"أنا ماركسي على سنة الله ورسوله".. جملة قد لا يألفها البعض ولكنها تختزل رحلة المفكر عبدالوهاب المسيري، والتي بدأت بين جماعة الإخوان المسلمين وانتهت بالحزب الماركسي المصري، والذي تحل ذكرى وفاته في الثالث من يوليو عقب ثورة 25 يناير التي اندلعت لتحقيق ما نادى به طيلة حياته، حتى اعتبره الثوار الحاضر بأفكاره الغائب بجسده عن تلك الثورة. ولد المسيري بمدينة دمنهور في أكتوبر من عام 1938، وتخرج في كلية الآداب جامعة الإسكندرية 1959، وحصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي المقارن من جامعة كولومبيا بمدينة نيويوركبالولاياتالمتحدة عام 1964، وعلى الدكتوراة من جامعة رتجرز الإنجليزية عام 1969. اعتبره الكثير من المفكريين أصحاب الدور الأكبر في تهيئة الجو لقيام ثورة 25 يناير، وذلك من خلال التحركات الثورية والمطالبات التحررية، حيث يعد المسيري من قادة حركة المعارضة ضد مبارك ومشروع التوريث في الوقت الذي كانت فيه الأحزاب السياسية تكتفي بدور "الكومبارس. بدأ المسيري حياتة السياسية راشقًا عساكر الإنجليز بالحجارة في قريتة الصغيرة بدمنهور، ومن خلال مجلة حائط كان يعبر فيها هو وشباب قريته عن سخطهم على أحوال البلاد من الاحتلال الإنجليزي والفساد، خرج في المظاهرات ضد الملك فاروق وهو في الثانية عشر من عمره. المسيري من الإخوان للماركسيين قضى المسيري بجماعة الإخوان المسلمين فترة قصيرة حتى تركها وانتقل إلى الحزب الماركسي بالإسكندرية، وسرعان ما تركه أيضًا لما شاهده من انحلال خلقي في تصرفات رفقائه، بجانب أن ثورتهم منطلقة من حقد طبقي أكثر منها إيمان بأهمية إقامة العدل في الأرض، والدليل أن أحدهم حينما تتاح له فرص الثراء لا يختلف عن أي مستغل طبقي للكادحين. ولم يندم المسيري سواء على تجربته مع الماركسيين أو الإخوان، وأكد أنه استفاد من هذه التجربة في إدراك قيمة اللحظة التاريخية في حياة الأفراد والأمم، كما أنها دعمت اتجاهه لرفض الظلم والاستغلال، وعلى الرغم من تعرض عائلة المسيري لقانون الإقطاع وتأميم مصانعهم فإنه انضم لهيئة التحرير بعد الثورة. المسيري ومشروعه الفكري عمل المسيري بعد عودته من الولاياتالمتحدة بالتدريس في جامعة عين شمس وفي عدة جامعات عربية من أهمها جامعة الملك سعود، كما عمل أستاذًا زائرًا في أكاديمية ناصر العسكرية، والجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، وعضو مجلس الخبراء في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام حتى عام 1975 حين اعترض على معاهدة كامب ديفيد وقاوم التطبيع. للمسيري العديد من المؤلفات منها: "نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني"، و"الأقليات اليهودية بين التجارة والإدعاء القومي"، "إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد"، العنصرية الصهيونية "اليد الخفية: دراسة في الحركات اليهودية، الهدامة والسرية"، "مختارات من الشعر الرومانتيكي الإنجليزي"، الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية"، "الاستعمار الصهيوني وتطبيع الشخصية اليهودية"، "الجمعيات السرية في العالم"، هذا إلى جانب موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية"، وهي الأشهر والأكثر انتشارًا والمشروع الأكبر الذي كلفه عناء طويل وخطورة شديدة. تعرض المسيري للكثير من التهديدات أثناء كتابته "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، وخاصة من نشطاء الحركة الصهيونية، حتى سُرقت محتويات منزله بما فيها رسالة الدكتوراة لزوجته بولاية نيوجيرسي، بخلاف عشرات التهديدات بالقتل إن لم يتوقف عن مهاجمة إسرائيل وأشهر المنظمات التي قامت بذلك جماعة "كاخ" الإرهابية الصهيونية، حتى عينت الشرطة المصرية جنديين لحمايته. تُرجمت بعض أعمال المسيري إلى الإنجليزية والفارسية والتركية والبرتغالية، وسيصدر هذا العام الترجمة الفرنسية والإنجليزية ل"سيرتي الغير ذاتية والغير موضوعية، رحلتي الفكرية"، كما سيصدر كتابه "دراسات في الصهيونية" باللغة العربية والإنجليزية والعبرية. نال المسيري عدة جوائز من بينها جائزة أحسن كتاب في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام (2000) عن موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، ثم عام (2001) عن كتاب رحلتي الفكرية، وجائزة العويس عام (2002) عن مجمل إنتاجه الفكري. كما حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب لعام (2004)، كما حصل على عدة جوائز محلية وعالمية عن قصصه وديوان الشعر للأطفال. المسيري والتطبيع يرى المسيري أن إسرائيل استطاعت تغيير طريقة إدراك شعبها؛ فهي دولة أقامها ملاحدة وليسوا متدينين، وهدفها الحقيقي هو أن تكون جيبًا استعماريًا غربيًا في المنطقة وأن تتخلص أوروبا من اليهود وترسلهم لفلسطين وبذلك تتخلص من العرب هناك أيضًا، ونجد حتى اليوم أن الولاياتالمتحدة تعطي إسرائيل سنويًا 10 بلايين دولار مقابل أن تصبح الأخيرة قاعدة لها منخفضة التكاليف في حوض الأبيض المتوسط. كان المسيري يرافض معاهدة كامب ديفيد، ورياح التطبيع التي بدأت بعدها، وهو ما أثّر على حياته المهنية حيث تخل عنه مركز الدراسات للدرسات السياسية بالأهرام لتبنيه ذلك الموقف الرافض للمعاهدة في ظل بدء التطبيع، ورفض المسيري التهويل من نظرية المؤامرة الأمريكية والصهيونية مع اعترافه بوجودها، قائلًا: "هذا الأمر سيدفع العرب للاستسلام، بينما لو نظرنا للمقاومين على أرض الواقع في فلسطين سنجدهم يتعاملون مع الإسرائيليين كبشر جبناء يمكن هزيمتهم". المسيري وثورة 25 يناير شارك المسيري في تأسيس الحركة المصرية من أجل التغير "كفاية"، وتولى منصب المنسق العام لها عام 2007، وكانت "كفاية" أولى الحركات السياسية الناشئة في ظل نظام مبارك القمعي، وأول من اشعلت الحراك السياسي في مصر من خلال عدد من التظاهرات بعد انتخاب مبارك لولاية أخرى في 2005، وقد تعرض المسيري على أثر تلك الاحتجاجات لمجموعة من الاعتقالات. اليوم تحين الذكري الثالثة، بعد ثورة 25 يناير، حيث اعتبره النشطاء الملهم للثورة وأحد كبار قادة المعارضة في مصر الذي تبنى أفكار التغيير والإصلاح السياسي، بل إن البعض يعتبره أحد مفجري ثورة 25 يناير، ومن وضع اللبنات الأولى للمعارضة المصرية الحقيقية بعيدًا عن الأحزاب التي كانت بالية متهتكة في الشارع السياسي المصري.