أعلم جيداً مدي صعوبة المهمة التي يتولاها حلمي النمنم وزير الثقافة.. كما أعلم جيداً أنه قادر عليها فهو وطني مصري.. ابن الثقافة.. مناضل حقيقي ضد الإرهاب والتطرف الديني ومواجهة نزعات التكفير والتخوين والقتل والترويع باسم الدين. فالثقافة هي مصدر القوة في هذا الزمان.. فكما تستشرف مستقبلنا الزاهر.. تساهم في صنع حاضرنا المشرق.. كما تضيء لنا المعرفة بماضينا العريق. حلمي النمنم يعي جيداً دروب وزارة الثقافة.. وتحمل الخبرة بآليات العمل بها.. وله دور في محاربة الإرهاب والجهل والابتذال والسوقية.. وعليه أن يحقق هذا الدور بوزارة الثقافة ليكون منهاجاً عاماً.. فتقوم الوزارة بتطوير السينما والمسرح والرواية والشعر والأغنية.. والرجوع إلي مبدأ التواصل بين الثقافات.. لمعرفة نظرة الآخرين لنا.. وهو قادر علي ذلك.. وأعرف رغبته في التقدم وقدرته علي الإنجاز.. وإصراره علي النجاح. .. ولكن.. ذلك كله يحتاج إلي أدوات ومنفذين واعين بإيمان لينقذوا الوطن من الانحطاط الفكري الذي عانت منه الدولة في السنوات الأخيرة.. وتقدم النموذج للجماعة الثقافية التي ينتمي إليها الوزير التي مهدت له الطريق إلي الوزارة.. ويساهموا معه في تنمية العقل المصري والعربي. والسؤال.. هل يحقق الوزير حلم وآمال الجماعة الثقافية التي ينتمي إليها.. بعلاج مشاكل السينما والمسرح من خلال معرفته بمواطن الضعف في الثقافة ومعرفته بمن بها من الفاسدين والمفسدين؟!.. فلابد من بتر هؤلاء. بوضوح.. يجب أن يعالج الوزير المذابح الرهيبة التي تمت في الثقافة قبل أن يصل بقليل.. وهو يعرف تفاصيلها.. ويعرف ما يتم في كنوز نجيب محفوظ أحد أهرامات مصر الثقافية.. الوزير يملك من الأدوات ما يحقق حلمه.. وحلم الجماعة الثقافية.. فلديه الكنوز التي تركها "الأبنودي" ولم تر النور بعد.. وهي كثيرة.. فقد تركها ومضي.. مثل السيرة الهلالية التي لم ينشر منها سوي جزء ضئيل.. إلي جانب كتابه عن الشخصيات المصرية التي ساهمت في بناء مصر.. ولم ينشر حتي الآن.. ولديه الثروة الهائلة التي أشار إليها جمال الغيطاني ولم يهتم بها أحد.. والنماذج كثيرة يعمل بعض أعداء مصر علي طمسها بتخطيط دقيق ومحكم. ولديه يوسف إدريس ومحمود السعدني وخيري شلبي وصنع الله إبراهيم ومحمد المنسي قنديل وجلال أمين وغالي شكري وفتحية العسال وفاطمة قنديل وصلاح جاهين وفؤاد حداد وعبدالرحيم منصور وأحمد الشيخ وسيد حجاب وصلاح عبدالصبور ومحمد غزلان وسيد حافظ وإبرهيم عبدالمجيد وإبراهيم فتحي وحامد إبراهيم ومصطفي نبيل ويسري العزب ووحيد حامد ولطيفة الزيات وأمينة رشيد. وهم كثير.. لماذا نتركهم يتحكم الناشرون فيهم وفي القراء؟!.. حلمي النمنم رجل قوي وحاسم ولا يعرف المراوغة وليس له إلا وجه واحد واضح وصريح.. ويعلم أننا في حرب حقيقية ضد الإرهاب.. والسلاح الحقيقي في هذه الحرب هو الثقافة.. ونحن في مفترق طرق حاسم وليس أمامنا سوي خيار التجديد والتطوير.. و"النمنم" قادر علي ذلك. وللأسف.. الثقافة المصرية تحتضر.. ووضعها يثير الشفقة.. فحالها مترد لأقصي درجة.. والدولة والقائمون عليها يتحملون المسئولية الكبري.. في بث الروح فيها. والمنطقي.. أنه لا تقدم دون مثقفيها.. ودون الثقافة والأدب.. لهذا يجب تدارك المأساة.. بمد الدولة يدها لنهضة الأدب.. للنهوض بالبلاد.. ونهضة السينما والمسرح.. فالمفروض أن تكون السينما المصرية راقية.. وعالمية.. فهي من أقدم الصناعات السينمائية في العالم.. ويكون لها ثقلها العالمي المتميز.. ولها تأثير فاعل في الأوساط الفنية السينمائية العالمية.. فبنظرة متأملة نجد أن الفن السينمائي المصري متواضع جداً صناعة.. سطحي بل مبتذل ومتدن في موضوعاتها اللهم إلا القليل.. والمطلوب إنقاذها قبل أن تضيع.. ونحن نملك مقومات إنقاذها.. ونملك من الكوادر البشرية القادرة علي إعادتها إلي المستوي الذي يليق بها.. وبنا. أما المسرح المصري.. فبعد النهضة العظيمة التي حققها سقط فجأة.. وإن كنا نلاحظ محاولات جادة لانتشاله.. والنهوض به.. ونحن أيضا نملك الوسائل الكفيلة بنهضة مسرحية حقيقية.. ومن المسلم به أن المثقفين والأدباء هم من يحملون مشاعل التنوير.. وينيروا الطريق لكل الطبقات حتي لا يسقطوا فريسة في يد المتطرفين. للوزير إسهامات فكرية عميقة ومئات المقالات والدراسات وعشرات الكتب منها دراسة عن الحسبة.. وكتاباه الأخيران عن سيد قطب وحسن البنا.. ويملك سيرة ذاتية نزيهة تجعله عصياً علي الابتزاز.. قادراً علي قول كلمته بصراحة وحسم وهو من أبرز الوزراء السياسيين في الوزارة الأخيرة.. حيث ينتمي إلي المدرسة الوطنية الاجتماعية التي تنحاز إلي أبناء هذا الوطن.. وبخاصة فقراؤه. وعليه ألا يسمح لنفسه بالاستدراج في معارك هامشية مقصود بها تشتيت جهده.. وإبعاده عن حل القضايا الرئيسية التي تنتظره لوضع الخطط لإصلاحها.. بالشكل الذي ينتظره الوسط الثقافي منه لإحداث التغيير المطلوب.. وإعادة الدور المطلوب من وزارة الثقافة ببث الروح من جديد في الثقافة بمنابرها المختلفة.. وهو قادر علي إحداث هذا التغيير وتحقيقه والقيام به.. وذلك باحتضان المثقفين والأدباء الذين يتحكم الناشر فيهم ويحكم علي بعضهم بالإعدام أو الموت البطئ.. والسؤال: لماذا لا يتم إعادة هؤلاء إلي الساحة بطبعات شعبية يملك الجميع اقتنائها لقراءتها؟!.. وذلك أيضا باحتضان السينمائيين بإعادة كبار مبدعي الدراما.. بعودة الدولة إلي إنتاج ما يهرب من إنتاجه القطاع الخاص الذي يهرب من عظم التكلفة.. وبهذا تنجح وزارة الثقافة في طرد العملات الرديئة التي يتعرض لها المشاهد. هذا بالإضافة إلي الكنز الذي لم يقترب إليه أحد بالاهتمام الذي يستحقه.. وهو "الثقافة الجماهيرية" ولم يتم استغلال قوته الحقيقية وهي عظيمة جداً سواء في المسرح أو الفنون التشكيلية أو المكتبات أو المواهب التي لم يلتفت إليها أحد من الشعراء وكتاب القصة والمسرحيات.. لأنهم بعيدين عن العاصمة.. المسئوليات عظيمة وتحتاج إلي جهد كبير لإعادة الحياة إلي الهيئة العامة للكتاب وإلي المركز القومي للمسرح وإلي دار الكتب والوثائق وإلي هيئة قصور الثقافة وإلي قطاع المتاحف وإلي دار الأوبرا المصرية.. ليحدث ذلك قبل أن يضيع كل شيء. المسلم به: أن الثقافة المصرية تحمل تراثاً عظيماً من الإبداع ونور المعرفة.. والثقافة هي مصدر القوة الناعمة في هذا الزمان.. لما تحمله من متعة الإبداع ونور المعرفة.. فالثقافة تنير لنا الطريق لنكشف ماضينا العريق.. الذي يريد البعض أن نتوقف عنده ونتغني به.. ولا نعمل أو نقترب من حاضرنا الواعد الذي نعمل من أجله حتي نستشرف مستقبلنا المشرق. تلك هي القضية حتي نستعيد أنفسنا. وأكرر.. قبل أن يضيع كل شيء.