الساعة الثالثة عصرًا، الشارع الآن في قمة صحوته ونشاطه، فتاة في العاشرة من العمر تعاني في سيرها مما يلفح وجهها من روائح كريهة، ودخان منبعث من القمامة، وأرض صُنعت من المخلفات، هو شارع الترعة، الذي يفصل ما بين منطقة أرض اللواء، وبولاق الدكرور، ويربط ما بين منطقة "المعتمدية" و"كفر برك الخيام"، القمامة هي أبرز معالمه، وحرقها أسهل ما يمكن فعله للتخلص منها. يجلس على كرسي أمام بيته، رجل في أوائل الأربعينيات، وهو أحد سكان هذا الشارع، تتضح على معالم وجهه الإعياء، يبدأ كلامه بتنهيدة مصحوبة بسعال شديد تأثرًا بالدخان "الشارع ده كان من أجمل شوارع بولاق"، يعود تاريخ تسمية "شارع الترعة" الذي يسكنه محمد ربيع، إلى وجود مجرى مائي طويل يسقي منه الفلاحون أراضيهم الزراعية، فقد كان الشارع أخضر، وهواؤه يصنع شعورًا بالانتعاش، ولكن حاله يُحزن اليوم، فالأراضي الزراعية معظمها بارت، وحلَّت محلها أكوام القمامة. "أيام الدراسة هي أسوأ أيام حياتي"، تصف ليلى صادق، إحدى سكان المنطقة، معاناتها يوميًا خلال المرور بهذا الشارع للوصول إلى مدرستها، وكما يساعدها الحظ، إما قمامة فقط، أو القمامة والدخان المنبعث من حريقها شبه اليومي. "تذهب حكومة، وتأتي غيرها، ويبقى الحال على ما هو عليه" جملة عبَّر بها سعيد عبدالله عن فقدانه للأمل، وهو يجلس منهكًا من عمله أمام ورشته بالشارع، فالقمامة في مستودعاتها منذ زمن، وسائقو الكارّو يتخذون الشارع مقرًا رئيسيًا لتفريغ عرباتهم من حمولاتها، وأصبح الشارع ملاذًا لجمع "العلب والكراتين". ويقول عبدالسميع صالح، شاب في منتصف العمر، سائق كارّو، مكممًا أنفه وفمه ب"شال" حتى يحمي نفسه من الدخان "أنا مش جاهل، أنا معايا مؤهل متوسط، لا يفعل ذلك إلا من يسعى إلى لقمة العيش، ولا يجد رزقًا له إلا في هذه المهنة التي لا يعرف غيرها، ولا توفِّر له الدولة ظروف المعيشة المناسبة، وما يلقيه من قمامة لن يزيد شيئًا، فهذا الشارع نفاياته أكثر من أشجاره، ولو توقف عبدالسميع عن عمله، لمات جوعًا". "يا بيه الزبالة دي أكل عيشنا اللي ما نعرفش غيره" قالتها السيدة حسنية، سيدة في الخمسينيات من عمرها، نحت في وجهها الزمن لوحة فنية عنوانها الفقر والشقاء، فالقمامة الملقاة في الشارع هي مصدر رزقها الوحيد الذي لا تتقن سواه، فيومها يبدأ وينتهي في أكوام القمامة. وإذا حدث واستجاب الحي لنداءات سكان الشارع، فماذا يفعل من هم مثل "الست حسنية".