العالم العربى ودوله حبلى بالصراعات التى من أهمها الصراع بين التيارات الوطنية والإسلامية. الصراع بين التيارين يجرى داخل الدول، كما يجرى على مستوى الإقليم كله. خطوط الصراع الوطنى - الإسلامى تتقاطع مع خطوط صراعات عديدة أخرى، مثل الصراع العربى الإسرائيلى، والصراع السنى الشيعى، والصراعات بين دول المنطقة الرئيسية حول النفوذ والمكانة والهيمنة. الجوار الجغرافى بين غزة ومصر وأشياء كثيرة أخرى تجعل مصر طرفاً مباشراً فى الصراع الدائر على أرض فلسطين. الصراع الفلسطينى الإسرائيلى لن يحل قريباً، وعلى مصر ألا تضع مصداقيتها على المحك بحثاً عن حل لصراع لم تنضج ظروف حله بعد. عنصرية اليمين الإسرائيلى الحاكم وانقسام الفلسطينيين ونفاق أمريكا والغرب لا يسمحون بحل قريب للقضية الفلسطينية. حاول مبارك حل القضية وربط مكانة مصر ونفوذها بنجاح التسوية، ففشلت جهود الحل، وفشلت معها مصر ففقدت مكانتها. إدارة الصراع الفلسطينى الإسرائيلى وليس حله هو العنوان الاستراتيجى الصحيح للسياسة المصرية فى هذه المرحلة. اتفاقية السلام مع إسرائيل لن تمنعنا من توجيه أشد الانتقادات للسياسة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. مصر بإمكانها أن تصبح من أهم مراكز دعم الشعب الفلسطينى بالدراسات والنشر والمؤتمرات وحفظ التراث. القضية الفلسطينية هى مصدر مهم للشرعية وللنفوذ الإقليمى، ونحن الأحق بالنصيب الأكبر فى هذا المجال. خبرة العقد الماضى أثبتت أن سلطة حماس فى غزة تمثل تهديداً للأمن الوطنى المصرى، وما الأنفاق وتهريب السلاح ودعم الجماعات المتطرفة فى سيناء والمشاركة فى اقتحام السجون المصرية والتحالف مع الإخوان إلا بعض الأمثلة. صواريخ حماس لم تحرر فلسطين ولم تحم الفلسطينيين، إنما يجرى توظيفها فى إطار الصراع ضد خصوم حماس من العرب أكثر من توظيفها فى الصراع ضد إسرائيل. حماس تسعى لتحويل جوارها الجغرافى مع مصر إلى أداة للضغط على القاهرة وابتزازها، وعلى مصر إحباط هذا المسعى بتحويل جوارها الجغرافى مع غزة إلى أداة تخدم الشعب الفلسطينى ومصالح مصر القومية. لدينا مسئولية إنسانية لمساعدة الفلسطينيين فى غزة، ومسئولية قومية لمنع تكريس الانفصال بين غزة والضفة، ومسئولية وطنية لإضعاف قبضة حماس فى غزة، وعلى المسارات الثلاثة يجب أن نتحرك. حماس خصم أيديولوجى للوطنية المصرية ولن تخدعنا محاولاتها للتمويه والابتزاز بتوظيف قضية فلسطين العادلة. حكومة حماس فى غزة حكومة غير شرعية منشقة عن السلطة الوطنية الفلسطينية التى نعترف بها، ويجب ألا نسمح للمنشقين بتعزيز وضعهم، وعند هذه النقطة تلتقى مصلحتنا الوطنية بمسئوليتنا القومية. على مصر تدعيم الفلسطينيين، وعليها أيضاً إضعاف قبضة حماس فى غزة، كجزء من سياسة إدارة الصراع. مصر هى طريق أهل غزة للعالم الخارجى، وعلى مصر أن تسهل لهم ذلك. كل فلسطينى يريد المرور عبر الأراضى المصرية فى طريقه للعمل أو الدراسة أو العلاج أو الحج يجب ألا يحرم من هذا الحق دون مخاطرة بالأمن القومى لمصر. مصر تريد شريكاً فلسطينياً موثوقاً على الجانب الآخر من الحدود لتتأكد من هوية راغبى العبور ونواياهم. اتفاقية المعابر لعام 2005 تخول الحرس الرئاسى الفلسطينى بإدارة المعابر، وحتى تقبل حماس بعودة الحرس الرئاسى للسيطرة على المعابر فكل تأخير فى حرية حركة الفلسطينيين عبر المعبر هو مسئولية حماس وليس القاهرة. على مصر افتتاح قنصلية مصرية فى غزة بالتفاهم مع حكومة محمود عباس الشرعية. قنصلية مصر فى غزة يجب أن تكون واحدة من أهم وأكبر قنصليات مصر فى الخارج، فمن خلالها سيحصل الفلسطينيون الراغبون فى اجتياز المعابر على التأشيرات بطريقة كريمة تجنبهم المعاناة والمهانة، ومن خلالها أيضاً سيتم تقديم المساعدات لأهلنا فى غزة. مصر لا تعترف بسلطة حماس المنشقة عن السلطة الوطنية، ولا تتعامل معها إلا فى أضيق الحدود التى تخدم الفلسطينيين. الهويات والمستندات الصادرة عن السلطة الفلسطينية الشرعية هى فقط المسموح باستخدامها عند التعامل مع القنصلية المصرية فى غزة، أما المستندات الصادرة عن السلطة المنشقة فلا يعتد بها. حماية القنصلية المصرية فى غزة وتمكينها من ممارسة عملها بحرية هو شرط رئيسى لتمكين الفلسطينيين من استخدام المعابر. عدد مناسب من طلاب غزة الذين ترشحهم جهات موثوق بها يجب أن يمكنوا من الالتحاق بالجامعات والمعاهد المصرية. مؤسسات التعليم المصرية كانت لعقود إحدى أهم أدوات السياسة الخارجية المصرية، ويجب أن تعود كذلك. طلاب غزة فى مصر سيكون لهم الحق فى تشكيل اتحاد طلابى يتبادلون فيه المساعدة، ويناقشون قضيتهم، ويعلنون من خلاله المواقف حتى لو كانت معارضة لحكومة حماس المنشقة. على مصر تقديم ما تستطيع من مساعدات مادية لإعمار غزة ومساعدة أهلها. مصر يجب أن تكون هى العنوان الوحيد لتنسيق المساعدات العربية والدولية الذاهبة إلى غزة، والتى لن تسلم إلى سلطات حماس، ولكن إلى جمعيات أهلية يقودها فلسطينيون أهل للثقة تختارهم مصر بعناية. قد ترفض حماس هذه السياسة، وقد تضطهد الفلسطينيين المتعاونين مع مصر، وعندها سيعرف العالم من يقف مع الشعب الفلسطينى ومن يقف ضده. مع كل تقدم نحققه فى اتجاه الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان داخلياً سيصبح بإمكاننا التعليق بمصداقية على أوضاع حقوق الإنسان فى غزة. سجل حماس فى هذا المجال هو سجل أسود يجب لكل العرب الاطلاع عليه ليصدروا الحكم الواجب. وباختصار فإنه يجب ألا نسمح لحماس بادعاء أى مكانة أخلاقية أو قومية عليا، وهذا هو أحد الأهداف المباشرة لسياسة إدارة الصراع فى هذه المرحلة.