تولى على بن أبى طالب منصب خليفة المسلمين بعد ثورة قامت ضد الخليفة الثالث عثمان بن عفان أدت إلى استشهاده، وكان أغلب الثوار من «المتشيعين» لعلى فحاصروه برغبتهم فى تولى الخلافة حتى استجاب لهم، لكن الأمر لم يستقم للخليفة الجديد، إذ فوجئ بتكون عدة مراكز للمناوأة، أو جيوب النقمة التى ترفض توليه السلطة، كان أخطرها رفض عائشة بنت أبى بكر رضى الله عنها مبايعته، وتحالفت مع «طلحة والزبير» فى أمر التمرد عليه، لكن الخطر الأكبر كان مصدره الشام حيث كان «معاوية» والياً عليها، وكانت الحجة التى يرفعها الفريقان فى وجه «على» تتمثل فى القصاص لدم «عثمان» الذى قتل مظلوماً، ولم يكن من اليسير على «على» أن يحقق لهما هذا المطلب، فى ظل سيطرة الثوار على المشهد بعد استشهاد «عثمان» وحالة الهرج التى سيطرت على المدينة لعدة أيام، وتحول الثوار الذين انتفضوا ضد الظلم إلى أدوات لظلم الآخرين، وكأنها دائرة مفرغة لا تنتهى، ينتفض فيها المظلومون ضد الظالمين، وفى لحظة النصر أو ركوب المشهد يتحول المظلوم إلى ظالم!. كان من الممكن لعلى أن يقتص لدم «عثمان»، لكن المشكلة أن شركاء دمه كانوا كثراً بدرجة كانت ستدفعه إلى الدخول فى حرب حقيقية ضدهم، آثر أن يبتعد عنها، لكنه وجد نفسه وجهاً لوجه مع جيوب نقمة أشد خطراً. خاض «على» معركته الأولى ضد «طلحة والزبير» ومعهما السيدة عائشة فى موقعة «الجمل»، التى سميت بهذا الاسم نسبة إلى الجمل الذى كانت تمتطيه زوج النبى لتحرض أتباعها على قتال «على» وأشياعه. وأهرق الدم المسلم بغزارة، إذ لم يعد الأمر مقصوراً على اغتيال خليفة كما حدث مع عثمان، بل أصبحت حرباً ضروساً بين فرقاء على السلطة من شيعة «على» وأتباع «عائشة». وانتهى يوم الجمل -كما يشير ابن كثير- وقد قتل من الفريقين عشرة آلاف؛ خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء. وقد طلب بعض أصحاب «على» منه أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة والزبير، فأبى «على» فما كان من أحد أتباعه إلا أن قال كيف يحل لنا دماؤهم ولا يحل لنا أموالهم؟! فبلغ ذلك علياً فقال: أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين فى سهمه؟. فسكت القوم. وحاول «على» مراضاتهم من باب آخر، وذلك أنه حينما دخل البصرة فض فى أصحابه أموال بيت المال، فنال كل رجل منهم خمسمائة وقال: لكم مثلها من الشام (يقصد بعد القضاء على معاوية). هكذا دائماً لا بد لصراع الدم أن يكون له ثمن يبحث عنه الطرف الذى يظفر بمنافسه، ويكاد يكون البحث عن المغانم وحصد المكاسب هو قانون الصراع السياسى فى كل زمان ومكان. كان أشياع «على» يفهمون هذا الأمر جيداً، لكن علياً فى المقابل كان رجلاً تحركه دوافع دينية بحتة، فما كان منه إلا أن ذكرهم بدينهم فى تلك الإشارة: (أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين فى سهمه؟!)، واجتهد بعد ذلك فى إرضائهم من باب آخر!. كانت الواقعة الثانية فى صفين، وكانت أدهى وأمرّ من الأولى، حين التقى جيش العراق بقيادة على بن أبى طالب، وجيش الشام بقيادة معاوية بن أبى سفيان، ظل القوم يتقاتلون فيما بينهم عدة أسابيع دون أن يظهر طرف على الآخر بشكل حاسم، وجاءت لحظة كاد أن يظهر فيها جيش العراق، فلجأ معاوية إلى حيلة رفع المصاحف على أسنة رماح جنوده بنصيحة من عمرو بن العاص، وانتهى الأمر بفكرة التحكيم التى أدارها أبوموسى الأشعرى وعمرو بن العاص ب«دومة الجندل»، وانتهت بالخدعة الشهيرة من جانب عمرو بن العاص بتثبيت صاحبه (معاوية) رغم أنه توافق مع أبى موسى على خلع الاثنين وترك الأمر للمسلمين يختارون لأنفسهم. لحظتها صرخ أبوموسى فى وجه ابن العاص قائلاً: «فمثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث»، ورد عليه الآخر «ومثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً». وقد شهدت موقعة صفين مقتلة عظيمة بين شيعة على وأتباع معاوية، إذ قتل فيها سبعون ألفاً من المسلمين، من بينهم خمسة وأربعون ألفاً من صفوف معاوية، وخمسة وعشرون ألفاً من صفوف على. وانتهى المشهد الدامى بمشهد آخر أشد دموية عندما اغتال «عبدالرحمن بن عمرو» المعروف ب«ابن ملجم» على بن أبى طالب بعد أن خاض الأخير معركة شهيرة ضد الخوارج الذين أعلنوا كفره بسبب قبوله فكرة التحكيم وكان ذلك فى موقعة «النهروان». وبهذه النهاية بدأت شجرة البؤس تكبر أكثر فأكثر، بعد أن روتها دماء غزيرة!.