لم يسأل إنسان نفسه ما السر الحقيقى وراء ارتباطه بالتدخين؟.. ما الذى يجعله يصاب بالقلق والتوتر وعدم التوازن والاكتئاب وفقدان التركيز إذا أجبر لظرف طارئ على الامتناع عن التدخين.. وبمجرد التقاط السيجارة وسحب أول نَفَس يعود إلى طبيعته ويبدأ فى الحديث والعمل والتركيز.. ورغم كل التحذيرات والحقائق العلمية المرصودة بأن التدخين يتسبّب فى عُشر حالات الوفاة بين البالغين فى جميع أنحاء العالم، وأن الوفيات من الأمراض الناتجة عنه تبلغ 5٫4 مليون شخص سنوياً بمعدل حالة وفاة كل 6 ثوانٍ، نصيب مصر منها أكثر من 170 ألف حالة وفاة سنوياً.. كل ذلك لم يسهم إلا بنسبة ضئيلة فى توقف المدخن عن تدخينه.. بل إن الغالبية الساحقة لا تستمع أو تلتفت إليه وكأن شيئاً لم يحدث.. وبمجرد أن تواجه أحد المدخنين بأن لديه مشكلة.. سرعان ما تأتيك الإجابة الصادمة وبكل ثقة «مافيش مشكلة يمكننى التوقف عن التدخين فى اللحظة التى أقرر فيها ذلك.. ولكنى لا أرغب».. والحقيقة أنه قرار مؤجّل لدى البعض إلى ما لا نهاية.. ولدى البعض الآخر فهو لا يداعب تفكيرهم أصلاً.. والسر وراء ذلك اختلف عليه العلماء فى عدة دراسات ما بين العادة والإدمان.. وعندما خضعت مجموعة من المدخنين فى إحدى الدراسات، وكان معروفاً أن كل واحد منهم يدخن 30 سيجارة فى اليوم.. وأمكن تحديد كمية النيكوتين التى يعتمد عليها كل مدخن، وتمكّن العلماء من استخلاص تلك الكمية ووضعها فى أقراص يتناولها المدخن بديلاً عن التدخين.. فإنه بعد عدة أيام من التوقف عن التدخين بدأت تظهر على المدخنين عدة أعراض، أولها التوتر، والأرق، والملل، والاكتئاب، والصداع.. وخلصت الدراسة إلى أن الارتباط بالسيجارة لا يرجع إلى إدمان النيكوتين، ولكنه ارتباط نفسى. وقد قامت الكلية الملكية للأطباء بلندن بإجراء بحث مطول على الإنسان والحيوان لمعرفة مدى الإدمان الذى يسبّبه النيكوتين، ومقارنته بالمواد المعروفة باسم المخدرات. والمذهل حقاً أن الباحثين قد وجدوا بدرجة يقينية أن النيكوتين فى التبغ لا يقل عن إدمان أعتى المخدرات تسبباً للإدمان وهما الهيروين والكوكايين. بل إن بعض الأبحاث تشير إلى أن إدمان النيكوتين أشد من إدمان الهيروين وإدمان الكوكايين. وذهب عدد من الأطباء النفسيين، ومن بينهم مايكل راسل أستاذ الطب النفسى بمعهد مودزلى للطب النفسى فى إنجلترا إلى «أن تدخين السجائر فى أغلب الأمر من أكثر أنواع السلوك الإدمانى التى عرفها الإنسان»، لذا فإن هيئة الصحة العالمية أدرجت «التبغ» ضمن المواد التى تسبّب الإدمان. وبما أننى أقلعت عن التدخين منذ 20 عاماً «والحمد لله»، فيمكننى مشاركة خبرتى عندما كنت مدخناً.. بل يمكننى اليوم القول إن التدخين إدمان.. فصفة الإدمان الأولى هى الشعور بالرغبة الملحة والقهرية عند عدم توافر ما يعتمد عليه الإنسان من مواد معينة، حتى يتم توفيرها، وهذا ما يشعر به المدخن عند امتناعه عن السجائر أو عند عدم توافرها، كما أن التحول إلى التدخين بشراهة، وفى كل المناسبات، سواء العصيبة أو السعيدة، هو أيضاً من صفات الإدمان. ولقد ساعدنى كثيراً فى الإقلاع عن التدخين.. توقف حالة الإنكار الشديد حول وجود مشكلة حقيقية بسببه.. كما أن الاعتراف بعدم قدرتى على حلها بمفردى.. أسهم فى استعدادى إلى اللجوء لمساعدة المتخصصين للخلاص.. وبالفعل كان ذلك، وانتهى الأمر تماماً.. وهذا ما أدعو إليه كل مدخن ما زال يعانى ولا يعلم! والحق أنه من المؤسف أن تحتل مصر المركز العاشر فى معدلات التدخين على مستوى العالم، وهو ما تترجمه الأرقام ونتائج الأبحاث إلى أن 20% من البالغين فوق سن 18 سنة يدخنون نوعاً من أنواع التبغ، بينما يتعرض 70% - 80% من المواطنين للتدخين السلبى فى أماكن العمل ووسائل النقل والمواصلات، وذلك وفقاً لنتائج المسح العالمى لاستهلاك التبغ بين البالغين فى مصر.. ذلك فى الوقت الذى تنخفض فيه معدلات التدخين فى الدول المتقدمة إلى مستويات متدنية.