من يتجول داخل أروقة أقسام الشرطة أو زنازين الاحتجاز داخل مديريات الأمن أو يطالع تصاميم منشآت الداخلية يدرك منذ الوهلة الأولي أن تلك الأقبة الموحشة قد صنعت بإتقان من أجل قتل السجناء وتصفية المعتقلين لا عقاب المتهمين أو احتجاز المدانين لحين الفصل فى موقفهم القانوني، وبات محضر مليشيات العسكر بمثابة شهادة وفاة مسبقة تنتظر الرتوش الأخيرة لتشييع النزيل إلى مثواه الأخير. صحف الانقلاب ورغم المحاولات المستميتة لتجيل وجه الانقلاب القبيح إلا أنها لم تعد قادرة على أن تحجب الشمس بالغربال أو تضلل الرأي العام عن حقيقة ما يري داخل أقسام الشرطة وعلى يد عناصر الدولة البوليسية، بينما يخرج المصريون فى روتين يومي لتشييع جثامين ذويهم بعد أيام قلائل من الاحتجاز.
القتل داخل أبنية الشرطة لم يعد فقط يتوقف عن حواجز التعذيب وصعق الكرباء والاغتصاب وامتهان الكرامة والإذلال، وإنما بات الاحتجاز في حد ذاته وسيلة قتل ناجعة حيث ممرات خانقة وزنازين بلا تهوية لا تري الشمس وتكدس المئات فى غرف لا تستوعب الأحاد، فضلا عن الحرمان من الأدوية والعلاج، وانتشار الأوبئة والأمراض، واختلاط الأنفاس وتناقل العدوي.
"المصري اليوم" ومع تفاقم فاشية الشرطة وفضح جرائمها على رؤوس الأشهاد، قررت أن تدلف إلى نفق إقسام الشرطة لإزاحة الستار عن ما يجري داخل تلك البنايات القمعية، خاصة بعد أن ضرب قسم دار السلام –على سبيل المثال- الرقم القياسي بمقتل 4 من نزلاءه فى فترة زمنية لا تتجاوز أيام معدودات مع خروج التقرير الطبي ليتهم "المرض".
الجريدة المقربة من الشئون المعنوية حاولت توثيق ما يجري داخل دولة القمع فى 27 دقيقة فقط عبر فيلم وثائقي "شبر وقبضة" لخصت مأساة الاحتجاز فى مصر وتفشي وباء جمهورية حاتم وإطلاقها على الشعب المصري، فى رحلة بدأت من قسم دار السلام سئ السمعة لتنطلق فى كعب دائر على سلخانات السيسي.
الوثائقي الذى صنعه الصحفي الشاب محمد طارق، لم يحتاج إلى مقدمات من أجل اختراق جدار الصمت فى دولة أقسام الشرطة، بل رصد مباشرة الجريمة لينسج حولها الواقع، " فى ممرِ معتمِ بلا منفذ للتهوية. وعلى أرض أسمنتية تفوح منها روائح عفنة لبقايا أطعمة وقمامة، انتهت حياة «أشرف» بمشهد لجثمان ملقى على ظهره. حوله ثمانية أبواب مصفحة سوداء يطرق عليها محتجزون بأيديهم لإخبار الضباط بوفاة محتجز جديد، بقسم شرطة دار السلام، يوم 13 مارس 2014".
وتابع: "«يستحيل السير فى الغرفة دون الاحتكاك بأجساد المحتجزين، كنا نسير على النيام حتى نذهب إلى «الحمام البلدى» الذى يفصله عن المحتجزين قطعة قماش»، وفق ما يشرح لنا حسام الدين مصطفى، أحد الشهود على وفاة أشرف داخل الحجز، واستعانت بشهادته النيابة، خلال التحقيقات". وأردف الوثائقي: "«قبل أسابيع من وفاته كان يشتكى من ألم أسفل بطنه وتضخم فى خصيتيه. وقبل وفاته بأيام أصيب بنوبات هياج حين بدأ إحساسه برجله اليسرى ينعدم، وفقد القدرة على الوقوف»، يقول ذلك فى شهادة رسمية خلال تحقيقات النيابة، إلهامى محمد عبدالعزيز، الذى كان محتجزاً احتياطياً فى ممر حجز القسم نفسه، وكان مصاباً بنفس مرض أشرف (فتق قربى.. وهو كيس ليفى يتكون فى الفخذ، ويتضاعف بالانتشار ب«كيس الصفن)".
وبعد عرض مأساوي، لخص التقرير أسباب الكارثة أو حاول الاقتراب من الأسباب المنطقية دون البحث فى نفسية عنصر الشرطة أو سادية الجهاز أو حتى فاشية الدولة العسكرية، قائلا: "لا يختلف حال 295 محتجزاً فى قسم شرطة دار السلام عن أحوال المحتجزين ب45 قسماً للشرطة فى محافظة القاهرة. المقارنة التى أجريناها أثناء التحقيق تثبت تطابق الظروف فى أغلب أماكن الاحتجاز فى العاصمة وعدد من محافظات الوجهين البحرى والقبلى، محتجزون فى غرفٍ يقل نصيب الفرد فيها عن نصف متر، لا تتوافر فيها المعايير الصحية من نظافة، وإضاءة، وتهوية، وتنعدم فيها الرعاية الصحية أو الاهتمام بأوضاع المحتجزين المرضى".
وأوضح: "السبب الأول والأخير لهذه الأحوال التى يعانى منها المحبوسون فى الأقسام بشكل عام هو استثناء أماكن الاحتجاز الملحقة بأقسام الشرطة من تعريف السجون، فى القانون رقم 396 لسنة 1956 بشأن تنظيم السجون، فعلى العكس من السجون؛ لا توجد لوائح أو قوانين تنظم قواعد الاحتجاز فى أقسام الشرطة، مثل طبيعة مكان الاحتجاز ومدته، والطعام ونوعه، والرعاية الصحية، أو حتى زيارات الأهالى".
يفاقم من وضع أقسام الشرطة السيئ، غياب تنفيذ القرار رقم 691 لسنة 1998 الصادر من وزير داخلية المخلوع حبيب العادلى، فى شأن كيفية معاملة المسجونين ومعيشتهم، حيث دخلت خلاله حالات «الحبس الاحتياطى» ضمن تعريف المسجون، وحدد فى مواده الحد الأدنى المقرر للمحبوسين احتياطياً من الطعام والملابس والأثاث وأدوات المعيشة الواجب توافرها، «كان يجوز تطبيقه على المحتجزين بالأقسام باعتبارهم محبوسين احتياطى».