صحيح أن القضاء فى مصر لم يستكمل استقلاله كاملاً، وأن بعض القوانين فى مصر يحتاج إلى إعادة نظر ولكن مواجهة هذه النواقص لا تكون بإهدار أحكام القضاء. تقوم الدولة الحديثة على مبدأ سيادة القانون واحترام أحكام القضاء والتداول السلمى للسلطة، وقد سارت مصر فى طريق بناء الدولة الحديثة منذ عصر محمد على باشا وتوفرت لها هذه المقومات تدريجياً عبر مائتى سنة من النضال المتواصل والتضحيات المستمرة لبلوغ هذا الهدف، وكانت مصر رابع دولة فى العالم تقيم مجلساً تشريعياً منتخباً وتملك دستوراً، واستقر تدريجياً مبدأ سيادة القانون فامتلكت مصر خلال هذه الفترة منظومة القوانين الجنائية والمدنية على أرقى مستوى، وساهم كبار القانونيين المصريين فى تمكين الدول العربية من صياغة دساتيرها وقوانينها استناداً إلى الخبرة المصرية الراقية، ورغم محاولات حكومات الأقلية قبل 1952 والحكومات السلطوية بعد 1952 اختراق هذه المنظومة القانونية بقوانين استثنائية وبأشكال من القضاء الاستثنائى فإنها احتفظت بالمقومات الأساسية لدولة القانون، وكان أملنا كبيراً فى أن تفتح ثورة 25 يناير الباب واسعاً أمام استكمال التطور الديمقراطى لمصر وإنهاء كافة صور القضاء الاستثنائى والقوانين المقيدة للحريات، إلا أننا نمر هذه الأيام بامتحان عصيب، حيث ترفض بعض سلطات الدولة تنفيذ أحكام القضاء، ويروج البعض لهذا الرفض بأن القضاء تم اختراقه فى عهد مبارك ويشككون فى المحاكم بما فى ذلك المحكمة الدستورية العليا، ويعيبون عليها أن معظم قضاتها تم تعيينهم فى العهد السابق. بدأت الأزمة الراهنة بحكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية بعض مواد قانون انتخاب مجلس الشعب وقضت بالتالى ببطلان تشكيل هذا المجلس، فأصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة قراراً بحل المجلس تنفيذاً لهذا الحكم، ولكن رئيس الجمهورية المنتخب أصدر قراراً جمهورياً بعودة المجلس المنحل، واستشكل بعض المواطنين أمام المحكمة الدستورية فى هذا القرار باعتباره التفافاً وتعطيلاً لتنفيذ حكم حل مجلس الشعب، فأصدرت المحكمة الدستورية حكماً جديداً يوم الثلاثاء الماضى بإيقاف تنفيذ القرار الجمهورى، وتعرضت لذلك لحملة تشكيك فى مصداقيتها وصلت إلى حد وصف حكمها بأنه منعدم وأنها زورت حكمها الأول، ووصف بعض المشاركين فى تجمع الإخوان المسلمين بميدان التحرير هذا الحكم بأنه بلطجة قضائية وطالبوا بحل المحكمة وإعادة تشكيلها بقرار من رئيس الجمهورية، وهكذا فإننا نقف الآن فى مفترق طرق، إما أن نحترم أحكام القضاء وتنفيذها أو أن تتجه مصر إلى عصر من الفوضى وحكم الغاب، خاصة أن أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين اعتدوا بالضرب وكادوا يفتكون بشخصيات مختلفة معهم، مثل النواب حمدى الفخرانى وأبوالعز الحريرى وعاطف مغاورى، وبدلاً من احترام المنافسة السياسية السلمية يتم استخدام العنف مع الخصوم السياسيين، وبدلاً من تنفيذ أحكام القضاء يتم التلويح باللجوء إلى الاستفتاء حول هذه الأحكام ويبررون ذلك بأن سلطة الشعب المباشرة أعلى من أى سلطة أخرى وهى قولة حق يراد بها باطل، ونحن الآن أمام امتحان عصيب إما أن نخضع لأحكام القضاء ونحترم مبدأ سيادة القانون أو نبدأ عصر الفوضى فى مصر ونتحمل بذلك وزر هذه الجريمة والردة الحضارية، صحيح أن القضاء فى مصر لم يستكمل استقلاله كاملاً، وأن بعض القوانين فى مصر تحتاج إلى إعادة نظر ولكن مواجهة هذه النواقص لا تكون بإهدار أحكام القضاء والخروج على مبدأ سيادة القانون بل يجب أن ننفذ الأحكام ونحترم القوانين ونناضل فى الوقت نفسه من أجل تطوير القضاء وتصفية القوانين الاستثنائية واحترام المنافسة السياسية السلمية، وإلا فإننا سوف ندخل عصر دولة الغاب بديلاً عن دولة القانون ويا لها من ردة ويا لها من فضيحة لشعب قدم للبشرية أرقى صور الحضارة الإنسانية.