يهدف إلي تخريب بنيان الإنسان.. والإنسان بنيان الله. ملعون من يخرب هذا البنيان.. خطب الإعلام المصري في معظمه ينفر من الفضيلة ويدعو إلي الرذيلة.. ويشيع الفاحشة في الذين آمنوا ويروج الفسق والفجور والعصيان.. وأخطر أدوات الخطاب اللاديني إعلامياً هو "التلفاز" الذي يربي الصغار ومعهم الكبار.. ويقتحم علينا بيوتنا طوال ساعات الليل والنهار دون استئذان أو اعتذار.. وفي حين يقضي العلماء والدعاة والوعاظ والخطباء آلاف الساعات في الدعوة إلي الإنتاج والعمل.. والالتزام بالخلق الكريم والمسلك القويم وهداية الناس إلي طريق الرشاد والأخذ بأيديهم - خاصة الشباب منهم - إلي سبل الاستقامة والسداد.. ويأتي "التلفاز" في نصف ساعة وربما في دقائق معدودات ليهدم كل ما بذله الدعاة الهداة.. وحتي في شهر رمضان شهر التقوي والقرآن يأبي التلفاز إلا أن يتبني منطق إبليس اللعين ويردد معه قوله "فبعزتك لأغوينهم أجمعين".. وهكذا يتولي الإعلام المصري في معظمه الدعوة إلي إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا والنأي بالناس عن دائرة مكارم الأخلاق وإدخالهم عنوة واقتداراً في دائرة الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق.. وكأني مع الشاعر أتساءل: متي يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدمه وهكذا نري الأزهر الشريف.. رأس المؤسسة الدينية يجدد ويجود ويرشد ويوجه ويرشد وتأتي مؤسسات أخري علي رأسها الإعلام تخرب وتهدم وتبدد.. ويبقي الخطاب الديني حائراً بين دعاة وهداة التجديد.. وهواة وحماة التبديد.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.