زار رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي المملكة العربية السعودية الثلاثاء 08 مارس 2022، يرافقه وفد رفيع المستوى ضم كلا من وزير خارجية الانقلاب سامح شكري، ورئيس ديوان رئاسة الانقلاب اللواء أحمد محمد علي، ورئيس جهاز المخابرات اللواء عباس كامل، ومدير مكتب السيسي اللواء محسن علي، ورئيس الحرس الجمهوري اللواء مصطفى شوكت. كان في استقبال السيسي والوفد المرافق له ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ونائب أمير منطقة الرياض الأمير محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز. فما أسباب الزيارة؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ تصريحات المتحدث باسم الرئاسة فضفاضة تخفي أكثر مما تكشف، حيث أشار إلى أن هدف الزيارة (التي تستغرق ساعات بحسب وسائل إعلام عربية) هو تعميق العلاقات الثنائية والتعاون على جميع الأصعدة، فضلاً عن التشاور والتنسيق حول مختلف القضايا والأزمات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك خلال المرحلة الراهنة، والتي تتطلب تضافر الجهود من أجل حماية الأمن القومي العربي. بعيدا عن هذا الكلام المنمق، فإن الزيارة تأتي في سياق دولي ملتهب في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا بدءا من الخميس 24 فبراير 2022، وما ترتب على ذلك من ارتفاع النفط إلى مستويات غير مسبوقة حيث ارتفع إلى خلال اليومين الماضيين بمقدار نحو 12 دولارا ليصل إلى نحو 132 دولارا للبرميل، وهي الزيادة التي سترهق الموازنة المصرية على نحو كبير؛ فكل دولار زيادة في أسعار النفط تكلف الموازنة 2.5 مليار جنيه، فإذا علمنا أن أسعار النفط في الموازنة العامة للعام الحالي (2021/2022) مقدرة بنحو 60 دولارا للبرميل فإن ذلك يعني أن سعر البرميل ارتفع بنحو 72 دولارا وهو ما يكلف الخزانة العامة للدولة نحو 200 مليار جنيه. علاوة على ذلك فإن أسعار الحبوب الغذائية وعلى رأسها القمح ارتفعت إلى مستويات جنونية تكاد تلامس ال400 دولارا للطن رغم أن تقدير الموازنة له نحو 250 دولارا فقط. لهذه الأسباب فإن السبب على الأرجح هو مزيد من التسول والبحث عن دعم سعودي في ظل هذه الأوضاع المتردية على المستوى الاقتصادي وأزمة السيولة الدولارية التي تمر بها مصر في ظل هروب الأموال الساخنة في أعقاب الغزو الروسي حيث كشفت وكالة رويترز أن نحو 3 مليارات دولار من الأموال الساخنة فرت من مصر في أعقاب الحرب مباشرة. ويتعين الوضع في الاعتبار أن زيارة السيسي للرياض تأتي بعد زيارة مماثلة لأبو ظبي في 26 يناير الماضي (2022)، ثم زيارة تالية للكويت في 22 فبراير 2022، وهذه الدول (السعودية الإماراتالكويت) هي التي دعمت انقلاب السيسي على المسار الديمقراطي وقدمت له منحا ومساعدات تقدر بعشرات المليارات من الدولارات من أجل تثبت أركان الحكم العسكري في مصر وإجهاض أي أمل في نظام ديمقراطي حقيقي. وكان موقع "مدى مصر" قد كشف في تقرير له في يناير الماضي أن زيارة السيسي للإمارات تأتي ضمن عدد من الزيارات يتم ترتيبها لعدد من العواصم الخليجية خلال الأسابيع القادمة، قد تثمر عن اتفاقات تعاون مالي مباشر. لكن، حتى الآن، لا توجد ملامح واضحة لهذه الاتفاقات. وحتى تتضح هذه الملامح، يظل الوضع الراهن كما هو. الوضع الآن هو أن إجمالي الودائع الخليجية انخفض بقيمة 2.2 مليار دولار في نهاية السنة المالية الأخيرة عن السنة التي سبقتها. وفي المقابل، تحتاج الحكومة بصورة مستمرة لسيولة من الدولارات لتغطية واردات منها ما يتعلق بإمدادات الغذاء الرئيسية مثل الأرز والزيت، وضمان استقرار المخزون الآمن من السلع الغذائية الرئيسية التي ارتفعت أسعار بعضها في السوق الدولية لأسباب متنوعة، من بينها تأثر خطوط الإمداد بفعل الوباء، وتأثر بعض المحاصيل بسبب التغير المناخي وأخيرا بفعل تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا. يتعين التنويه أيضا إلى أن بعض الديون المصرية جاءت من دول الخليج (على رأسها السعودية والإمارات)، حصلت عليها الحكومة في صورة ودائع قبل سنوات. بلغ إجمالي ودائع الخليج 15 مليار دولار (حوالي 11% من إجمالي الدين الخارجي المصري) بنهاية العام المالي الماضي 2020/ 2021م. تبلغ قيمة الوديعة السعودية 5.3 مليار دولار، و5.7 مليار قيمة الوديعة الإماراتية. لكن، الأمر لم يعد سهلًا مثلما كان. فقبل شهور، طلبت مصر من الإمارات والسعودية ودائع جديدة. لكن الإمارات رفضت تقديم وديعة جديدة، مكتفية بالوديعة القديمة. بينما طلبت السعودية أن تسدد القاهرة ثلاثة مليارات منها، على أن تعيد السعودية تحويلها لمصر في صورة وديعة جديدة. وهو ما جرى بالفعل في أكتوبر 2021م، وتمديد المتبقي كوديعة سابقة قيمتها 2.3 مليار دولار. وتنقل صحيفة "العربي الجديد" عن مصادر مطلعة أن السيسي يعوّل كثيراً على الجانب السعودي في الحصول على حزمة مساعدات اقتصادية، وشحنات إضافية من البترول السعودي، لتأمين احتياجات السوق المصري، في ظل الارتفاع غير المسبوق في الأسعار الذي صاحب الغزو الروسي لأوكرانيا، لا سيما وأن "نتائج زيارة السيسي الأخيرة إلى الكويت لم تكن على المستوى المأمول به من حيث الدعم الاقتصادي الذي ذهب السيسي طالباً إياه". وبحسب هذه المصادر فإن السيسي يراهن على الدعم الخليجي لا سيما وأن هذه البلاد تحقق حاليا وفرة كبيرة في أعقاب الارتفاع الجنوني للنفط، ويحمل رسالة مفادها أن الوضع في مصر بات على شفا انفجار، وقد يصعب على الجميع وفي المقدمة دول الخليج، السيطرة على تداعياته". وفي أعقاب الزيارة للرياض يستعد السيسي لزيارة أخرى إلى سلطنة عمان، من المقرر أن يبحث خلالها مع السلطان هيثم بن طارق، إمكانية مساهمة بلاده في دعم القاهرة اقتصادياً في الوقت الراهن". فما المقابل الذي سيدفعه السيسي للرياض؟ ترجح مصادر مطلعة (للعربي الجديد)، أن يكون الملف اليمني على رأس محادثات السيسي والمسؤولين في المملكة، مؤكداً أن الرياض لن تفوّت الفرصة للحصول على تعهدات، سواء من جانب مصر أو أميركا، بدعم واضح في هذا الملف الذي يؤرق المملكة بشكل كبير، وتسعى جاهدة لإنهائه في أسرع وقت ممكن. كذلك من بين الملفات الطارئة التي تعوّل القاهرة كثيراً على دور سعودي فيها بخلاف الدعم المالي، هو ملف أزمة سد النهضة، وذلك في الوقت الذي يمر فيه هذا الملف بمرحلة حساسة. ولا سيما وأن هناك تحركات مصرية من أجل دفع إثيوبيا للجلوس إلى طاولة المفاوضات في أسرع وقت، في حين تمتلك السعودية نفوذاً كبيراً لدى أديس أبابا عبر الدعم الاقتصادي والاستثمارات الخاصة بها هناك، يمكن استغلاله في هذا الإطار. أيضا هناك ملفات الشراكة بين الدولتين، وعلى رأسها مسألة الاستثمارات السعودية في مصر، بالإضافة إلى مشروع الربط الكهربائي بين البلدين، والمقرر تشغيل المرحلة الأولى منه في أكتوبر2024 بقدرة 1500 ميجاوات، لتصل بعد ذلك إلى 3 آلاف ميجاوات. وكان البلدان قد وقعا عقود مشروع الربط الكهربي في أكتوبر 2021م، ومن المقرر أن تستغرق المرحلة الأولى منه 36 شهراً، ويتيح تبادل 3 آلاف ميجاوات بين البلدين في وقت الذروة الذي يختلف بين البلدين بفارق 6 ساعات تقريباً.