ولاية القضاء من أهم الولايات في المجتمع. لاختصاصها برفع الفوضي أو التهارج. ورد النوائب. وقمع الظالم. ونصر المظلوم. وقطع الخصومات. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالقضاء يتم وضع الشيء في محله. ليكف الظالم عن ظلمه. ويشترط فيمن يتولي القضاء أن يكون أهلاً للقيام بواجبات هذا المنصب ممن يتصفون بالنزاهة والحيدة والأمانة وتحري الحق. فضلاً عن العلم به. ولا يوجد نص في القرآن الكريم أو السنة المطهرة يشترط فيمن يتولي القضاء أن يكون ذكراً أو رجلاً إلا أن جمهور الفقهاء استنبط من عموم ما أخرجه البخاري عن أبي بكرة. أن النبي صلي الله عليه وسلم قال "لن يفلح قوم ولوا أمورهم امرأة". منع تولي المرأة للقضاء. ولا يخفي أن هذا الحديث ظاهر في الولاية العامة المطلقة التي من حقيقتها إمامة الصلاة وخطبة الجمعة كما أن هذا الحديث ورد في مناسبة خاصة. فلا يجوز فيه التعميم. ذلك أن النبي صلي الله عليه وسلم كان قد أرسل كتاباً إلي "كسري" عظيم الفرس يدعوه فيه الي الإسلام. فمزقه فدعا عليه النبي صلي الله عليه وسلم أن يمزق الله ملكه فسلط الله عليه ابنه "شيرويه" فقتله. وتولي الملك من بعده إلا أنه مات مسموماً بسم كان وضعه له أبوه "كسري" في إحدي الخزائن عندما استشعر بغدر ابنه "شيرويه". فلم يبق "شرويه" في الحكم بعد أبيه "كسري" سوي ستة أشهر. وكان قد قتل جميع أشقائه فلم يجدوا بعد موته سوي ابنته "بوران" فلما بلغ ذلك النبي صلي الله عليه وسلم قال حديثه المذكور: "لن يفلح قوم ولوا أمورهم امرأة" كالمبشر للناس بأن الله تعالي قبل دعوته علي "كسري" أن يمزق الله ملكه. وذهب الحنفية وابن القاسم من المالكية إلي أنه يجوز للمرأة أن تتولي القضاء في الأمور التي يجوز لها أن تشهد فيها. كمسائل الأموال والأحوال الشخصية أما قضايا الحدود والقصاص فلا يجوز تولي المرأة فيها. لعدم قبول شهادتها في ذلك. قالوا: والقضاء يتبع الشهادة. ولا شك أن هذا قياس مع الفارق. لأن الشهادة تحتاج إلي تواجد الشاهد مسرح الجريمة. والمرأة في الغالب لا تحضر هذه المشاهد البشعة. بخلاف القضاء. فإن ساحة القضاء ساحة أمن وهدوء. ولذلك ذهب ابن جرير الطبري وابن حزم الظاهري إلي أنه يجوز للمرأة أن تتولي القضاء علي الاطلاق في الأموال والدماء والأنساب والحدود. وغيرها. لأن الذكورة ليست شرط جواز ولا صحة لتولي القضاء. ولا تأثم المرأة بقبول هذا المنصب. ولا يأثم من عينها في ذلك واستدلوا من السنة والمعقول. أما دليل السنة فما أخرجه الشيخان عن ابن عمر. رضي الله عنهما. أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. الإمام راع ومسئولة عن رعيته. والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته. والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئول عن رعيتها. والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته وكلكم راع ومسئول عن رعيته". وأما دليل المعقول فمنه قياس المرأة علي الرجل بجامع أصل التكليف. وقد أخرج أحمد وأبوداود والترمذي عن عائشة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "النساء شقائق الرجال" ومنه: قياس القضاء علي الفتيا بجامع الاجتهاد في كل. أو قياس القضاء علي الحسبة. لما ذكره ابن حزم عن عمر بن الخطاب. رضي الله عنه. أنه ولي امرأة تدعي أم الشفاء ولاية الحسبة علي السوق. ولا يوجد نص في القرآن الكريم أو السنة المطهرة يشترط صراحة فيمن يتولي القضاء أن يكون مسلماً إلا أن وظيفة القضاء ما وضعت إلا لفض الخصومات بين المتنازعين. وهذا يستلزم بداهة معرفة الشرع الذي يحكم به القاضي. ولذلك ورد في الحديث الذي اخرجه أصحاب السنن وصححه الحاكم. عن بريدة. أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة" أما اللذان في النار فرجل عرف الحق وحاد عنه. ورجل حكم بين الناس علي جهل وأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق وحكم به" ومن هنا اشترط الفقهاء فيمن يتولي القضاء أن يكون مسلماً حتي يتمكن من فض الخصومات بين المتنازعين في المجتمع المسلم. وأجاز أبوحنيفة تقليد غير المسلم القضاء بين أهل دينه. لأنهم الأعرف بما يفض الخصومة بينهم وأجاز الشافعية في وجه العمل بحكم القاضي غير المسلم إذا ولاه حاكم ذو شوكة. حتي لا تضيع مصالح الناس. وبهذا يتبين أن نصوص الشريعة الإسلامية لم تضع شرط الإسلام نصاً فيمن يتولي القضاء في المسلمين. وإنما وضعه الفقهاء ليس تحكماً وتزمتاً وإنما لاحتياج القاضي إلي فقه المسلمين. ليتمكن من أداء واجبه. فهو شرط تأهيل وليس شرط تقليد. لأن الوظيفة العامة من الحقوق السياسية المتعلقة بالحضارة الإنسانية التي يتساوي فيها الناس.