تصاعد الحرب الصهيوأمريكية على إيران وضرب منشئات النفط يهدد الاقتصاد المصري بصدمات كبيرة لا تقوى حكومة الانقلاب على مواجهتها خاصة الارتفاع الجنونى فى أسعار البترول . كما أن توقف أو تعطل سلاسل الإمدادات نتيجة إغلاق أو اضطراب الممرات المائية الحيوية، سينعكس بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية، وهذه التطورات ستضغط على مصادر النقد الأجنبي في مصر لهذا تتطلب المرحلة المقبلة قدرًا كبيرًا من الحذر في إدارة الأعمال، مع الحفاظ على السيولة والقدرة على التكيف مع تقلبات الأسعار كعاملين حاسمين في استمرار الشركات وتجاوز المرحلة الصعبة.
أكبر صدمة
من جانبه أكد المفكر الاقتصادي الدكتور جودة عبد الخالق، أن الاقتصاد المصري يواجه حالياً "أكبر صدمة في تاريخه الحديث"، مشيرا إلى أن هذه الأزمة ناتجة عن تضافر ضغوط استراتيجية غير مسبوقة من الاتجاهات الأربعة. وأوضح عبد الخالق فى تصريحات صحفية، أن مصر تدفع ثمناً باهظاً لما يجري في منطقة الخليج ومضيق هرمز، مما أدى إلى "خنق" مسارات التجارة الدولية، مؤكدًا أنه باعتبار مصر أحد أهم ركائز التجارة العالمية بفضل قناة السويس، فإن ما يحدث من توترات أثر بشكل مباشر وعنيف على مواردنا السيادية من القناة . وأشار إلى أن مصر من أكبر الدول المصدرة للعمالة، والجزء الأكبر منها يتواجد في المناطق الملتهبة حالياً، محذرا من أن استمرار التصعيد قد يؤدي لرجوع أعداد كبيرة من العمالة، مما سينعكس سلبا على "سوق العمل" والقدرة الشرائية ودعم الاقتصاد بالعملة الصعبة. وفيما يخص أمن مصر الغذائي، كشف عبد الخالق عن مخاوف حقيقية من قفزات سعرية قادمة، قائلاً: نحن نستورد أكثر من 50% من احتياجاتنا الغذائية، وأسعار الغذاء مرشحة للزيادة بشكل كبير على خلفية العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران وتداعياته العالمية. وأوضح أن مواجهة هذه الأزمة، يتطلب تنفيذ إجراءات عاجلة تشمل: إعادة النظر في الواردات من خلال الاقتصار فقط على تدفق المواد الضرورية لاستمرار الإنتاج. أن تلتزم حكومة الانقلاب ب "شد الحزام" وترشيد الإنفاق بنسبة 20% في دواوين دولة العسكر، مؤكداً من واقع خبرته كوزير سابق أن هناك مساحات كبيرة للخفض دون المساس بالخدمات المقدمة للمواطن.
النقد الأجنبي
وحذر الخبير الاقتصادي الدكتور هاني توفيق، من تداعيات اقتصادية صعبة قد يشهدها العالم خلال الفترة المقبلة على خلفية الحرب الإيرانية، مشيرًا إلى أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو مرحلة "كئيبة اقتصاديًا" تتسم بحالة من الركود التضخمي، وهو ما يعني في الوقت نفسه ارتفاع معدلات الغلاء والبطالة، إضافة إلى اضطرابات حادة في سلاسل الإمدادات العالمية. وقال توفيق، في تصريحات صحفية، إن تصاعد الصراع في المنطقة قد يؤدي إلى توقف أو تعطل سلاسل الإمدادات نتيجة إغلاق أو اضطراب الممرات المائية الحيوية، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية، مؤكدا أن هذه التطورات ستضغط على مصادر النقد الأجنبي في مصر، مثل إيرادات السياحة وتحويلات المصريين في الخارج وإيرادات قناة السويس، الأمر الذي قد يفاقم الضغوط الاقتصادية ويؤدي إلى استمرار ارتفاع سعر الدولار. وأوضح أن هذه الحرب جاءت في توقيت صعب بالنسبة للاقتصاد المصري، حيث تعاني البلاد بالفعل من تحديات اقتصادية قائمة قبل اندلاعها، أبرزها ارتفاع معدلات التضخم والبطالة والفقر، إلى جانب أعباء خدمة الديون المتراكمة. وأكد توفيق أن هذه العوامل مجتمعة قد تضيف مزيدًا من الضغوط على دولة العسكر والمواطنين خلال الفترة المقبلة مشددا على ضرورة التحرك السريع لمواجهة التداعيات المحتملة، وتشكيل لجنة اقتصادية على أعلى مستوى لإعادة ترتيب أولويات الاقتصاد المصري، ووضع سياسات عاجلة للتعامل مع المتغيرات العالمية المتسارعة. وفيما يتعلق بالمنتجين، نصح بضرورة تأمين احتياجاتهم من المواد الخام وتخزينها لأطول فترة ممكنة، حتى لو تطلب الأمر الاقتراض بضمان البضائع، محذرًا من مخاطر إبرام عقود توريد بأسعار ثابتة قبل تأمين المواد الخام .
المصروفات الإدارية
ودعا توفيق إلى تجنب التوسعات خلال المرحلة الحالية والعمل على خفض المصروفات الإدارية والعمومية قدر الإمكان مشددا على أن المرحلة المقبلة تتطلب قدرًا كبيرًا من الحذر في إدارة الأعمال، مع الحفاظ على السيولة والقدرة على التكيف مع تقلبات الأسعار كعاملين حاسمين في استمرار الشركات وتجاوز المرحلة الصعبة. وبالنسبة للمواطنين والمستهلكين، طالب بالعمل على زيادة مصادر الدخل قدر الإمكان، سواء من خلال العمل لساعات إضافية أو البحث عن فرص دخل أخرى، لمواجهة الضغوط المالية المتوقعة في ظل موجة التضخم المحتملة. كما نصح توفيق بضرورة شراء الاحتياجات الأساسية والضرورية في الوقت الحالي قبل حدوث زيادات أكبر في الأسعار، مع تأجيل النفقات غير الضرورية. وأشار إلى أن الادخار خلال فترات التضخم يجب أن يكون متنوعًا، موضحًا أن الاحتفاظ بسلة من العملات الأجنبية والذهب يعد أحد أهم وسائل الحفاظ على القيمة الشرائية للأموال.
موجة تضخمية جديدة
وأكد محمد سعده، السكرتير العام للاتحاد العام للغرف التجارية ورئيس غرفة بورسعيد، أن التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية–الأمريكية ترتبط بشكل مباشر بمدى اتساعها الزمني والجغرافي، موضحًا أن الخبرات السابقة تشير إلى قدرة الأسواق العالمية على التعافي في حال بقاء التصعيد محدودًا. وحذر سعده فى تصريحات صحفية من أن استمرار النزاع أو امتداده إلى ممرات الطاقة الحيوية قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى موجة تضخمية جديدة، بما يشكل ضغوطًا متزايدة على الاقتصادات الناشئة، وعلى رأسها الاقتصاد المصري. وأشار إلى أن قدرة مصر على احتواء هذه التداعيات تعتمد بالأساس على سرعة وكفاءة إدارة الصدمة، عبر تعزيز مستويات الاحتياطي النقدي، والتوسع في تنويع مصادر الطاقة، إلى جانب تبني سياسة مرنة لإدارة سعر الصرف تحد من التقلبات وتجنب الأسواق قرارات مفاجئة قد تؤدي إلى تصاعد الضغوط التضخمية. وأوضح سعده أن مضيق هرمز يمثل نقطة اختناق رئيسية في الاقتصاد العالمي، نظرًا لمرور أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عبره، إلى جانب نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط والمنتجات البترولية، فضلًا عن حصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب حتى لو كان محدودا كفيلًا بإحداث زيادات فورية في الأسعار نتيجة تسعير المخاطر. وأكد أن إغلاق المضيق، لا سيما إذا طال أمده، سيؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في تكاليف الشحن والتأمين، ويضع الاقتصاد المصري أمام تحديات مركبة تشمل زيادة فاتورة الطاقة، وتصاعد معدلات التضخم، إلى جانب ضغوط تمويلية، مع تأثيرات متفاوتة على إيرادات قناة السويس وفقًا لمسار الأزمة وتطوراتها.