عندما تزور برشلونة، أثناء العيد الوطنى والقومى لإقليم كاتالونيا، فحتماً ستتضاعف متعتك عشرات المرات، من الممكن أن تفقد متعة الشوبنج وشراء المنتجات الإسبانية الأنيقة، لأن كل المحلات والمولات مغلقة ولكن من المؤكد أنك لن تفقد متعة مشاهدة شعب يعشق الحياة وهو يحتفل بعيده، وهو يصنع البهجة، وهو مصمم على الفرح، وهو يغنى، وهو يرقص، وهو يحلم، ستعرف يعنى إيه احتفال بعيد وطنى بجد! ليس حاجزاً بينك وبين الغناء أن يكون صوتك مشروخاً أو مبحوحاً أو خشناً أو أجشاً، المهم أن تغنى وتعيش نشوة الغناء، ليس عائقاً أمام أن ترقص أن تكون بديناً أو مكعبراً أو متيبس الأطراف خشن الركبتين تشكو من آلام العمود الفقرى، شاهدت من هم على عكاز ومن يجلسون على كراسٍ متحركة وهم يتمايلون بأكتافهم على نغمات الموسيقى، يبتسمون فى سلام وحب، مندمجين مع المجموع ومنصهرين مع المواطنين والسياح وكل أجناس البشر، ليس سداً منيعاً أمام اندماجك وانصهارك مع أهل برشلونة العاشقين لإقليمهم أن تكون غير كاتالونى، بل يكفى أن تشاركهم طقس البهجة، هو فعلاً طقس ولكننا للأسف لا نجيده، من الممكن أن تتعرف على المصرى هناك أثناء هذا الفرح الشعبى، ليس من ملامحه ولا من لغته ولا من لون بشرته، لكن من الممكن أن تتعرف عليه وعليها طبعاً من الخوف من المشاركة والاندماج فى الشارع مع الناس فى هذا الطقس الجميل، وكأنه يعانى من تخشب صرع أو تشنج موت، وكأنه استدعى من تاريخه فن التحنيط فتحول إلى مومياء، ولو تحرك يتحرك وكأنه روبوت، من فرط احتفائنا بالموت نسينا الحياة، حتى فى الأفراح بنمثل إننا فرحانين ومش بنفرح حقيقى، بنوكل ناس عننا عشان تفرح لنا! حتى فى أكتوبر ننتج أوبريتات يكسب منها الممثلون والملحنون والأرزقية، ونحن الناس والشعب والمصريين ليس لنا أى دور إلا الفرجة فقط! هل تعرفون كيف نطبق حظر وعزل الإخوان فعلاً وبحق وحقيقى؟ بالبهجة وبأن نمارس الاحتفال الحقيقى والفرح الحقيقى ولتكن البداية أكتوبر، نخرج من احتفالات النشا الرسمية من داخل المسارح المغلقة إلى الشارع، لم يعد يجدى تأجير من يفرح لنا بالوكالة، لم يعد ينفع من يبتهج لنا بورقة توكيل من الشهر العقارى! نحن من صنعنا الثورة ونحن الذين يجب أن نفرح بها، نحن من سنغنى وليس محمد ثروت، ونحن من سيلحن وليس جمال سلامة، سنرقص وكأننا نطير حتى ولو كانت أجسامنا مشوهة مبعجرة بتأثير الأنتخة المصرى، ورياضة القفز من على سلالم الأتوبيس، اللبنانيون الشعب العربى الوحيد اللى بيعرف يبهج نفسه، فى عز الحرب الأهلية ورعبها ونكدها كانوا يرقصون ويغنون وينيرون ظلام بيروت بأوتار قيثاراتهم وحناجرهم، لنكن مثلهم، وكما يوجد عندنا للموت عدودة شعبية ننفرد بها عن باقى دول العالم، لا بد أن نستعيد صناعة الفرح الشعبى والأغنية الشعبية التى تنطلق من حناجر الناس لا من حنجرة سعد الصغير، هل نستطيع أن نفرح ونتحايل على الحياة ونراوغ الإرهاب ونخنق الكآبة والغباء الإخوانى بالبهجة التى لا ترتبط بغنى وفقر، فهى فطرة من الممكن أن تكون غموساً للفقير أو رباط عنق للغنى! لا نريد أوبريتات وسط الحراسات ولكننا نريد مؤسسات بهجة فى شوارع مصر، فى الهواء الطلق بلا حراسة وبلا بروتوكول وبلا رسميات وجلسات كوكتيل، نريد شم نسيم أكتوبرى جماعى يشارك فيه الجميع بدون فتاوى التحريم البرهامية، بطعم الرنجة والملانة والمرجيحة والجنينة والبالونة والبيض الملون.. إلخ، هل نستطيع اختراع البهجة؟