جيل جديد في المجلس القومي لحقوق الإنسان.. محمد جمال عثمان نموذجًا    تحالف مؤسسي لدعم الطفولة المبكرة وبناء جيل المستقبل    التنمية المحلية تعقد جلسة تشاورية حول دور القطاع الخاص في إدارة مرفق المخلفات    وزيرا الصحة والتعليم العالي يبحثان إدراج المستشفيات الجامعية في منظومة التأمين الصحي الشامل.. خطوة استراتيجية نحو نظام صحي متكامل    استقرار أسعار السلع والخدمات في كفر الشيخ    رئيس الغرف السياحية: الحركة الوافدة إلى مصر مستقرة.. وقادرون على مواجهة الأزمات    «مصر السيادي» يدعو بنوك الاستثمار للتقدم بعروض لإدارة طرح 20% من «تأمينات الحياة»    وزير الزراعة يجتمع مع قيادات الطب البيطري بالمحافظات    رفع 2010 أطنان من القمامة وتحرير 108محاضر تموينية متنوعة بكفر الشيخ    السعودية: لا أضرار في إمدادات مصفاة رأس تنورة بعد محاولة الهجوم عليها    مصادر أمنية: مسيرة تستهدف مقر جماعة معارضة كردية إيرانية في إقليم كردستان العراق    الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف منشأة نووية سرية بالقرب من طهران    إعلام إسرائيلي: طائرة F 35 تسقط مقاتلة إيرانية فوق سماء طهران    تشكيل مانشستر يونايتد المتوقع لمواجهة نيوكاسل في البريميرليج    نيمار ينصح رودريجو بالاهتمام بصحته النفسية بعد إصابته    مرموش يقترب من الرحيل عن مانشستر سيتي.. صراع إسباني محتمل لضمه في الصيف    طقس شديد البرودة.. الأرصاد تحذر من مخاطر هذه الظواهر خلال الأسبوع المقبل    الأمن يكثف جهوده لضبط المتهم بقتل صديقه بسبب خلافات حول فتاة في مصر الجديدة    تخفيف حكم حبس متهم بحيازة الآيس من السجن المؤبد ل7 سنوات    الموسيقى العربية تحيي سادس ليالى رمضان الثقافية بساحة أبو الحجاج بالأقصر    فتح باب تلقي أعمال مسابقة يحيى زهران للإخراج الصحفي    الحلقة الأخيرة من كان ياما كان.. هل يعود الكدوانى لطليقته يسرا اللوزى؟    انعقاد الملتقى الثاني للطلاب الوافدين عن «دور المرأة في تنمية الوعي المجتمعي»    الرعاية الصحية تُطلق مبادرة «رهن إشارتك» لتعليم لغة الإشارة بمحافظة السويس    وزير الصحة: المجالس الطبية المتخصصة قدمت مليون و86 ألف خدمة علاجية خلال 2025    سيميوني: أتمنى مواجهة برشلونة في دوري الأبطال.. وكنا أفضل بمجمل المباراتين    وزير النقل عن تطوير ترام الرمل بالإسكندرية: مشروع حيوى يحافظ على التراث    50 ألف جنيه غرامة، الموسيقيين تستعد لفرض عقوبة ضد "التراشق الإلكتروني" بين المطربين    المرور يشن حملة مكثفة وتحرير أكثر من 1900 مخالفة مرورية    السجن المشدد 10 سنوات وغرامة 50 ألف لتاجرى مخدرات بمدينة دهب    تقرير: أمين عمر يدير لقاء الهلال والنجمة في الدوري السعودي    وزيرا الصحة والتعليم العالي يبحثان إدراج المستشفيات الجامعية في منظومة التأمين الصحي الشامل    نائب وزير الصحة: ملف القضية السكانية يتصدر أولويات الدولة    أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا تسجل أكبر ارتفاع منذ 4 سنوات    الري: تحصيل 477 مليون جنيه مستحقات تراخيص المياه الجوفية منذ بداية 2025    بسبب خلافات بينهما.. الإعدام شنقا لقاتل شقيقته في قنا    مصر تكثف اتصالاتها مع وزراء خارجية السعودية والإمارات وعمان وسوريا لمتابعة التطورات الإقليمية    رئيس وزراء إسبانيا: الحرب على إيران لن تؤدي إلى نظام دولي أكثر عدلًا    الطيران الإسرائيلى يبدأ موجة غارات على طهران    تقديم خدمات طبية مجانية لأكثر من 7 آلاف مواطن ضمن قوافل «حياة كريمة» خلال فبراير    نادي جامعة حلوان يواصل تألقه رياضيا واجتماعيا.. جولات حاسمة وانطلاقة رمضانية قوية    حبس طالب بتهمة قتل زميله في مصر الجديدة    موعد أذان المغرب فى اليوم الرابع عشر من شهر رمضان بالمنوفية    عمرو سعد: "أنا الأعلى قيمة تسويقية في العالم العربي ومش شايف صراع ولا منافسة"    فابريغاس: كومو كان يستحق الفوز على إنتر    رمضان.. زاد المسيرة    «مفتاح العودة».. «صحاب الأرض» يغلق حكايته بوثائقي عن رحلة نجاة أطفال غزة للعلاج في مصر    تسمم أسرة بالغاز داخل منزلهم بعزبة المصاص في المنيا    النائب العام يشارك موظفي السكرتارية وطاقم حراسته مأدبة إفطار رمضان    رئيس قطاع المعاهد الأزهرية يهنئ الإمام الأكبر بعد فوز طلاب الأزهر بجائزة دبي للقرآن    بين الانقسام والهروب.. الدولة تقترب من «رأس الأفعى»    نجوم «دولة التلاوة» يواصلون إحياء الليلة الرابعة عشرة في المساجد الكبرى    وهج الفوانيس يضفي طابعًا تراثيًا على فعاليات "رمضانية المخواة"    الزمالك يفوز على البنك الأهلي في دوري المحترفين لكرة اليد    إيفرتون يزيد أوجاع بيرنلي ويواصل تقدمه في جدول الدوري الإنجليزي    "الإهمال الطبي " سياسة ممنهجة لقتل الأحرار .. استشهاد المعتقل إبراهيم هاشم بعد اعتقالٍ امتد 11 عامًا    مصادر تكشف تفاصيل تدشين تكتل برلمانى معارض بمجلس النواب    أيتن عامر تكشف حقيقة ياسر جلال وتطلب الطلاق في الحلقة 14 من "كلهم بيحبوا مودي"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



م الآخر| "الزائر" ..! (قصة قصيرة)
نشر في الوطن يوم 24 - 01 - 2015

جلست على أحد مقاهي وسط البلد تحتسى القهوة السادة، كانت قد عادت لتوها من دار الكتب بعد أن قرأت إعلانا في "الأهرام" عن دورة تدريبية تقدمها الدار في مجال البحث والتوثيق ، ذهبت لتسجل اسمها فيها لكنها فوجئت بالموظفة هناك تسألها بابتسامة بلاستيكية بصوت رفيع ناعم:
"دفعة كام؟"
أجابتها: 2006
ردت- بنفس الابتسامة- : "للأسف مش هينفع"
"هو إيه اللي مش هينفع؟" سألتها باستغراب
أجابتها: "لكي تحصلين على الدورة التدريبية يجب أن تكوني حديثة التخرج سنة على الأكثر"
تجهم وجهها ولم ترد ، غادرت المكان صامتة يااه 2006 متى مر كل هذا الوقت؟، حتى هذه اللحظة لم تكن تتصور أن 2006 بعيدة إلى هذا الحد، صحيح أنها مازالت صغيرة ومادامت في العشرينات سيحسبون سنين عمرها بالربيع ستة وعشرون ربيعا تحديدا لكن لماذا إذا تشعر وكأنها في الستين مع أنه باقي لها أربعا وثلاثون عاما لتتم الستين..
أخذت تلعن الأيام في سرها، فهي تأخذ منها امتيازاتها واحدا تلو الأخر، اليوم لن تحصل على الدورة التدريبية وغدا لن تقبلها أية وظيفة لأنها لم تعد شابة بما فيه الكفاية، وبعد غد سيكف العرسان عن دق الباب لأنها تجاوزت السن ,وإن تزوجت فربما لن تصبح أم وسيخبرها الدكتور بابتسامة بلاستيكية - تماما كابتسامة الموظفة - سنك كبر يا مدام الحمل خطر وفرصك ضعيفة.
وتوالت اللاءات على ذهنها كالصفعات، "لا تلبسين اللون الفلاني مش لايق لسنك, في واحدة في سنك تأكل ايس كريم اومصاصة, لسة بتقري روايات رومانسية".
مر رجل من أمامها أثناء انشغالها بهذه الخواطر السوداء في خفة وجلس على إحدى الطاولات بجانب شاب يجلس في الجهة المقابلة لها، دققت النظر أكثر وللمرة الأولى انتبهت أن نفس الرجل يجلس في ذات الوقت بجانب كل رواد المقهى بنفس الملامح اللامبالية التي لا تخلو من قسوة..
وعلى غير عادتها لم تكترث له بينما عادت لخواطرها مرة أخرى حتى وجدت ظلا يسقط على فنجان القهوة، نظرت أمامها ورأته جالسا في مواجهتها تسمرت وخرست تماما أمام عينيه التي كانتا أشبه بهوتين عميقتين، شعرت وكأنهما تسحبانها إليهما لم تستطع التفوه بكلمة وتسأله: "من أنت ؟ ولا لماذا تجلس أمامي هكذا بدون استئذان؟"، كل ما فعلته هو أن قامت من جلستها مسرعة، لم تنظر ورائها..
وضعت سماعات هاتفها المحمول في أذنها وفتحت مشغل الموسيقى وضغطت على أول أغنية قابلتها وبدء صوت عمرو دياب في أذنها يغنى: " الزمن بينسى دايما مع الزمن مفيش وعود" تجمدت لجزء من الثانية وكادت تصرخ: "هو أنا ناقصة"، ومع ذلك استمرت في سيرها الحثيث بينما عمرو يواصل الهمس في أذنها "الزمن ملهش صاحب ملهش قلب ولا مشاعر خطوته مشوار في قلبي عشت فيه دايما مهاجر"..
"آه فعلا مهاجر" هكذا همست في شرود، دخلت الشارع الذي تقطن فيه كأنها منومة،أخذت تسير في خطوات اقرب للعدو وكأنها تهرب من الأغنية ومن الزمن ومن نفسها "عشرين سنة من يوم ما أتولدت احلم معاه يوعدني اصدق"..
تتجاهل المصعد وتقفز على السلم قفزا لشقتها في الدور الخامس "عشرين سنة مروا كأنهم سراب وكان بيكدب" أنفاسها تتقطع ومع ذلك ما زالت تقفز" كتب حكايته على الوجوه والمني في كل ضحكة" تقف لتلتقط أنفاسها ثم تعاود القفز "وساب علاماته الحزينة على طريقي من زمان"..
وأخيرا وقفت أمام باب شقتها مع انتهاء الأغنية، أولجت المفتاح في الباب وارتمت على أول كرسي صادفها لحسن الحظ لم يكن أحدا في المنزل قررت أن تأخذ حمام وان تتغلب على هذه المشاعر السلبية وحاولت أن تنسى ومياه الدش تنهمر فوق جسدها..
خرجت من الحمام ووقفت لتمشط شعرها أمام المرآة لاحظت بضع شعيرات بيضاء في رأسها كادت تجن وصرخت: "كيف ذلك؟ شعري بالأمس فقط اسود تماما"، ثم قالت في نفسها: "هل كان ذلك بالأمس فعلا ؟"
اغتمت ونظرت لهذه الشعيرات مرة أخرى، وغمغمت بأسى: "بعض الصبغة ستصلح ما أفسده..... "ولم تكمل عبارتها إذ فوجئت به يظهر في المرآة جالسا على سريرها!، كان هو نفس الشخص، قفزت من مكانها في ذعر وحاولت أن تستر نفسها لكنه انتبهت إلى أنه لم يعرها التفاتا كان ينظر نفس النظرة اللامبالية وكأنه ينتظر، ولكن ينتظر ماذا ولم تستطع هذه المرة أيضا أن تسأله، وشيئا فشيئا خفت خوفها وتعاملت معه وكأنه أمر واقع لابد منه فنظرت إليه في لامبالاة مماثلة وأكملت تمشيط شعرها ..
الغريب أن وجوده معها صار عادة، تجده في الحمام والمطبخ، أو بجانبها على السرير، وهى تلتقط انفاسها في الشرفة، أو في العمل ، على المائدة أثناء تناولها الطعام مع أسرتها، وفى كل مكان والأغرب أنها تراه في صورها الخاصة وحدها أو مع العائلة دائما يقف بعيدا يحدق في الكاميرا وكأنه ينظر إليها مباشرة ومع ذلك هو لا ينظر إليها..
وترى أيضا نسخة منه ملازمة لكل شخص ولكنهم لا يرونه مثلها، أم أنهم اعتادوه..، حيرها الأمر، ورأته أيضا في سبوع ابن إحدى قريباتها وجدته بجانب المولود ينظر إليه دائما هو بنفس الملامح لا يشيخ ولا يصغر صعب أن تحدد عمره ، قد تظن ملامحه لطفل أو شاب أو شيخ لكنه على اى حال موجود، و لم تجرؤ يوما على أن تسأله من هو؟ ولم تعد تهتم به ولا تلتفت لوجوده الذي اعتادته حتى نسيته وان كانت أحيانا ترمز إليه في يومياتها باسم الزائر..
لكن مع الوقت لاحظت شيئا غريبا أنه وبرغم عدم اكتراثه بوجودها كانت تشعر بأنه يراها حقا عندما تنظر للساعة، وقتها فقط تجده ينظر إليها ويبتسم حتى اعتقدت انه لا يدرى أنها تشعر بوجوده إلا عندما تنظر للساعة..
كانت ترى السعادة مرتسمة على وجهه عندما تشترى ساعة جديدة يكاد يمد يده إليها ليساعدنها في تعليقها على حائط غرفة الصالون أو الصالة، وفى لحظات أخرى كان يتعمد أن يعبر من خلالها بمنتهى السلاسة بدون أنا تشعر به وهو يتخللها..
لكن في كل مرة يعبرها فيها كان يسلبها شيئا.. مرة سرق ضحكاتها ولم تعد تذكر ضحكة حقيقية لها كانت من القلب، وأخرى سرق دموعها، بل وسلبها حتى سعادتها، ومن كرمه كان يترك مكان ما سلبه أشياء مثلا شعرة بيضاء أو تجعيدة محفورة على وجهها كالقدر أو حزنا مبهما لا تعرف متى بدا وأين ينتهي..
ذهبت للمقهى إياه مرة أخرى، وهى تحب الجلوس عليه بعيدا عن الضجيج فكل شخص في حاله مع كوب قهوة أو مع لاب توب أو حتى مع حبيبه، جلس بجانبها هذه المرة أيضا بصمته المستفز، تجاهلت وجوده, ثم رفعت عينها قليلا عن الورق أمامها لتتأمله، وأخذت تفكر قليلا، وخطر على بالها أمرا فغادرت المقهى وعادت للبيت، أوقفت كل الساعات في المنزل حتى ساعة الموبايل وساعة يدها، وجلست هادئة في انتظاره لا هي لم تنتظره لأنه موجود ولكنها فقط أعدت العدة لأول حوار بينها وبينه، أغلقت باب غرفتها وصارا وحيدين هي وهو..
"هل تظنين انك بذلك تعطليني عن مهمتي؟! أنا نفسي لا حيلة لي ولا استطيع التوقف عن أداءها" بادرها بشبه ابتسامة
"لماذا دخلت حياتي؟ ومتى ستتركني وشأني"
أجابها بصوته الهادئ الرتيب كدقات الساعة: "أنا موجود قبل أن تولدي وباقي بعد أن تموتي لن يمنعني شئ عنك أنا في كل مكان"
"ولماذا أنا وحدي أراك؟"
" ربما لأنك تريدين أن تريني"
وباغتها بالسؤال: "متى أخر مرة نظرت فيها للسماء؟ "، وقعت على السرير كعروس ماريونيت تمزقت خيوطها..
"أتدرين كل هؤلاء الناس حولك يعلمون بوجودي ولكنهم لا يكترثون يعيشون حياتهم أما أنت وتفنى عمرك تتمسحين في قبلتي، لا تحيين في الوقت بل الوقت يحيا فيك وتسيرين محنية الظهر مثقلة وكأنك تحملين عمرك فوق كتفيك"..
ورق صوته: "عيشينى كقصة أو فيلم واعتبري أن لحظة الذروة لم تأت بعد "
"وماذا افعل أنا؟"
"الحل داخلك انت"
اقترب منها وهمس: "تجاهليني فحسب وساختفي من حياتك" نظرت إليه في ارتياب..
أخذها من يدها مثل طفل مشاكس، وذهب بها إلى المرآة وقال: "انظري لهذه التجاعيد إنها ليست تجاعيد حقيقية بل هي تفاصيل وجهك العابس دوما، ابتسمي قليلا "
استجابت لطلبه على مضض، وابتسمت ابتسامة صغيرة أضاءت وجهها لم تلبث أن اتسعت، وتساءلت هي: "منذ متى لم أرى ابتسامتي؟ "
ظلت صامتة لفترة طويلة تتفرس في وجهها الذي لم تكن تبحث فيه إلا عن آثار الزمن حتى نسيت ملامحه، فكرت في كلامه، ثم التفتت إليه.. لكنه كان اختفى ..، فوجئت بعودة عقارب الساعات كلها للدوران، وبتلاشيه من كل صورها، وعندما نزلت مسرعة إلى الشارع لم تره أبدا لا بجانبها ولا بجانب أي شخص آخر.
كانت تسير وهى تنظر للسماء وانتبهت إلى إنها حافية القدمين، ضحكت كمراهقة بانتعاش وبلا قيود، ثم عادت للبيت وارتدت حذاءا خفيفا ونزلت للشارع مجددا بعد أن نست كل شئ عن الزمن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.