فيديو| معاناة أسرة من الأقزام بالغربية في استصدار شهادة ذوي الهمم.. الأب: لم نصبح عَمالقة فجأة!    رئيس شعبة المحمول: زيادة أسعار المكالمات والإنترنت لم تُقرر بعد    الكويت: حريق في مجمع القطاع النفطي بالشويخ جراء هجوم بطائرات مسيرة    «وول ستريت جورنال»: إسرائيل تستعد لهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية    إعلام إسرائيلي: صاروخ أطلق من إيران باتجاه جنوب إسرائيل    أول تعليق من مدرب برشلونة على تصرف يامال المحرج والفوز أمام أتلتيكو مدريد    محمود وفا حكمًا لمباراة المغرب وليبيا في ختام تصفيات أفريقيا للناشئين    الأرصاد تنفي تعرض مصر لعاصفة دموية: طقس الأسبوع مستقر وفرص سقوط أمطار الثلاثاء والأربعاء    تصرف غريب من كزبرة ومصطفى أبو سريع في عزاء والد حاتم صلاح    السر الكامن في الصالحين والأولياء وآل البيت    متحدث الصحة: قرار العمل عن بُعد لا ينطبق على الخدمات العلاجية    دراسة حديثة تحذر من خطر الهجرة على القلب    النائب محمد فؤاد: 365 مليار جنيه خسائر مصر السنوية من الحرب.. ونفقد مليار جنيه كل يوم    مواقيت الصلاة اليوم الأحد الموافق 5 ابريل 2026 في القاهرة والمحافظات    «تسنيم»: القوات الأمريكية تقصف مناطق يحتمل وجود طيارها المفقود فيها    دينا الصاوي تكتب: حين تجرح القلوب.. تبقى الكلمات شاهدة    تفاصيل خطيرة في الحالة الصحية للفنان عبد الرحمن أبو زهرة    محافظ المنوفية يتابع ميدانيًا تنفيذ قرار غلق المحال بشبين الكوم.. صور    الاحتلال يعتقل فلسطينيا بعد إطلاق النار على مركبته    محافظة الجيزة تزيل أكبر تعدٍ على الأراضي الزراعية بأبو النمرس بمساحة 6000 م²    السولية: تواجد اللاعبين الكبار السابقين لن يحل أزمة غرفة ملابس الأهلي    تهديد إسرائيلي باستهداف معبر المصنع على الحدود اللبنانية – السورية    لما يتجاهل ترامب مصير الطيار المفقود؟... قراءة في دلالات الصمت الأمريكي داخل مشهد حرب متصاعد    وزير الاستثمار: المستثمر المصري هو القوة الضاربة وأفضل سفير لجذب الاستثمارات الأجنبية    رئيس مركز تغير المناخ: استقرار الطقس فرصة ذهبية لإنقاذ المحاصيل وتعويض خسائر الموجة الجوية    تسنيم: أمريكا تحاول قتل طيارها المفقود ولن نعلن إن كان فى قبضتنا أم لا    سجل مميز يحفز نجم الزمالك قبل مواجهة المصري    سيميوني ينتقد التحكيم بعد الخسارة من برشلونة    الأطعمة الغنية بالبريبايوتيك والبروبيوتيك .. أسرار التغذية السليمة لدعم المناعة    أخبار × 24 ساعة.. هيئة الأرصاد تكشف موعد استقرار الجو وانتهاء العواصف الترابية    تعرف على موعد دفع أول فاتورة كهرباء بالأسعار الجديدة.. تفاصيل    نادر السيد: محمد صلاح خارج التقييم وحقق إنجازات لن تتكرر    إبراهيم حسن: عروض لحسام؟ لا نفكر سوى في منتخب مصر.. وكنا سنواجه الأرجنتين    دورتموند يفوز على شتوتجارت في الوقت القاتل بثنائية    إبحار 20 سفينة من فرنسا باتجاه قطاع غزة لكسر الحصار الاسرائيلي    ضبط 7 أشخاص لاتهامهم بقتل شخص وإصابة اثنين آخرين خلال مشاجرة بالبحيرة    جامعة القاهرة تهنئ نخبة من أساتذتها لاختيارهم في تشكيل لجان المجلس الأعلى للثقافة 2026    مهرجان المسرح العالمي يكرم دنيا سامي وأحمد عزمي وعمر رزيق    وزير التعليم الأسبق: الذكاء الاصطناعي قمة الهرم التكنولوجي في مصر    وزير الصحة يتفقد مستشفى بولاق الدكرور وأبو العلا بطاقة استيعابية تتجاوز 400 سرير    عاجل| أول تعليق رسمي للأرصاد بشأن حقيقة "العاصفة الدموية" وحالة الطقس الأيام المقبلة    قنابل مركونة ...السيارات المهجورة فى الشوارع.. تلوث بصرى وتهديد أمنى    محافظ المنوفية يوجه بتشكيل لجنة لمواجهة ظاهرة كلاب الشوارع وحماية المواطنين    مستشار بوتين السابق: ترامب يخسر في الحرب على إيران وطهران تحقق مكاسب واضحة    وزير التعليم الأسبق يحذر من ترك الأطفال أمام الشاشات من أجل راحة الآباء    بجوار زوجها المريض.. تفاصيل تجديد إقامة ابنة شقيقة صباح بالقاهرة    براءة عصام صاصا من قضية مشاجرة الملهى الليلي    نوال مصطفى تكتب : صباح الأحد    نظر محاكمة 15 متهما بقضية خلية مدينة نصر.. خلال ساعات    أذكار النوم.. "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور"    هل يجب الأذان لصلاة الجماعة في البيت؟.. أمين الفتوى يجيب فيديو    صحة الإسكندرية: توقيع الكشف الطبى على 2315 مريضا فى قوافل طبية مجانية    مستقبل وطن يبحث تكثيف التوعية لمواجهة الشائعات وتعزيز العمل الجماعي    نشأة التقويم الهجرى الإسلامى    ورشة وطنية لتعزيز تشغيل المحطات النووية في الضبعة    عاجل| الأحد 12 إبريل إجازة رسمية لهؤلاء    دار الإفتاء: ترشيد استهلاك الكهرباء واجب وطني وديني    لايف كوتش: التربية الحديثة تهدف لتمكين الأبناء واتخاذ قرارات واعية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التخلي عن السلاح ووقف الحرب والبديهيات المغيّبة

أثار تقديم الوسيط المصري عرضا للمقاومة الفلسطينية لوقف إطلاق النار يتطرق لفكرة تخليها عن السلاح جدلا واسعا، ليس فقط لأن الأمر يطرح لأول مرة بهذا الشكل في سياق المفاوضات، ولكن أيضا لأنه أتى من الوسيط المصري مباشرة، على ما ادعى مسؤولون في دولة الاحتلال ونفاه مصريا رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ضياء رشوان، وليس مسؤولا رفيع المستوى.

كما دائما، تزامنت مع هذا العرض المستهجن حملة مكثفة ضد المقاومة، وتحديدا حركة حماس ضمن مساعي الضغط عليها وتحميلها مرة أخرى مسؤولية الدماء المهراقة؛ من زاوية أن العرض المقدّم هو الفرصة الأخيرة لوقف الحرب، وهي حملة شارك فيها، كالعادة، مسؤولون "إسرائيليون" ووسائل إعلام عربية، ونشطاء على وسائل التواصل يدورون في فلك الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

فهل العرض فعلا منطقي وواقعي؟ وهل هو قادر فعلا على وقف إطلاق النار؟

في المقام الأول، وبافتراض أننا تخطينا مسألة كون دول عربية وسيطا بين أشقائها وقاتليهم، فإن العرض الأخير يشكل خروجا تاما عن نسق المفاوضات التي بدأت مع الحرب باتجاه مواضيع خارج إطار التفاوض، ما يعني تأزيم المسار لا تسهيله. كما أن طرح مسألة تعدُّ من المحرمات مثل سلاح المقاومة، هو شرط تعجيزي لا يصدر عمن يريد الوصول لاتفاق.

سؤال وجيه وجوهري يرتبط بضمانات وقف إطلاق النار، في حال قبلت المقاومة الفلسطينية نقاش مسألة السلاح. وما زال سلوك الاحتلال بعد الاتفاق الأول شاهدا، من عدم الالتزام لإعاقة البروتوكول الإنساني، إلى عدم الدخول في مفاوضات المرحلة الثانية، فضلا عن تأكيد مسؤولين، على رأسهم نتنياهو، نيّة حكومة الاحتلال استئناف الحرب بعد حصولها على الأسرى.


ثم سيكون هناك سؤال وجيه وجوهري يرتبط بضمانات وقف إطلاق النار، في حال قبلت المقاومة الفلسطينية نقاش مسألة السلاح. وما زال سلوك الاحتلال بعد الاتفاق الأول شاهدا، من عدم الالتزام لإعاقة البروتوكول الإنساني، إلى عدم الدخول في مفاوضات المرحلة الثانية، فضلا عن تأكيد مسؤولين، على رأسهم نتنياهو، نيّة حكومة الاحتلال استئناف الحرب بعد حصولها على الأسرى.

وإذا كان هذا أداء الاحتلال في الحرب الحالية، فإن تاريخه حافل بنقض الاتفاقات والتنصل من الالتزامات، وفي خصوصية السلاح تحديدا، ما زال التاريخ شاهدا على مجزرة صبرا وشاتيلا التي خططت لها ونفذتها وشكلت غطاء لها قواتُ الاحتلال مع اليمين الانعزالي اللبناني، بعد خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان بعد التفاهمات التي أبرمها المبعوث الأمريكي فيليب حبيب في 1982.

وبافتراض تجاوز كل ذلك، على صعوبته، ما هي المعايير العملية لمنطق "تسليم السلاح"؟ وما هو المقصود بالسلاح الذي يُطلب من الفلسطينيين تسليمه، وهم لا يملكون طائرات ولا سفنا ولا دبابات ولا أيا من أنواع السلاح الثقيل بل والمتوسط، وجلُّ ما بيدهم يدرج ضمن السلاح الفردي؟ وعليه، من الذي سيضمن إقرار "إسرائيل" في أي مرحلة من المراحل بأن الفلسطينيين قد سلموا فعلا ما لديهم من سلاح، وهي صاحبة السجل التفاوضي المعروف منذ ما قبل أوسلو وبعده وحتى اليوم؟!!

لذا، بالعودة لمنطق حملات الضغط والبروباغندا ضد المقاومة الفلسطينية، كيف يمكن تحميل الأخيرة مسؤولية عدم وقف الحرب واستمرار الاعتداءات "الإسرائيلية" بسبب رفضها إلقاء السلاح وخروج قيادات المقاومة لخارج غزة، وغير ذلك من الشروط التعجيزية التي قد يطرحها الاحتلال لاحقا، كما رفع مرارا سقف الشروط بعد التوصل لتفاهمات خلال هذه الحرب؟

يعيدنا ذلك إلى منطق تحميل المقاومة الفلسطينية مسؤولية الإبادة الحاصلة؛ لأنها نفذت عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ابتداء، وكأن الإبادة رد فعل منطقي ومتوقع على العملية، أو كأن كل ما مارسته "إسرائيل" حتى اللحظة سببه العملية وفقط!!


لقد اجتاحت "إسرائيل" لبنان في 1982 بذريعة "محاولة اغتيال" سفيرها في لندن شلومو أرغوف، وشنت حربها على لبنان عام 2006 بعد أسر حزب الله جنديين "إسرائيليين"، أي إنها شنت أكبر عدوانين لها على لبنان في حين لم تسفك نقطة دم واحدة من طرفها!!

أكثر من ذلك، فقد عمّقت دولة الاحتلال حربها على لبنان في الحرب الحالية رغم التزام حزب الله، خطابا وفعلا، بجبهة إسناد لم تكسر التوازن أو المعادلات القائمة، فضلا عن أن تهددها بشكل جذري، كما شنت أكبر عملية في تاريخها ضد سوريا بعد سقوط نظام الأسد، رغم أن القيادة الجديدة ليست في وارد الدخول معها في صراع من أي شكل حاليا، ورغم تأكيداتها المتكررة بهذا الخصوص، فضلا عن حربها المفتوحة في الضفة الغربية المحتلة التي لا تمتلك أي أسلحة كاسرة للتوازن.

ما حال دون إبادة كاملة وتهجير شامل حتى اللحظة، ليس إنسانية الاحتلال ولا عجزه ولا الضغط الدولي عليه، وإنما أوراق القوة النسبية القليلة المتوافرة في يد المقاومة، وهي: سلاحها والأسرى وصمود حاضنتها الشعبية في القطاع والتفافها حولها. وهذا ما يضغط الاحتلالُ وحلفاؤه والمتعاونون معه عليه بكل قوة في الآونة الأخيرة.


بكلام آخر، لقد شنت "إسرائيل" دائما حروبها الأوسع والأكبر والأكثر فتكا وسفكا للدماء وفق أجندتها الذاتية وخططها المسبقة، وإن تذرعت أحيانا بخطوة هنا أو عملية هناك، وهو ما أكدته تصريحات سموتريتش وبن غفير بخصوص الضفة خلال الحرب، وتصريحات نتنياهو في الأمم المتحدة قبلها. فكيف يستقيم لأي تحليل رصين وتقييم موضوعي، أن يجزم بأن حرب الإبادة "الإسرائيلية" ضد غزة سببها -وليس ذريعتها- عملية السابع من أكتوبر، وأنها لم تكن لتكون في توقيت آخر وسياق مختلف بذريعة أخرى؟ ومن ثم كيف يستقيم إذن تحميل الفلسطينيين مسؤولية الجرائم التي ترتكب ضدهم؟ فضلا عما في ذلك من "تطبيع" للإبادة وتبرير أفعال الاحتلال، ضمنا لا صراحة طبعا.

جزء مما يدفع البعض لسوء التقدير في السياق الحالي، هو إغفالهم أن "إسرائيل" قد تغيرت جذريا. أيَّدْتَ عملية طوفان الأقصى أم عارضْتَها، أحببتَ حماس أم كرهْتَها، لا ينبغي عليك أن تغفل أن هذه الحرب قد غيرت كل شيء، ووضعت دولة الاحتلال والقضية الفلسطينية والمنطقة برمتها في سياق مختلف تماما، لم تعد تصلح له ومعه التقييمات السابقة على الحرب.

الكل يدعو لوقف الحرب "بأي ثمن"، والمقاومة ليست استثناء في ذلك، فهي أيضا تريد وقف العدوان بأي ثمن، لكن المهم والمؤثر هنا هو "وقف العدوان" أكثر من "الثمن"؛ لأن الأثمان المقترحة غير قادرة على وقف الحرب. فالعوامل والتطورات التي يمكن لها أن توقف الحرب أو تساهم في ذلك، ما زالت على حالها منذ بداية الحرب، وهي تعرُّض "إسرائيل" لخسائر كبيرة تدفع لقرار وقف الحرب من المستوى السياسي أو المؤسسة العسكرية، أو بسبب الضغوط الشعبية الداخلية، أو موقف عربي– إسلامي حقيقي ضد الإبادة ومع وقف الحرب وإدخال المساعدات، أو قرار أمريكي بوقف الحرب. وأي من هذه العوامل لم يحدث حتى اللحظة بالدرجة المؤثرة المنشودة.

أما أي مرونة وتنازلات فلسطينية، فلم تؤد حتى اللحظة لتغير جوهري في موقف الاحتلال، بل لعلها أدت إلى تصلب موقفه باتجاه استمرار الحرب، وقد استشهد نتنياهو سابقا بكتابات ومناشدات على وسائل التواصل، عدَّها مؤشرا على ضعف المقاومة و/أو الشعب، فدعا لتكثيف الحرب ومواصلة الضغط، وليس العكس.

وعليه، ينبغي تركيز جهود من يريد وقف الحرب، فعلا وحقا لا مناكفة واستغلالا، على ما يمكن أن يوقفها.

إن ما حال دون إبادة كاملة وتهجير شامل حتى اللحظة، ليس إنسانية الاحتلال ولا عجزه ولا الضغط الدولي عليه، وإنما أوراق القوة النسبية القليلة المتوافرة في يد المقاومة، وهي: سلاحها والأسرى وصمود حاضنتها الشعبية في القطاع والتفافها حولها. وهذا ما يضغط الاحتلالُ وحلفاؤه والمتعاونون معه عليه بكل قوة في الآونة الأخيرة: السلاح والأسرى والجبهة الداخلية في غزة، بينما ينبغي لأي مخلص وجادٍّ في حرصه على دماء الناس وحريتهم وقضيتهم، أن يعزز أوراق القوة هذه، وأن يضغط على المعتدي لا الضحية.

يدرك الجميع أن المقاومة لن تسلم سلاحها، وأن الشعب نفسه لن يرضى بذلك، ومن ثم، فوقف العدوان لا يتأتى بهذه الطريقة، وإنما بإلزام الاحتلال بما اتفق عليه، ولجْمِهِ عن العدوان بكل السبل المتاحة وهي كثيرة بالمناسبة، لمن صدق.
التخلي عن السلاح ووقف الحرب والبديهيات المغيّبة

أثار تقديم الوسيط المصري عرضا للمقاومة الفلسطينية لوقف إطلاق النار يتطرق لفكرة تخليها عن السلاح جدلا واسعا، ليس فقط لأن الأمر يطرح لأول مرة بهذا الشكل في سياق المفاوضات، ولكن أيضا لأنه أتى من الوسيط المصري مباشرة، على ما ادعى مسؤولون في دولة الاحتلال ونفاه مصريا رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ضياء رشوان، وليس مسؤولا رفيع المستوى.

كما دائما، تزامنت مع هذا العرض المستهجن حملة مكثفة ضد المقاومة، وتحديدا حركة حماس ضمن مساعي الضغط عليها وتحميلها مرة أخرى مسؤولية الدماء المهراقة؛ من زاوية أن العرض المقدّم هو الفرصة الأخيرة لوقف الحرب، وهي حملة شارك فيها، كالعادة، مسؤولون "إسرائيليون" ووسائل إعلام عربية، ونشطاء على وسائل التواصل يدورون في فلك الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

فهل العرض فعلا منطقي وواقعي؟ وهل هو قادر فعلا على وقف إطلاق النار؟

في المقام الأول، وبافتراض أننا تخطينا مسألة كون دول عربية وسيطا بين أشقائها وقاتليهم، فإن العرض الأخير يشكل خروجا تاما عن نسق المفاوضات التي بدأت مع الحرب باتجاه مواضيع خارج إطار التفاوض، ما يعني تأزيم المسار لا تسهيله. كما أن طرح مسألة تعدُّ من المحرمات مثل سلاح المقاومة، هو شرط تعجيزي لا يصدر عمن يريد الوصول لاتفاق.

سؤال وجيه وجوهري يرتبط بضمانات وقف إطلاق النار، في حال قبلت المقاومة الفلسطينية نقاش مسألة السلاح. وما زال سلوك الاحتلال بعد الاتفاق الأول شاهدا، من عدم الالتزام لإعاقة البروتوكول الإنساني، إلى عدم الدخول في مفاوضات المرحلة الثانية، فضلا عن تأكيد مسؤولين، على رأسهم نتنياهو، نيّة حكومة الاحتلال استئناف الحرب بعد حصولها على الأسرى.


ثم سيكون هناك سؤال وجيه وجوهري يرتبط بضمانات وقف إطلاق النار، في حال قبلت المقاومة الفلسطينية نقاش مسألة السلاح. وما زال سلوك الاحتلال بعد الاتفاق الأول شاهدا، من عدم الالتزام لإعاقة البروتوكول الإنساني، إلى عدم الدخول في مفاوضات المرحلة الثانية، فضلا عن تأكيد مسؤولين، على رأسهم نتنياهو، نيّة حكومة الاحتلال استئناف الحرب بعد حصولها على الأسرى.

وإذا كان هذا أداء الاحتلال في الحرب الحالية، فإن تاريخه حافل بنقض الاتفاقات والتنصل من الالتزامات، وفي خصوصية السلاح تحديدا، ما زال التاريخ شاهدا على مجزرة صبرا وشاتيلا التي خططت لها ونفذتها وشكلت غطاء لها قواتُ الاحتلال مع اليمين الانعزالي اللبناني، بعد خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان بعد التفاهمات التي أبرمها المبعوث الأمريكي فيليب حبيب في 1982.

وبافتراض تجاوز كل ذلك، على صعوبته، ما هي المعايير العملية لمنطق "تسليم السلاح"؟ وما هو المقصود بالسلاح الذي يُطلب من الفلسطينيين تسليمه، وهم لا يملكون طائرات ولا سفنا ولا دبابات ولا أيا من أنواع السلاح الثقيل بل والمتوسط، وجلُّ ما بيدهم يدرج ضمن السلاح الفردي؟ وعليه، من الذي سيضمن إقرار "إسرائيل" في أي مرحلة من المراحل بأن الفلسطينيين قد سلموا فعلا ما لديهم من سلاح، وهي صاحبة السجل التفاوضي المعروف منذ ما قبل أوسلو وبعده وحتى اليوم؟!!

لذا، بالعودة لمنطق حملات الضغط والبروباغندا ضد المقاومة الفلسطينية، كيف يمكن تحميل الأخيرة مسؤولية عدم وقف الحرب واستمرار الاعتداءات "الإسرائيلية" بسبب رفضها إلقاء السلاح وخروج قيادات المقاومة لخارج غزة، وغير ذلك من الشروط التعجيزية التي قد يطرحها الاحتلال لاحقا، كما رفع مرارا سقف الشروط بعد التوصل لتفاهمات خلال هذه الحرب؟

يعيدنا ذلك إلى منطق تحميل المقاومة الفلسطينية مسؤولية الإبادة الحاصلة؛ لأنها نفذت عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ابتداء، وكأن الإبادة رد فعل منطقي ومتوقع على العملية، أو كأن كل ما مارسته "إسرائيل" حتى اللحظة سببه العملية وفقط!!


لقد اجتاحت "إسرائيل" لبنان في 1982 بذريعة "محاولة اغتيال" سفيرها في لندن شلومو أرغوف، وشنت حربها على لبنان عام 2006 بعد أسر حزب الله جنديين "إسرائيليين"، أي إنها شنت أكبر عدوانين لها على لبنان في حين لم تسفك نقطة دم واحدة من طرفها!!

أكثر من ذلك، فقد عمّقت دولة الاحتلال حربها على لبنان في الحرب الحالية رغم التزام حزب الله، خطابا وفعلا، بجبهة إسناد لم تكسر التوازن أو المعادلات القائمة، فضلا عن أن تهددها بشكل جذري، كما شنت أكبر عملية في تاريخها ضد سوريا بعد سقوط نظام الأسد، رغم أن القيادة الجديدة ليست في وارد الدخول معها في صراع من أي شكل حاليا، ورغم تأكيداتها المتكررة بهذا الخصوص، فضلا عن حربها المفتوحة في الضفة الغربية المحتلة التي لا تمتلك أي أسلحة كاسرة للتوازن.

ما حال دون إبادة كاملة وتهجير شامل حتى اللحظة، ليس إنسانية الاحتلال ولا عجزه ولا الضغط الدولي عليه، وإنما أوراق القوة النسبية القليلة المتوافرة في يد المقاومة، وهي: سلاحها والأسرى وصمود حاضنتها الشعبية في القطاع والتفافها حولها. وهذا ما يضغط الاحتلالُ وحلفاؤه والمتعاونون معه عليه بكل قوة في الآونة الأخيرة.


بكلام آخر، لقد شنت "إسرائيل" دائما حروبها الأوسع والأكبر والأكثر فتكا وسفكا للدماء وفق أجندتها الذاتية وخططها المسبقة، وإن تذرعت أحيانا بخطوة هنا أو عملية هناك، وهو ما أكدته تصريحات سموتريتش وبن غفير بخصوص الضفة خلال الحرب، وتصريحات نتنياهو في الأمم المتحدة قبلها. فكيف يستقيم لأي تحليل رصين وتقييم موضوعي، أن يجزم بأن حرب الإبادة "الإسرائيلية" ضد غزة سببها -وليس ذريعتها- عملية السابع من أكتوبر، وأنها لم تكن لتكون في توقيت آخر وسياق مختلف بذريعة أخرى؟ ومن ثم كيف يستقيم إذن تحميل الفلسطينيين مسؤولية الجرائم التي ترتكب ضدهم؟ فضلا عما في ذلك من "تطبيع" للإبادة وتبرير أفعال الاحتلال، ضمنا لا صراحة طبعا.

جزء مما يدفع البعض لسوء التقدير في السياق الحالي، هو إغفالهم أن "إسرائيل" قد تغيرت جذريا. أيَّدْتَ عملية طوفان الأقصى أم عارضْتَها، أحببتَ حماس أم كرهْتَها، لا ينبغي عليك أن تغفل أن هذه الحرب قد غيرت كل شيء، ووضعت دولة الاحتلال والقضية الفلسطينية والمنطقة برمتها في سياق مختلف تماما، لم تعد تصلح له ومعه التقييمات السابقة على الحرب.

الكل يدعو لوقف الحرب "بأي ثمن"، والمقاومة ليست استثناء في ذلك، فهي أيضا تريد وقف العدوان بأي ثمن، لكن المهم والمؤثر هنا هو "وقف العدوان" أكثر من "الثمن"؛ لأن الأثمان المقترحة غير قادرة على وقف الحرب. فالعوامل والتطورات التي يمكن لها أن توقف الحرب أو تساهم في ذلك، ما زالت على حالها منذ بداية الحرب، وهي تعرُّض "إسرائيل" لخسائر كبيرة تدفع لقرار وقف الحرب من المستوى السياسي أو المؤسسة العسكرية، أو بسبب الضغوط الشعبية الداخلية، أو موقف عربي– إسلامي حقيقي ضد الإبادة ومع وقف الحرب وإدخال المساعدات، أو قرار أمريكي بوقف الحرب. وأي من هذه العوامل لم يحدث حتى اللحظة بالدرجة المؤثرة المنشودة.

أما أي مرونة وتنازلات فلسطينية، فلم تؤد حتى اللحظة لتغير جوهري في موقف الاحتلال، بل لعلها أدت إلى تصلب موقفه باتجاه استمرار الحرب، وقد استشهد نتنياهو سابقا بكتابات ومناشدات على وسائل التواصل، عدَّها مؤشرا على ضعف المقاومة و/أو الشعب، فدعا لتكثيف الحرب ومواصلة الضغط، وليس العكس.

وعليه، ينبغي تركيز جهود من يريد وقف الحرب، فعلا وحقا لا مناكفة واستغلالا، على ما يمكن أن يوقفها.

إن ما حال دون إبادة كاملة وتهجير شامل حتى اللحظة، ليس إنسانية الاحتلال ولا عجزه ولا الضغط الدولي عليه، وإنما أوراق القوة النسبية القليلة المتوافرة في يد المقاومة، وهي: سلاحها والأسرى وصمود حاضنتها الشعبية في القطاع والتفافها حولها. وهذا ما يضغط الاحتلالُ وحلفاؤه والمتعاونون معه عليه بكل قوة في الآونة الأخيرة: السلاح والأسرى والجبهة الداخلية في غزة، بينما ينبغي لأي مخلص وجادٍّ في حرصه على دماء الناس وحريتهم وقضيتهم، أن يعزز أوراق القوة هذه، وأن يضغط على المعتدي لا الضحية.

يدرك الجميع أن المقاومة لن تسلم سلاحها، وأن الشعب نفسه لن يرضى بذلك، ومن ثم، فوقف العدوان لا يتأتى بهذه الطريقة، وإنما بإلزام الاحتلال بما اتفق عليه، ولجْمِهِ عن العدوان بكل السبل المتاحة وهي كثيرة بالمناسبة، لمن صدق.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.