من الغريب أن تلقي دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسي. للتبرع لصندوق "تحيا مصر" هذا الهجوم غير المبرر.. وأكاد أقول أيضاً غير الأخلاقي.. والذي يكاد يتماثل مع حديث البعض عن "السجادة الحمراء" وإغفال الحديث عن إنجاز 36 مشروعاً بتكلفة 16 مليار جنيه.. أو كالحديث عن موكب الرئيس. وكم دراجة بخارية كانت في الموكب.. وإغفال إنجاز أول برلمان منتخب انتخاباً حراً دون أي تدخل حكومي أو غير حكومي.. أو الحديث عن بعض كلمات صارت هنا أو هناك في ثنايا حديث الرئيس السيسي. وإغفال ما تحدث الرئيس عنه من تحديات. وما أشار إليه من إنجازات.. وما ذكره من خطط للحاضر وللمستقبل؟!.. كل هذا يشير إلي أن المتحدثين بهذه الصغائر قد أصابهم مرض من الصعب أن يبرأوا منه.. لأن الضمائر الميتة وراء هذا المرض.. الضمائر التي أغمضت أعينها وقلوبها.. فلم يعد صالح هذا الوطن يشكل شيئاً في وجدانهم.. وقبعت في المكان.. أي في العين والقلب.. أشياء كثيرة ليس بينها بالقطع صالح الوطن.. وإنما الترويج للقناة التي يعملون بها.. والترويج لمصالح البعض.. من ملاك للقنوات.. أو الناطقين بها.. فلم يعودوا يرون غير ما يتفق وهواهم.. وما يحقق أغراضهم. والذين يهاجمون الدعوة للتبرع يقول بعضهم إن التبرع لا يبني الأوطان.. وقد يكون جزء من هذه المقولة به شيء من الصحة.. ولكن ليس به شيء من الدقة.. فالأوطان لا تُبنَي بأكملها بالتبرع المباشر.. وإنما التبرع بكل أشكاله. وجهود أبنائه. هو الذي يبنيها.. وهل يمكن أن نصف الضرائب التي تُحصل طوعاً أو كرهاً. إلا أنها في النهاية نوع من التبرع بجزء من دخل المواطن.. وإن أخذ شكل الإجبار.. حتي يستقيم بناء الوطن من خلال إنفاق أبنائه.. فما يؤخذ من أبناء الوطن طوعاً أو كرهاً. يرد عليهم خدمات وبناء.. وهو لبنة أو لبنات في بناء الوطن.. فالذي يدفع الضريبة يعرف أنها تذهب لخدمته.. سواء في بناء مدارس أو مستشفيات أو شق طرق أو سداد كافة التزامات الدولة.. والذي يتبرع من تلقاء ذاته. يعرف أيضاً أن تبرعه يذهب لنفس الغرض. سواء في صندوق "تحيا مصر" أو غيره. أو يذهب لأغراض أخري تسهم بالتالي. وفي مجموعها. في استكمال بناء الوطن.. أي أن كلاً من التبرع بشقيه الطوعي والإجباري. هما قناتان لبناء الوطن. والذي يستعرض ما بني بأموال التبرعات والهبات المباشرة. يجد الكثير الذي ينتشر في بلادنا. صروحاً شامخة تنطق بأسماء من أعطوا بلا حساب.. أو حتي أعطوا في حدود طاقاتهم. يشارك عطاؤهم مع عطاء الآخرين في إنجاز هذه الصروح. ولعل أقرب النماذج في تاريخنا الحديث نموذج جامعة القاهرة. التي بدأت كجامعة أهلية مصرية بتبرعات المصريين. وعلي رأسهم الأميرة فاطمة إسماعيل. ابنة الخديو إسماعيل.. التي تبرعت بأرضها وحليها لإنشاء هذه الجامعة. وشارك في التبرعات كل المصريين من زعماء وقادة يحبون المجتمع إلي أصغر فرد في المجتمع. ولو أن هؤلاء استمعوا إلي نصائح "مانعي الخير" الذين يقولون إن التبرع لا يبني الأوطان. ما كانت هذه الجامعة العريقة قد وجدت.. ولا كانت أجيال المصريين الذين بنوا صورة مصر الناعمة قد وجدت. ولتأخر إنشاء الجامعة عقوداً.. هذا ما كان قد بني بجهد الدولة التي كانت تحت حكم الاحتلال الإنجليزي في ذلك الوقت. وقد استطاعت تبرعات المصريين منذ مطلع القرن العشرين أن تسهم في تشييد مئات الصروح التي تؤدي أجل الخدمات لمواطني مصر حتي الآن. لعلنا نشير في جانب واحد منها إلي ثلاث مستشفيات تاريخية يعرفها الجميع. تشمل مستشفي الجمعية الخيرية الإسلامية في الدقي. ومستشفي الدمرداش في العباسية. ومستشفي المواساة. وكلها صروح تشير إلي أن التبرع يبني الأوطان. بعكس ما يقول "مانعو الخير" ولا نريد أن نستطرد في ذكر مئات الأمثلة والنماذج قديماً.. أو حديثاً.. ولكننا سنجد أنفسنا مضطرين إلي تذكر هؤلاء الذين يريدون أن يحجبوا عن الوطن خيراً كثيراً.. بأن التبرع الطوعي هو قناة رئيسية لبناء الوطن.. إلي جانب التبرع الإجباري "في شكل ضرائب ورسوم".. ونذكر هؤلاء أيضاً أن العالم كله يسلك نفس السبيل.. ونذكرهم ببيل جيتس علي سبيل المثال. وباقي أثرياء العالم من المتبرعين.. ونذكرهم أيضاً بتاريخ طويل من التبرع الطوعي بني مصر.. أو ساهم في بنائها من خلال الوقف.. الذي كان يقوم بدور كبير في تلبية احتياجات المواطنين من دراسة وتعليم وصحة وغذاء وكساء ونفقات. والحديث يطول.. ولكننا سنعود إليه لنري كيف ينهض العالم بتبرعات أبناء.. أغنياء.. وغير أغنياء.