أصدرت حركة "جيل زد" بيانًا عاجلًا من القاهرة عبّرت فيه عن رفضها الشديد لقرار رفع أسعار البنزين، معتبرة أن الخطوة تضيف «عبئًا جديدًا» على المواطنين في ظل ما وصفته الحركة بأنه ضغوط معيشية متزايدة. وجاء البيان، الذي نشره الحساب الرسمي للحركة عبر منصة X، على لسان المتحدث باسمها محمد حازم. وقالت الحركة إن المصريين «يستيقظون يوميًا على زيادات جديدة في الأسعار»، مشيرة إلى أن دخول المواطنين تتآكل بينما ترتفع تكاليف الاحتياجات الأساسية. وانتقد البيان ما وصفه ب«التناقض» بين الأوضاع المعيشية للمواطنين ومستوى الإنفاق الحكومي على مشروعات كبرى، من بينها القصور الرئاسية والطائرات الجديدة، وفق ما ورد في نص البيان.
وأضافت الحركة أنه «في الوقت الذي يطلب فيه رأس السلطة من المصريين شدّ الأحزمة وتحمل مزيد من الأعباء، ويقول متبجحًا: أنا عامل قصور رئاسية وهعمل، يشاهد الجميع مظاهر الإنفاق الضخم على القصور الرئاسية والمشروعات الباهظة الريعية التي لا تحمل أي فائدة للمواطن وأثبتت فشلها، فضلًا عن شراء طائرات بمئات الملايين من الدولارات، بينما يعيش المواطن العادي صراعًا يوميًا لتأمين احتياجاته الأساسية».
وأشارت إلى أن «هذا التناقض الصارخ بين معاناة جماهير شعبنا ومستوى الرفاهية الذي يعيشه رأس السلطة وحاشيته ومنتفعيه لن نقف مكتوفي الأيدي أمامه، ولن نكون الضحية حسنة الأخلاق الطيبة ما حيينا».
وأعلنت الحركة عبر حسابها @GenZ002_eg أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، ومنحت السلطات مهلة مدتها 48 ساعة للتراجع عن القرار، ملوّحة بخطوات تصعيدية في حال عدم الاستجابة. ودعت المواطنين إلى «الاستعداد للمشاركة» في الخطوات التي تعتزم اتخاذها إذا لم يتم العدول عن الزيادة.
في يناير الماضي، وبالتزامن مع ذكرى الثورة، شهدت الساحة الرقمية في مصر تفاعلًا واسعًا مع استفتاء إلكتروني أطلقه شباب من حركة "جيل زد" للمطالبة بعزل عبد الفتاح السيسي، رغم قيام السلطات بحجب الموقع بعد ساعة واحدة فقط من إطلاقه. ورغم الحجب، واصل الاستفتاء حصد مشاركات كبيرة عبر أدوات تجاوز الحظر، ليصل عدد المصوتين إلى نحو 600 ألف مواطن، في مؤشر لافت على حجم التفاعل الشعبي مع المبادرة الرقمية.
وجاء الاستفتاء، الذي أطلق مساء العاشر من يناير، في إطار ما وصفه منظموه ب«العصيان المدني الرقمي»، حيث رأى شباب الحركة أن الفضاء الإلكتروني أصبح البديل الوحيد للتعبير السياسي في ظل القيود المفروضة على الشارع. وقدّم الاستفتاء نفسه باعتباره وسيلة رمزية لإعادة تعريف الشرعية السياسية، عبر طرح ستة حقوق يعتبرها الشباب مغتصبة: الحرية، الكرامة، العدالة، التمثيل السياسي، إعلام مستقل، واقتصاد يخدم المواطنين لا المنتفعين.
وأثار قرار الحجب السريع موجة انتقادات واسعة، واعتبره كثيرون دليلًا على حساسية النظام تجاه أي شكل من أشكال التصويت الحر، حتى لو كان افتراضيًا. كما رأى مراقبون أن الحجب يعكس ذهنية أمنية تتعامل مع المبادرات السياسية بوصفها تهديدًا يجب إسكاته، بدل النظر إليها كمؤشر على غضب اجتماعي يحتاج إلى معالجة سياسية.
ورغم أن الاستفتاء لم يكن ملزمًا أو رسميًا، فإن حجبه حوّله إلى قضية رأي عام، وأعطى المبادرة زخمًا أكبر مما توقع منظموها. فقد بدا واضحًا أن الجيل الجديد لم يعد يتعامل مع السياسة بالأدوات التقليدية، بل ينتقل بين المنصات الرقمية ويبتكر أشكالًا جديدة من الضغط الشعبي تتجاوز الرقابة.
هل يمكن عزله؟
أشار تحليل نشره موقع "ذا كونفرزيشن" للباحثة ناريمان أمين إلى أنه رغم مرور 15 عامًا على الانتفاضة، فإن آثارها الاجتماعية ما زالت واضحة. فقد أعادت الثورة تشكيل علاقة جيل كامل بذاته وبالدولة وبالدين، وفتحت مسارات جديدة للفهم والاختيار لا تعتمد على اليقينيات القديمة.
وتتبعت الباحثة أثر الثورة على جيل الشباب الذين عاشوا تلك اللحظة التاريخية في مقتبل العمر، موضحة أن المصريين خرجوا في يناير 2011 من مختلف الطبقات والخلفيات مطالبين بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، متحدّين حكمًا استمر ثلاثة عقود تحت قانون الطوارئ وهيمنة الأجهزة الأمنية. ورغم الشعور غير المسبوق بالقوة والقدرة على التغيير، فإن التجربة الديمقراطية القصيرة التي تلتها كشفت عن انقسامات حادة وصراعات سياسية تركت آثارًا طويلة الأمد.
وترى الدراسة أن الوحدة التي جمعت المصريين في الأيام الأولى للثورة لم تصمد أمام تعقيدات المرحلة الانتقالية. فمع فتح المجال السياسي وبدء الانتخابات، ظهرت خلافات عميقة بين القوى المختلفة، وتراجعت الآمال التي رافقت سقوط النظام السابق أمام واقع سياسي مضطرب. ودفع هذا المسار كثيرًا من الشباب إلى إعادة التفكير في معنى الثورة وحدود السياسة ومدى قدرة الدولة على تحقيق تطلعاتهم.
جيل لا يخاف
يرى مراقبون أن الحجب لن ينجح في إيقاف الفكرة، سواء تعلق الأمر باستفتاء عزل السيسي أو بمحاولات طمس الحقائق ومنع وصول المعلومات للجمهور. بل يعزز ذلك قناعة لدى الشباب بأن النظام يخشى أي آلية تعبير جماعي، وأن صندوق الاقتراع — سواء كان حقيقيًا أو افتراضيًا — يمثل تحديًا مباشرًا لشرعيته.
كما يشير محللون إلى أن هذا الجيل لا يرث الخوف الذي عاشته أجيال سابقة، وأنه مستعد لابتكار أدوات جديدة كلما أُغلقت أمامه نافذة.
وتطرح هذه التطورات أسئلة حول مستقبل العلاقة بين الدولة والأجيال الشابة، خاصة في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية. فبينما تعتمد السلطة على أدوات المنع والحجب، يبدو أن الشباب يتحركون في اتجاه آخر، يوسّع من مساحة الفعل السياسي الرقمي، ويعيد طرح سؤال الشرعية بطرق غير تقليدية. ويرى مراقبون أن تجاهل هذه الإشارات قد يقود إلى سيناريوهات أكثر تعقيدًا في المستقبل.