خلال شهر يونيو الماضي (2023م)، استضاف برنامج "المقابلة" الذي يبث على قناة "الجزيرة مباشر" المؤرخ والأكاديمي المصري الدكتور خالد فهمي، في حلقتين (18 و25 يونيو) للتعليق على ذكرى العشرية السوداء للانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال عبدالفتاح السيسي في 3 يوليو 2013م؛ حيث يرى أن ثورة يناير 2011م، فاجأت الجميع. مؤكدا أن الجيش تدارك الأوضاع، وأطاح برأس النظام (حسني مبارك) للتخلص من فكرة التوريث، مع العمل بالتوازي على لجم الحراك الشعبي. الأكاديمي المصري الذي كلف برئاسة لجنة توثيق الثورة المصرية سنة 2011م، في تفسيره لما جرى خلال (العشرية السوداء) يرى أن «التخوف من الناس موجود في جينات الدولة المصرية الحديثة»، ويضيف أنه «منذ يوليو 1952 التي يصفها بالثورة وتأسيس الجمهورية كانت هناك محاولات لعزل الجمهورية عن الجمهور». وينتقد هذه الفلسفة ويعتبر أن مأساة الجمهوريات العربية أنها جمهوريات مبنية على فكر شعبوي، ولكن الشعب غير موجود فيها! ويضرب الأكاديمي المصري ذو الخلفية العلمانية مثلا بالرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر الذي كان محبوبا من الناس حسب فهمي رغم أنه لم يكن يثق بالشعب ولا يطمئن إلى تنظيم الشعب نفسه في تكتلات ونقابات وأحزاب وجمعيات، بل إن عبدالناصر جرف كل التنظيمات التي كانت موجودة في فترة الليبرالية الملكية من جامعات ونقابات وأحزاب وصحافة، ويعزو أسباب فشل الثورة المصرية إلى عمليات التجريف التي قام بها نظام يوليو؛ فحين وصل الناس إلى 2011 لم يكن الشعب يمتلك الثقافة والوعي والمهارات التي تمكنه من بناء تحالفات قادرة على تمكين الثورة. وينتقد فهمي القوى السياسية المصرية إبان الثورة؛ فالإخوان حسب فهمي صاحب التوجه العلماني حركة إسلامية وليست مصرية ولم تسع إلى إقامة تحالف موسع من باقي القوى والأحزاب، بينما القوى العلمانية لم تملك الجرأة لمنازلة الإخوان سياسيا فلجأت إلى أحضان الدولة وارتمت تحت جناح الجيش.
البنية الاستبدادية للدولة المصرية في الحلقة الثانية يعزو الأكاديمي المصري أسباب تجريف الحياة السياسية المصرية إلى البنية الاستبدادية التي تأسست عليها الدولة المصرية الحديثة منذ عهد محمد علي باشا؛ مشككا في أن يكون الباشا الذي يوصف بأنه مؤسس الدولة المصرية الحديثة قد جاء بمشروع لبناء الدولة؛ موجها نقدا لاذعا إلى مشروعه ونواياه تجاه المصريين. فهمي الذي ألف كتاب «كل رجال الباشا محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة"- قراءة مختلفة لتاريخ تأسيس الدولة المصرية الحديثة»، يعترف بأن تأسيس محمد علي وخلفائه من بعده للدولة المصرية كان إنجازا ضخما لكنه يتساءل عن كيفية ووقت تأسيسها، والتكلفة التي أسست بها هذه الدولة، وعن الطرف الذي دفع الثمن، مؤكدا أنه يشكك في مقولة "إن محمد علي جاء بمشروع"، وأن مشروعه كان لتأسيس حكم أسري. يقول فهمي إن محمد علي الذي ولد في مدينة "قولة" باليونان -وكانت إقليما عثمانيا- جاء إلى مصر في مارس 1801، مع حامية عثمانية قوامها 4 آلاف جندي بغرض طرد الفرنسيين من مصر، وكان ضابطا غير نظامي، ولم يكن يتحدث اللغة العربية بل إنه كان أميا، ولم يكن له كفيل في الدولة العثمانية، ولم يكن من الأشراف. مشيرا إلى أن محمد علي تولى السلطة في مايو 1805 بعد رحيل الفرنسيين والبريطانيين الذين ساعدوا الجيش العثماني في طرد الفرنسيين، ولم يكن الشارع مصدر شرعيته الحقيقي بل كان الفرمان العثماني. أما مصدر قوته فكانت الحامية الألبانية التي جاءت معه إلى مصر. ويؤكد المؤرخ المصري أن محمد علي تولى السلطة كحاكم عثماني، لكنه كان مدركا اختلافه عن الحكام العثمانيين السابقين، وهو ما أسس لهاجس عميق شكل مفتاح شخصيته. ويضيف فهمي أن الباشا في العقد الأول والثاني من حكمه، حقق إنجازات غير مسبوقة، مثل تغيير نظام ملكية الأرض واستحداث زراعة القطن واحتكار كل المحصولات الزراعية وإعادة النظام الضريبي بشكل عام. غير أن الإنجازات التي حققها محمد علي لم تعد بالنفع على المجتمع المصري، وخاصة الفلاحين الذين يشكلون أغلبيته، ويؤكد فهمي أن عمال المصانع مثلا كانوا يعاملون كعبيد، حيث يربطون بسلاسل في الآلات، بالإضافة إلى أن المجتمع المصري كان يحكمه نظام بوليسي صارم، ونخبة شكلها محمد علي تتكون من أعضاء أسرته ومعارفه وطبقات أخرى لا يوجد فيها مصريون. ورغم إقراره بأن محمد علي نجح في تأسيس آلة عسكرية جبارة حققت انتصارات، يقول فهمي إن الجهاز الإداري والدولة التي أسسها لم تكن قادرة على الاحتفاظ بالأراضي التي احتلتها جيوشه. وبقي الوضع حتى أجبره الأوروبيين على التوقيع على اتفاقية لندن 1840م والتي قوضت مشروع الباشا وحجمت من توسعه؛ حتى تنازل الباشا عن الحكم عام 1848 لأسباب صحية، وتوفي عام 1849م.
تهميش المصريين وينتقد المؤرخ والأكاديمي المصري كذلك التهميش المتعمد للمصريين من جانب محمد علي وخلفائه من بعده؛ فالباشا لم يراهن على المصريين وجعلهم خاضعين للدولة التي أسسها، بل إنه كان يحتقرهم، في مقابل اعتماده على مستجلبين من الخارج، مثل الألبان والأتراك والأوروبيين وغيرهم. ولم تتم ترقية المصريين إلى مناصب قيادية في الجيش إلا بعد أن حكم سعيد، ابن محمد علي باشا. وحين نصل إلى عهد الخديوي توفيق الذي استعان بالإنجليز ضد المطالب الشعبية بالحرية، يرى فهمي أن ثورة عرابي كانت نتيجة حتمية لسخط الشعب المصري ضد تهميشه واعتراضه على سياسة عزله ومنعه من تولي المناصب القيادية في الدولة المصرية. يشار إلى أن خالد فهمي هو مؤرخ وأكاديمي مصري ولد في القاهرة عام 1965، ونال شهادة البكالوريوس في الاقتصاد ثم نال الماجستير في العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، لينتقل بعدها إلى جامعة أوكسفورد لدراسة التاريخ، حيث تحصل على درجة الدكتوراه عام 1993، كما تنقل أستاذا ومعلما بين عدد من الجامعات العالمية، وعاد بالتزامن مع أحداث الثورة المصرية. ويعد فهمي واحدا من أهم المؤرخين المصريين وله عدة كتب من بينها: "كل رجال الباشا" وكتاب "السعي للعدالة: القانون والطب الشرعي في مصر الحديثة".