بعد خمسين عاما من بيع النعناع، لم يعد يقوى على النداء مثلما كان قبل سنوات طويلة، ذبل الرجل بينما لم يزل نعناعه أخضر ندياً، فى أحد الشوارع المتفرعة من محيى الدين أبوالعز يجلس مستسلما على الأرض فى وضع القرفصاء، النعناع يتحدث عن نفسه، رائحته النفاذة تجذب المارة ليشتروا منه. اسمه محمود أحمد، عمره 81 عاما، هيئته المتواضعة، وملابسه البالية توحى بأنه لا يجنى الكثير، يقول: بكسب فى اليوم 8 جنيه وساعات 10، كله على الله، المهم ناكل ونشرب، قليلها زى كتيرها، وطولها زى عرضها، لينا ربنا ونقول الحمد لله». يسكن عم محمود فى غرفة بالشوربجى، يقول: «كان إيجارها 60 جنيه، لكن صاحبة البيت خلتهم 250 جنيه». كان لعم محمود 10 أبناء، توفى منهم ستة، ولم يتبق له سوى ثلاثة أولاد وفتاة، ويقول: «ولادى ما عرفش عنهم حاجة، كل واحد مع نفسه شايل هم روحه، العشرة صفصفوا على 3 ولاد وبنت واحدة». عم محمود لم يقرر بعد أى المرشحين سينتخب، ويقول: «شاركت فى الانتخابات اللى فاتت، ناس قالولى علم هنا على الورقة علمت، ما عدتش رايح تانى، دى بهدلة، ولا محمد مرسى ولا أحمد شفيق ولا حد بينفع حد، ما عرفش مين كويس، ومين لا، لكن لو ربنا خفف عنى التعب اللى أنا فيه، يمكن أروح أسأل ولادى، صوتى للكويس اللى فيهم». يستمع عم محمود إلى الحديث بصعوبة، برغم السماعة التى يركبها فى أذنه، يقول: «أنا تعبان، وما عدتش قادر على الشقا، لكن هاعمل إيه؟ عنيا تاعبانى، عامل عملية فيهم، وما ريحتش بعدها، بنزل برضو فى الشمس والحر، وعندى القلب، كشفت كذا مرة ومع ذلك مفيش فايدة، أدينى قاعد أبيع نعناع، معدتش أقدر أمشى بيه ولا أنادى عليه».