استغربت حالة الغضب التى تملكت كثيرين بسبب ترويج أنصار الإخوان «هاشتاج» مسيئاً إلى «السيسى» على «تويتر»، كما اندهشت لتصريحات نُسبت إلى وزارة الداخلية يُفهم منها أن الوزارة ستلاحق أصحاب الهاشتاج!.. الاستغراب والدهشة سببهما أن الغاضبين يتعاملون مع المهللين لتلك الإساءة على أساس أن أصحابها أناسٌ يتمتعون بحالة نفسية طبيعية، وهذا فى واقع الأمر خطأٌ كبير!.. تعالوا نحسبها معاً.. لو تأملنا المشهد بقليل من الإمعان سنجد واقعاً يقول باندثار المليونيات (وفى رواية أخرى الملياريات) التى كانت جماعة الإخوان تستعرض خلالها عضلاتها، فضلاً عن غياب المنصات التى كان أبطالها يملأون الدنيا وعيداً وتهديداً، وإغلاق الفضائيات (الدينية) التى استخدمها أصحابها فى إرسال اللعنات وفتاوى التكفير والتحريض لخصوم الجماعة.. زد على ذلك ضياع الأمل فى فشل الاستفتاء على الدستور، وصدمة خروج الملايين للتصويت على مدنية الدولة ورفض حكم العشيرة التى أراد خيرت الشاطر وضع قواعدها فى مصر، والتى لم تجذب إليها إلا القوى التكفيرية والجماعات الإرهابية المتحالفة مع الإخوان!.. كل ما تقدم كان يمثل انتصاراتٍ كبيرة للجماعة، لكنها -ولحسن الحظ- غابت بإرادة غالبية المصريين الذين خرجوا فى 30 يونيو، لذا لم يتبق سوى اللهاث خلف انتصارات صغيرة، بعضها مضحكٌ وأكثرها مثيرٌ للشفقة! يجلس الإخوانى فى مقهى على كورنيش الدوحة، أو فى شقة مستأجرة بأموال التنظيم الدولى فى إسطنبول، يتابع شاشة «الجزيرة مباشر مصر» مقسمة إلى أربع نوافذ، تعرض كل واحدة تجمعاً فى «أطفيح» أو «العدوة» مصحوبة بعبارات رنانة على شاكلة «حشود جماهيرية تعارض الانقلاب».. يفرك يديه فرحاً حين يتابع مشهد تحطيم مكتب عميد كلية، أو تخريب مبنى جامعى، أو حرق سيارة ضابط شرطة، وقد يرقص طرباً حين يأتيه نبأ مقتل مجموعة من الجنود الغلابة أثناء نومهم فى وحدة عسكرية، أو ذبح سائق تاكسى أو مواطنة مسيحية الديانة أوقعهما حظها العاثر فى طريق مسيرة إخوانية!.. هذا بعضُ ما تبقى لأيتام الجماعة ليشعروا بطعم انتصارٍ صغير يعوض غياب الانتصارات الكبيرة!.. راهن قادتهم على الغرب، أصدروا الأوامر كى يرفع الأنصار شعارات بالإنجليزية.. جابوا البلدان بنشاط وتنقلوا بخفة بين القارات الخمس، مبتسمين للكاميرات والفلاشات رافعين علامة رابعة.. عاشوا أحلاماً وردية حين بشرهم «جون ماكين» فى أغسطس الماضى بقرب اشتعال الحرب الأهلية.. لكن الملل أصابهم من النظر فى ساعاتٍ ضبطوها على الموعد المنتظر.. فهموا أن البُشرى ذهبت مع الريح، فلم يعد أمامهم سوى إراقة دماء بعض الأبرياء بين حين وآخر.. يوقنون فى قرارة أنفسهم أن ذلك لا يكفى لتتحقق رغبة العم ماكين، لكنهم يعملون بمبدأ ما لا يُدرك كله لا يُترك كله.. على الأقل من باب ترويع ومعاقبة «عبيد البيادة» الذين انحازوا للدولة على حساب الجماعة.. أما لو سقط أحد «الأحرار» أو إحدى «الحرائر» فى مواجهة مع الأمن، فالفائدة أكبر.. عندها ستصبح الفرصة سانحة للمتاجرة بالدماء وللعزف على لحن المظلومية المشروخ!.. إذن هل من المنطق أن يغضب عاقلٌ من فرحة هؤلاء بهاشتاج بذىء على «تويتر»؟!.. هل نسى الجميع الهاشتاج الشهير «الانقلاب - يحتضر» الذى لم يفكر أحدٌ فى سؤال أصحابه: هل ما زال الانقلاب فى مرحلة الاحتضار طيلة الشهور الماضية أم أنه أسلم الروح إلى بارئها؟!.. الحق أقول ودون مبالغة إننى أشعر بطمأنينة صافية حين أتابع ما يعتبره أنصار الإخوان فى مصر والبلدان العربية انتصارات على مواقع التواصل الاجتماعى.. أتذكر ما كتبه أحدهم وهو صحفى فى قناة شهيرة صبيحة 30 يونيو عن خلو ميادين مصر من معارضى حكم الإخوان، وعند الظهيرة بدأ الحديث عن دفع الجيش مجنديه فى ميدان التحرير.. وحين امتلأ الميدان عن آخره كتب يقول إن سعة الميدان لا تتجاوز 300 ألف شخص، رغم أن القناة التى يعمل بها صاحبنا أعلنت أن أكثر من مليونى شخص احتشدوا فى التحرير، احتفالاً بسقوط نظام مبارك!.. هل من العدل أن يستكثر أحدٌ على أمثال أخينا نشوة طفولية بهاشتاج بذىء حقق رواجاً على «تويتر»؟!.. لماذا لا يفكر الغاضبون أن غالبية الشعب المصرى نجحت فى الحفاظ على هوية الدولة، رغم الإرهاب الدبلوماسى الذى مارسته واشنطن وشقيقاتها الأوروبيات، والإرهاب الفعلى الذى يمارسه أنصار الإخوان وأيتام أسامة بن لادن؟!.. لماذا لا يتذكر الممتعضون أن المصريين كتبوا دستوراً يعبر عن مختلف فئات الشعب، ويستعدون لانتخاب رئيس ثم برلمان جديدين ويصبرون على أخطاء كثيرة تقع يومياً من الإدارة الحالية؟!.. لا أبالغ فى القول إننى أتمنى أن أستيقظ كل صباح فأجد أنصار الإخوان فى الداخل والخارج قد اخترعوا «هاشتاج» جديداً، حتى لو كان يقطر سُماً وبذاءةً، لينشغلوا به.. ذلك أفضل جداً من انشغالهم بصناعة قنابل وعبوات ناسفة تزهق أرواحاً بريئة.. إنه تعويضٌ عن معاناة نفسية شديدة لأناس انتظروا أكثر من ثمانية عقود الوصول إلى السلطة، ولما تحقق لهم المراد مارسوا كل أنواع الكذب والخداع والتدليس والنفاق والعنف والإرهاب، فاستحقوا أن يلفظهم المصريون.. أرجوكم اتركوا لهم الشعور بالانتصارات الصغيرة!