الانتهاء من تنفيذ مشروع سد أم البارد بقرية التمد    جابر القرموطي: أشعر بالسعادة أثناء عمل حلقات فى الشارع    براتب يتخطى 3 آلاف جنيه.. الجيزة تعلن وظائف جديدة (اعرف التفاصيل)    خبير اقتصادي: رفع سعر الفائدة يزيد من الإقبال على الاستثمار في الجنيه    اليوم.. فصل التيار الكهربائي عن 13 منطقة وقرية بكفر الشيخ    السويدي: رئيس الوزراء صرح باستخراج رخصة المصانع خلال 20 يومًا دون أي معوقات    شاهد .. احتفالات الآلاف من الأسر والعائلات بمولد الرجبية بميدان السيد البدوي بطنطا..صور    الأمين العام للغرف التجارية: لابد من تقديم حوافز جادة للمستثمرين.. فيديو    شركة DARTZ تدشن سيارتها الأحدث دايموند MMXXII المصفحة.. صور    يونس مجاهد: نرغب فى تحقيق دولي بشأن استشهاد شيرين أبو عاقلة    عطاء لا ينضب.. السعودية تمد اليمن بمساعدات كبيرة    سارة صبري.. أول فتاة مصرية تقترب من مجال الفضاء    ألمانيا تقر قانونا يلزم رجال الأعمال الروس بالكشف عن ممتلكاتهم    عصام عبدالفتاح: هدف الأهلي غير صحيح.. ونعم هناك روح للبرتوكول    صور - بول كول ونوران جوهر يستكملان مشوار بطولة العالم للإسكواش    النيابة العامة تأمر بحبس متهمَين من المعتدين على شاب من ذوي الهمم    الخدمة لم تتأثر بالحريق.. استمرار العمل في شبكات الغاز بمستشفى أسيوط الجامعي - صور    «رجعولنا أمنا».. رحلة البحث عن ربة منزل اختفت في ظروف غامضة بالبحيرة    حظك اليوم برج القوس الجمعة 20-5-2022 عاطفيا ومهنيا    إيمي سمير غانم عن والدها في ذكرى رحيله: أنت النفس اللى بتنفسه    كريم فهمي يوجه رسالة لحمو بيكا.. والجمهور يسأل الأخير: "فين الجاكيت"    يسرا ل CNN: لعبت دورا في حياة العديد من الشباب    أخبار التوك شو.. الأتربي: البنوك لن تطرح شهادات إدخار جديدة بقيمة 20%.. والمفتي: الإسلام ضد التطرف وحريصون على إصدار فتاوى تحرم جرائم الإرهاب    في موسمه .. تعرف على طريقة عمل مربى الخوخ    استشاري الحالات الحرجة بلندن: جدري القرود ينتقل عن طريق الجلد والرذاذ    طرق لتقليل هدر الطعام والحفاظ عليه مدة أطول    فيديو.. مستشار الرئيس: حالة مصابي كورونا في مصر تشبه أعراض البرد العادي    أرمنيوس المنياوي يكتب: عفوا سيادة المحافظ    كندا تحظر إنشاء شركة «هواوي» الصينية لشبكات الجيل الخامس    وزارة الدفاع الأمريكية: إخراج الروس من دونباس سيكون صعبا    الإعدام ل3 أشخاص لاتهامهم بقتل 3 مواطنين والشروع فى قتل 4 آخرين في سوهاج    مصرع طفل في حادث تصادم بطنطا    إصابة شخصين فى انهيار بلكونة على سيارة أسفل عقار شرق الإسكندرية    مباشر من موقع الجريمة.. تفاصيل العثور على جثة طفلة مجهولة الهوية ملقاة بجوار مصرف    الرئيس الأوكراني يتحدث عن «جحيم» في دونباس    باختصار.. أهم الأخبار العالمية والعربية حتى منتصف الليل.. الأمم المتحدة تهنئ مصر على استراتيجية المناخ.. أمريكا تقر مساعدات لأوكرانيا بقيمة 40 مليار دولار.. وعاهل الأردن يوافق على تحديد إقامة شقيقه الأمير حمزة    قائدة قطار مترو الأنفاق: «مبعرفش أسوق عربية»    كلام في السياسة يناقش أهمية الحوار الوطنى.. الغرف التجارية: احتياطي السلع الاستراتيجية حمى مصر أثناء الأزمة الاقتصادية.. نائب رئيس اتحاد العمال: اتمنى ألا يتوقف الحوار عند الموضوعات السياسية فقط    عمرو دياب يطرح "اللى يمشى يمشى" ثانى أغنيات ألبومه الجديد    الأوبرا تحيي ذكرى رحيل وردة بالإسكندرية (صور)    الفنانة القديرة سمية الألفى تطمئن جمهورها: الحمد لله كويسة    أبطال الفروسية من ذوى الهمم يرون قصص كفاحهم مع ركوب الخيل    محمد بركات يعلق على اقتراب فيكتور جوميز من إدارة نهائي أفريقيا    أحمد مرتضى منصور يعلق على رحيل أشرف بن شرقي ويكشف بديل الدرع ويرد على ميدو والفوز ببطولة أفريقيا لكرة اليد    إصابة ثنائي الاسماعيلي في مران الفريق اليوم    إيسترن كومباني: لا نمانع تأجيل مباراة الأهلي.. وزيارة رونالدينيو هدفها ترويج السياحة المصرية    سيد معوض: الأهلي اتظلم في مباراة البنك الأهلي وهدفه الملغى "صحيح"    بعد وصول «جدري القرود» إلى عدة دول أوروبية .. الصحة العالمية تدق ناقوس الخطر    ضياء السيد: لقجع بدأ الضغط علينا قبل مباراة المغرب.. وأحذر الأهلي فالنهائي "لا أشقاء فيه"    مفتي الجمهورية أمام العموم البريطاني: الإسلام لا يخل بحقوق المرأة.. فيديو    بورسعيد والتجارب التعليمية الناجحة.. البابل شيت للإعدادية لأول مرة بالجمهورية.. ارتياح بين الطلاب بمستوى اللغة العربية    بعد مطاردة مثيرة.. ضبط سيارة محملة ب 10 أطنان قمح بالشرقية.. شاهد    الحوار الوطني.. خطوات على طريق الجمهورية الجديدة    خالد الجندي يرد على محرمي الصلاة في مساجد الأضرحة بفيديو للشعراوي.. فيديو    نقيب المنوفية: نعمل جاهدين للارتقاء بشباب المحامين ونسخر كافة الإمكانيات للمعهد    اليوم.. استئناف أعمال الجمعية العامة لمجلس كنائس الشرق الأوسط لليوم الرابع    كيف أتخلص من شرائط كاسيت بها قرآن كريم؟.. وأمين الفتوى ينصح    رجال دين: توزيع التركة قبل الوفاة جائز بشروط    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد هنيد يكتب: الخلل القاتلُ
نشر في بوابة الحرية والعدالة يوم 22 - 01 - 2022

أسئلة تتردد أكثر من مرّة في وعي الشعوب السطحي أو في وعيها الباطن: لماذا تقدّم الآخرون وبقينا نحن في ذيل الأمم؟ لماذا لا تنجح الثورات ولماذا تفشل الإصلاحات ولماذا لا يُزهر غير الانقلاب والاستبداد في بلاد العرب؟
كانت هذه الأسئلة وكثيرة أخرى متفرعة عنها الشغلَ الشاغل لأجيال من الباحثين والدارسين والمصلحين لفهم سبب الانحطاط الذي وصلت إليه الأمة وشعوبها منذ عقود طويلة. تباينت الأجوبة والأطروحات واختلفت القراءات والمقاربات ومشاريع التحرر من الإسلامي إلى القومي إلى اليساري إلى اللبرالي إلى غيرها من المشاريع والرؤى والتصورات. لكنّ القاسم المشترك بينها أنها ركّزت على الجوانب الموضوعية المتعلقة بالمجتمع والاقتصاد والسياسة في الداخل أو الجوانب الخارجية المتعلقة بالتدخلات الأجنبية في البلاد العربية.

لقد أتاح سياقُ الثورات وما أعقبها من ردّة انقلابية استهدفت تصفيتها دورةً تاريخية مكتملة لطور من أطوار التغيير الاجتماعي والسياسي الفاشل. أي أنّ السنوات العشر من عمر الربيع العربي تمثل حقبة تاريخية صغرى قابلة للتفكيك والقراءة عساها تجيب عن السؤال المركزي في سبب تخلف الأمة.
لماذا فشلت الثورات؟

صحيح أن هذا الاستفهام يمثل جزءا من الإجابة فقط لأنه يستبطن الاعتراف بفشل الثورات في حين ترى مقاربات كثيرة أن الإقرار بالفشل مقولة نسبية إذ تقتصر على الإقرار بعجز الحراك الشعبي عن تحقيق مطالب الجماهير في المدى القريب. في حين أن قراءة التغيرات الاجتماعية على المدييْن المتوسط والبعيد وما أحدثته من رجّة عميقة في بنيان النظام الرسمي العربي تُقرّ بأنّ التحركات المجتمعيّة لا يمكنها أن تحقق النجاح المطلق إلا عبر موجات متعاقبة تراكم خلالها الشعوب الوعي بأسباب الفشل لكي تتجاوزها ما دامت شروط الثورة قائمة.
قراءات أخرى ترى أن الثورات قد أُفشلت بتحالف الداخل والخارج أمام جماهير ونخب تفتقد للخبرة اللازمة لإنجاح مساراتها نحو التحرر والانعتاق. كما أنّ انعدام الوعي بشراسة النظام الرسمي العربي وتشعباته العميقة في مفاصل الدولة وأجهزتها ساهم بقوّة في تخبط القائمين على المسارات الانتقالية وسرّع من وتيرة الانقلابات.
فشلت الثورات إذن في تحقيق مطلب الحرية على المدى القصير لكنها نجحت في تحقيق رصيد ضخم من الوعي الجمعي بتفاصيل مكونات المشهد العربي وبطريقة اشتغال الفواعل داخله. هذا الوعي الجديد هو أعظم نجاحات الثورات وهو الذي سيكون محور التحركات القادمة ومحركها الأساسي لأن عمر الاستبداد الحقيقي والافتراضي لا يمكن أن يطول فشروط الانفجار لا تزال قائمة بل لقد ازدادت حدّة.
القاتل الخفيّ
ما تطرحه هذه المقاربة القصيرة هو قراءة فاعل ذاتي لا يتعلق بأسباب الفشل الموضوعية اجتماعية كانت أم سياسية أم اقتصادية بل يتمحور حول الإنسان العربي نفسه في بنيته السلوكية وفي ردود أفعاله. يتأسس هذا الموقف على جرد ذاتي لمواقف النخب والجماهير العربية خلال الثورات وبعدها وخاصة في ذروة الفعل الانقلابي سواء في مصر أو في سوريا أو ليبيا أو تونس.
ظهرت داخل المجتمعات انقسامات حادّة تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية أو الفكرية أو السياسية إلى مواقف ذاتية تتعلق بالسلوك والأخلاق وقواعد العيش المشترك في بيئة مسلمة محافظة أو متحررة. لقد كانت مذابح سوريا ومجازر مصر وليبيا درسا في توحش الانقلاب وتغوّل النظام العربي لكنها من ناحية أخرى أبانت عن سلوكات فردية عربية صادمة.
لا يقتصر الأمر هنا على التقاتل الأهلي لأسباب طائفية كما حدث في سوريا ولكن المثال الليبي والمصري خاصة يكشفان عن الخلل الكبير في بنية الشخصية وسلوكها. كيف يمكن أن نفهم طبيعة المجازر التي حدثت هناك في بيئة اجتماعية موحّدة عقائديا وطبقيا ؟ لماذا هذا التشفي في الآخر المختلف والدعوة إلى إبادته وتحليل قتله وحتى حرقه ؟ من أين خرجت هذه السلوكات المرضيّة والأحقاد الفردية ونزعات الانتقام الدموي والفرح بإبادة الأخ والجار والصديق؟
إن عرضا سريعا لمنابر إعلامية أو لصفحات التواصل الاجتماعي يكشف بجلاء لا غبار عليه أن الشخصية العربية تعاني من مرض قاتل ومن انحراف سلوكي لا يمكن أن يصدر عن شخصية مسلمة سويّة. إن انتشار خطاب الكراهية والعنف والدعوة إلى الانتقام والقتل لمجرد الاختلاف في الرأي أو في التصوّر إنما هو أمر مؤذن بنتائج خطيرة على المستويين القريب والبعيد.
لنأخذ مثلا جماعة الإخوان المسلمين وما تعرضوا له خلال السنوات العشر الأخيرة من حملات شيطنة متوحشة خاصة في مصر وصلت إلى حدود الدعوة إلى إبادتهم على المنابر وعلى الهواء مباشرة. من جهة أولى قد يُفهم ذلك في سياق الخطاب الانقلابي الرسمي الذي يتأسس على شيطنة الخصوم إعلاميا لتبرير الانتقام منهم لكن كيف يُفهم انسياق كمّ جماهيري كبير وراء هذه الدعوات التي تطورت في الحالة الليبية إلى ما يشبه الحرب الأهلية بين شرق البلاد وغربها؟
لا توجد في الحالة الليبية مبررات طائفية أو جهوية أو عقائدية أو عرقية كافية تبرر هذا الانقسام والنزوع نحو القتل والانتقام بعد ثورة أطاحت بنظام استبدادي. لم تعرف ليبيا أو مصر طوال تاريخها هذا المنسوب الخطير من الأحقاد الاجتماعية والنزعات الانتقامية في مجتمع متجانس عقائديا ولغويا وحضاريا.
تونس أيضا التي اشتهرت عربيا بالتعليم والرقيّ الثقافي والفكري لم تخرج عن هذا المنوال خاصة بعد انقلاب 25 يوليو وما أحدثه من انقسام حادّ بين الداعمين للانقلاب والمعارضين له. كشف الانقلاب عن حجم الخلل الأخلاقي في الشخصية القاعدية حيث غرقت مواقع التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية في الثلب والتشويه والتحريض على الانتقام من الخصوم والشماتة في الآخر المختلف.
لا تقتصر خطورة هذه الظواهر المرضية على كونها تمثّل أحد أهم أسباب فشل الثورات بل إنها قادرة على فتح البلاد على الحرب الأهلية مثلما حدث في تجارب أخرى كثيرة. تعاني مجتمعاتنا العربية من أمراض أخلاقية وسلوكية خطيرة تؤثر على أدائها الاجتماعي والسياسي الفكري وهو خلل عضوي في بنية هذه الشخصية الفقيرة أخلاقيا وقيميا.
إن من بين أوكد الأولويات اليوم هو الترميم الأخلاقي للإنسان الذي شوّهته تراكمات عقود من الاستبداد وحكم الفرد الواحد المتسلط بشكل أقصى كل إمكانية للتعايش السلمي وقبول الآخر بما هو شرط شروط البناء الحضاري. دون ترميم الشخصية القاعدية سلوكا وأداء وقيما فإن كل الثورات والتغيرات سيكون مصيرها الفشل لأن مدار التغيير وشرط نجاحه هو الإنسان فالأممُ الأخلاق أولا والأخلاق أخيرا.
…………..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.