لفتت أنظاري مقالات في صحف عدة تتناول سيرة راحل كريم يتطابق اسمه مع اسمي.. وكانت كلها تنعيه بعد رحيله وتشيد بمآثره.. قرأت في تلك المقالات جانباً مما فعله المهندس الزراعي الراحل صلاح عطية. فوجدت فيه نموذجاً فريداً لمصري انتمي إلي هذه الأرض وأراد أن يؤدي الدين إليها وإلي أبنائها. استطاع من خلال مشروع صغير بدأه مع ثمانية من زملائه. وبرأس مال صغير أن يبني قريته.. ويعين أبناءها.. ويبني بها مدارس ومعاهد بل وكليات جامعية.. وأن يغني أهلها عن الاحتياج وأن يتكفل بعمل من يريد أن يعمل.. ويسهم في زواج من يريد الزواج.. وأن ينتقل من قريته إلي قري مجاورة.. ثم من محافظته إلي محافظات أخري.. من أين جاء كل هذا الإنفاق.. جاء من التبرع.. تبرع طوعي ورغبة في الإسهام في بناء الوطن.. بداية من المواطن.. والموطن.. فحين بدأ مشروعه بتسعة شركاء.. كانوا يبحثون عن شريك عاشر.. ثم جاءت الفكرة الخيِّرة في رأس الراحل صلاح عطية.. ليصل إلي أن يكون معهم شريك عاشر.. هو الله سبحانه وتعالي الذي سيبارك عملهم حين يجعلون نصيب العاشر من الأرباح تبرعاً لله.. ولفعل الخير في قريتهم.. وقد بارك الله لهم.. فارتفعت نسبة التبرع من 10% إلي 20% ثم إلي 50% وفي آخر الأيام عائد المشروعات كلها تبرعاً كاملاً.. وهكذا استطاع أن يحيي قريته وقري مجاورة وأن ينشر مشروعاته بنفس الأسلوب ولنفس الأهداف إلي محافظات أخري. هذا ما فعله التبرع الذي يريدون منعنا منه.. ويتطاولون علي الرئيس عبدالفتاح السيسي عندما يدعو إلي أن يكون أول عمل في الصباح التبرع من أجل مصر بقيمة مكالمة تليفونية.. بجنيه واحد.. ويقولون إن التبرع لا يبني الأوطان.. يريدون غلق منفذ مهم من منافذ التنمية.. ولو أننا وجدنا في كل قرية مواطناً مثل الراحل صلاح عطية. أو لو وجدنا في كل محافظة مواطناً أو عدة مواطنين مثله.. لاختفت كثير من المشكلات.. ولأسهمنا معاً في بناء الوطن.. وأسهمنا معاً في تنمية البشر.. والحجر.. ولكن المرض يملأ صدور الذين يهاجمون التبرع.. ويتخذون الدعوة إليه مجالاً للسخرية.. والتقليل من قيمته.. وأثره في بناء المجتمع. هؤلاء ينسون أن التبرع الطوعي بالمال أو بالجهد هو الذي يبني الأوطان فعلاً.. من يملك مالا يقدمه.. من يملك جهداً يقدمه.. من يملك فكراً يقدمه.. هؤلاء ينسون أن العالم كله يعيش ويحتضن العمل التطوعي.. وهو في خلاصته تبرع بالجهد والوقت وأيضاً المال.. والجمعيات والمؤسسات والمنظمات غير الحكومية تنتشر في كل العالم.. وتؤدي الدور الذي يريدون منعه عن مصر بمحاربة التبرع. كنا نتوقع بدلاً من محاربة الدعوة إلي التبرع أن يتوجهوا بالدعوة إلي رجال الأعمال الذين أحجموا عن التبرع لصندوق "تحيا مصر".. أن يطهروا أموالهم.. ويردوا جميل الوطن عليهم.. ويسهموا في أموال هذا الصندوق التي تذهب إلي مشروعات تسهم في بناء الوطن.. ولكنهم آثروا أن يتبنّوا دعوة إلي اليأس.. دعوة إلي سد منفذ مهم من منافذ التنمية في مصر.. وفي كل العالم. وقد قرأت لزميل بعض أرقام عن حجم التبرعات في صندوق تحيا مصر مقارنة ببعض ما ينفقه بعض المصريين علي التدخين والمخدرات.. وأيضاً التليفون المحمول.. وقد قدرها جميعاً بنحو تسعين مليار جنيه في السنة.. في حين بلغت جملة تبرعات صندوق "تحيا مصر" 7.3 مليار جنيه بالإضافة إلي مليار جنيه قدمها الجيش من تبرعات أبنائه.. وكان الرئيس السيسي عندما أنشأ هذا الصندوق يريد أن يصل بتبرعاته إلي مائة مليار جنيه.. ولكن من الواضح أن الذين عناهم الرئيس بتبرعاته.. لم يتبرعوا.. بينما تبرع عامة الشعب.. وبالتالي فلابد أن نبحث عن وسيلة أخري لكي يرد هؤلاء الذين يملكون المال.. بجانب ما يملكونه من أجل بلدهم.. ورداً لجميله عليهم. ونحن لا نطالب الباقين الذين ينفقون 90 ملياراً علي التدخين والمخدرات والتليفونات المحمولة أن يتبرعوا بمثلها لصندوق "تحيا مصر".. وإنما علي الأقل بنسبة مما ينفقونه في هذا الشأن.. ولعل دعوة الرئيس للتبرع بجنيه واحد يومياً تلقي من هؤلاء دعماً متواصلاً.. فتمتد أيديهم إلي تليفونهم صباحاً أو مساء لتودِع هذا الجنيه في صندوق "تحيا مصر". أما هؤلاء الذين يملكون أن يتبرعوا.. ولم يفعلوا.. فلعل الأيام القادمة تدفعهم إلي أن يفيقوا.. ويعرفوا حق الوطن عليهم.. ويعرفوا أن خيرهم وسلامتهم تتأكد في وطن يتكافل أبناؤه.. ويشعر أبناؤه جميعاً بأن الخير إن أصاب البعض وأتخمهم.. فإنهم سيردون جانباً من هذا الخير إلي باقي أبناء الوطن.. ليعيش الجميع في وطن آمن متكافل.. يساند بعضه بعضاً.