قال الأكاديمي ومدير مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم في تركيا، الدكتور سامي العريان، إن "توجّه إدارة ترامب نحو تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية ستكون له تداعيات خطيرة داخل الولاياتالمتحدة وخارجها". ولفت، في حديثه الخاص لموقع "عربي21"، إلى أن "هذا التوجّه لا يُقرأ فقط في سياق ضغوط إقليمية أو حسابات سياسية آنية، بل في إطار تحوّل أيديولوجي عميق داخل الإدارة الأمريكية يعيد إحياء مناخ (الحرب على الإرهاب)، ويمهّد لمرحلة من التضييق الواسع على الحريات السياسية والأكاديمية والمؤسسات الإسلامية في داخل وخارج أمريكا". وأوضح العريان، أن "هذا التوجّه ليس جديدا تماما، لكنه اليوم يأخذ زخما غير مسبوق؛ إذ يجتمع فيه توجّه أيديولوجي معاد للإسلام السياسي يهيمن على مجلس الأمن القومي الأمريكي مع ضغوط مكثفة من دول الثورات المضادة، مثل الإمارات ومصر والسعودية، ويتقاطع ذلك مع دور فاعل للوبي الصهيوني الساعي إلى صرف الأنظار عن جرائم الإبادة في غزة وإعادة توجيه البوصلة الأمريكية نحو استهداف الحركات الإسلامية بدلا من مساءلة الاحتلال". كما أشار العريان إلى أن "هذه الخطوة تحمل بُعدا داخليا لا يقل خطورة؛ فهي جزء من محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي الأمريكي من خلال الحدّ من النفوذ المتنامي للمسلمين الأمريكيين في الجامعات والمؤسسات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، لا سيما بعد أن أفرزت حرب الإبادة في غزة حالة وعي غير مسبوقة داخل الأوساط الأكاديمية والطلابية تجاه دور اللوبي الصهيوني في رسم السياسات الأمريكية". ورأى أن "تصنيف حركة الإخوان كمنظمة إرهابية هو قرار سياسي بامتياز، يهدف إلى إعادة رسم الخريطة السياسية في المنطقة بما يخدم محور الثورات المضادة واللوبي الصهيوني، ويعزز تحالف الولاياتالمتحدة مع أنظمة استبدادية على حساب قيم الحرية وحق الشعوب في المشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة". وأكد أن "القرار ستكون له انعكاسات عميقة على الجمعيات ذات الخلفية الإسلامية بشكل عام أو الإخوانية والقريبة منها بشكل خاص، وعلى الحريات الأكاديمية والبحثية في الجامعات الأمريكية؛ إذ سيُستخدم المناخ الجديد لزيادة التضييق الأمني والإداري، وفرض قيود على التمويل والنشاط العام، وخلق حالة من الإرهاب الأكاديمي تدفع الأكاديميين والطلاب إلى الرقابة الذاتية والخوف من تناول قضايا فلسطين أو نقد السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، وهذه الأجواء ستعمّق أزمة الثقة التاريخية بين الجاليات المسلمة والأجهزة الأمنية، وتوسّع الفجوة بين المسلمين والدولة، وتحدّ من مشاركتهم المدنية والسياسية".
والاثنين، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرسوما تنفيذيا يوجّه إدارته لبدء إجراءات تصنيف فروع جماعة "الإخوان المسلمون" في بعض الدول على "قوائم الإرهاب"، منها مصر ولبنانوالأردن. وأفاد بيان للبيت الأبيض أن ترامب أوعز لوزيري الخارجية ماركو روبيو، والخزانة سكوت بيسنت، ببدء إجراءات تصنيف فروع "الإخوان المسلمون" في عدد من الدول على أنها "تنظيمات إرهابية أجنبية" و"كيانات إرهابية عالمية مُدرجة على القوائم الخاصة"، وفرض العقوبات اللازمة عليها. أو حتى لتقديم الإسلام ذاته كتهديد وجودي. وفي ظل هذا المناخ المتوتر وصعود اليمين، سيجد الكثير من المسلمين أنفسهم في بيئة أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للضغط والمراقبة، وأقل قدرة على التعبير والمشاركة في المجال العام دون خوف. وبهذا، فإن القرار مرشح لأن يوسّع الهوّة بين الجاليات المسلمة والمؤسسات الأمنية، وأن يرسخ حالة من الريبة وانعدام الثقة، ما من شأنه أن يُضعف مشاركة المسلمين المدنية والسياسية، ويعزز الشعور بأنهم مستهدفون كمجموعة وليس كأفراد منفصلين. نص الحوار مع الدكتور سامي العريان إلى أي مدى يمكن أن يؤدي هذا التصنيف إلى تعميق الانقسام داخل المجتمع الأمريكي نفسه، بين تيار يرى في ذلك ضرورة للأمن القومي، وتيار آخر يراه استهدافا للحريات الدينية والمدنية ومبادئ الدستور؟ من المؤكد أن هذا القرار سيُعمّق الانقسام داخل المجتمع الأمريكي؛ إذ ستراه فئات واسعة ضمن إطار "حماية الأمن القومي"، بينما ستعتبره فئات أخرى اعتداءً مباشرا على الحريات الدينية والمدنية، وتجاوزا لروح الدستور الأمريكي. ومع ذلك، قد لا ينعكس القرار مباشرة على اليمين المناهض للنفوذ الصهيوني، لأنه سيُقدّم في الخطاب الرسمي باعتباره يستهدف منظمات أجنبية، لا مؤسسات تعمل داخل الولاياتالمتحدة. لكن التأثير الأخطر يكمن في المناخ العام، الذي سيتجه على الأرجح نحو عداء أكبر تجاه الإسلام والمسلمين. فاليمين الأمريكي – ومعه تيارات واسعة تعارض السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط – بات ينظر بعين الريبة إلى الدور المتنامي للوبي الصهيوني، ويرى أنه يُستخدم لدفع واشنطن نحو مزيد من الصراعات في المنطقة وتغذية الخطاب العدائي ضد الإسلام داخليا. ومن هذا المنظور، سيُقرأ القرار باعتباره أداة سياسية وليست خطوة أمنية، هدفها صرف الأنظار عن جرائم الاحتلال في غزة وتحجيم النقاش حول الدور الإسرائيلي في السياسة الخارجية الأمريكية. وعليه، من المتوقع أن يولّد القرار حالة وعي نقدي متزايدة داخل اليمين الأمريكي وبين الناشطين المدنيين، الذين سيعتبرون أن ما يجري لا يمت بصلة إلى الأمن القومي، بل يخدم أجندات سياسية مرتبطة باللوبي الصهيوني، وهذا سيؤدي إلى تعميق الشرخ الداخلي بين مَن يبرّر تقييد الحريات باسم الأمن، ومَن يتمسكون بمبادئ الدستور والحقوق المدنية ويرون في السلوك الأمني محاولة لتوظيف الخوف لخدمة مصالح سياسية. هناك شريحة كبيرة داخل الولاياتالمتحدة، من اليسار واليمين معا، ترى أن هذا النوع من التصنيف السياسي – الذي لا يرتبط باستهداف أمن المواطنين ولا يمسّ الأمن القومي الأمريكي – يُمثّل اعتداءً مباشرا على الحريات الدينية والمدنية، ويتعارض مع الحقوق الدستورية الممنوحة للمواطن الأمريكي. وبالتالي، سيكون لهذا التوجّه تأثير سلبي كبير على البيئة الحقوقية والسياسية داخل البلاد. كيف ستنعكس هذه الخطوة على سياسات الولاياتالمتحدة تجاه قضايا الشرق الأوسط، وخاصة ملفات الديمقراطية والحقوق السياسية في المنطقة؟ سيترتب على هذا القرار تأثيرات سلبية واسعة على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، خصوصا فيما يتعلق بعلاقات واشنطن مع القوى السياسية ذات الخلفية الإسلامية؛ فمن المتوقع أن تتعقد قدرة الولاياتالمتحدة – أو الجهات التي تمثلها في المنطقة – على إجراء أي حوارات أو لقاءات مع الأطراف المحسوبة على التيار الإسلامي السياسي، إلا بعد موافقات عالية المستوى، وهو ما سيُدخل هذه العلاقات في مسار شديد الحساسية ومُحاط بقيود أمنية وإدارية معقدة، وهذا يعيد تشكيل شبكة العلاقات الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة بصورة غير مسبوقة. وسينعكس ذلك مباشرة على ملفات الديمقراطية والحقوق المدنية والسياسية، لأن إدارة مثل إدارة ترامب لا تُولي هذه القضايا أي اهتمام فعلي، ولا تراها جزءا من أولوياتها، بل إن سياستها تميل – على العكس – إلى دعم الأنظمة والتيارات التي تنتهك الحقوق الدستورية والمدنية وحقوق الإنسان، ما دامت هذه الأنظمة تنسجم مع التوجهات الأمريكية في ملفات الأمن والتحالفات الإقليمية. وعلى المستوى الأمني والاستخباراتي، ستتوسع دائرة الاستهداف للتيارات الإسلامية السياسية، مع ترجيح فرض قيود مشددة على التأشيرات، والاجتماعات، والاتصالات الرسمية، وحتى العلاقات الدبلوماسية أو الاستخباراتية مع القوى التي يُنظر إليها على أنها قريبة فكريا من التيار الإخواني، وهذا سيعيد تشكيل خريطة التواصل الأمريكي مع الفاعلين السياسيين في المنطقة، ويستبعد قوى لها حضور شعبي واسع، ما سيؤدي إلى مقاربة أمريكية أقل شمولية وأكثر انحيازا لطرف واحد. وبذلك، فإن الخطوة لا تقتصر تأثيراتها على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد إلى إضعاف الدور الأمريكي في دعم التحول الديمقراطي، وتعميق الانحياز إلى أنظمة الاستبداد في المنطقة، وتقليص قدرة واشنطن على التواصل مع طيف واسع من القوى السياسية التي تمثل شريحة معتبرة من المجتمعات العربية والإسلامية. أيضا كيف سينعكس القرار على علاقات الولاياتالمتحدة مع الدول التي تحتوي تيارات سياسية ذات خلفيات إخوانية أو إسلامية معتدلة؟ سيُحدث هذا القرار تعقيدا كبيرا في علاقة الولاياتالمتحدة مع الدول التي تضم تيارات سياسية إسلامية معتدلة أو ذات امتداد فكري قريب من الإخوان المسلمين؛ فهذه الحركات- خصوصا في تونس والمغرب والأردنوتركيا – لا تتبنى نهج العنف، ولم تدعُ إلى استخدام السلاح داخل مجتمعاتها أو خارجها، ما يجعل إدراجها في قوائم الإرهاب خطوة يصعب تبريرها قانونيا أو واقعيا. ولذلك، فإن أي محاولة لتصنيفها ستكون سياسية الطابع أكثر منها إجراءً أمنيا، وهدفها عزل هذه التيارات داخليا وخارجيا، وليس مواجهتها باعتبارها تهديدا أمنيا حقيقيا. أما الاستناد إلى مواقف هذه التيارات المؤيدة للمقاومة الفلسطينية أو لحركة حماس باعتبارها حركة مقاومة تستخدم السلاح ضد الاحتلال، فهو مبرر ضعيف؛ إذ إن الدعم السياسي للمقاومة موقف تشاركه العديد من الحركات حول العالم، سواء كانت إخوانية أو غير إخوانية. وبالتالي، لا يمكن لهذا الموقف أن يُشكّل أساسا قانونيا لتصنيف تلك التيارات كمنظمات إرهابية، لأن القانون يشترط قيام الحركة نفسها بعمل إرهابي أو عنفي، أو استخدامها السلاح ضد مجتمعاتها أو ضد مصالح الولاياتالمتحدة، وهو شرط لا ينطبق على التيارات الإسلامية المعتدلة في دول مثل الأردن أو تونس أو المغرب أو تركيا. أما في لبنان، فالحالة مختلفة نسبيا بسبب وجود فصيل مسلح ضمن "الجماعة الإسلامية"، وهو فصيل مرتبط بالمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ورغم إمكانية محاولة استخدام هذا الواقع كتبرير نظري، إلا أنه لا يختلف كثيرا عن مواقف حركات مقاومة أخرى كحزب الله، وحماس، والحوثيين، التي تواجه إسرائيل مباشرة. وبالتالي، يبقى التوصيف محكوما بالسياق السياسي أكثر من كونه توصيفا أمنيا محضا. وعليه، فإن تصنيف الحركات الإخوانية غير المسلحة في المنطقة لا يستند إلى معطيات ميدانية، بل هو قرار سياسي بامتياز، يُراد به إعادة تشكيل الخريطة السياسية في الشرق الأوسط بما يتوافق مع مصالح أطراف إقليمية ودولية، وليس بناءً على معايير الأمن القومي أو الوقائع على الأرض.