أحب معظم ما كتبته نشوى الحوفى وأعرف أننى لا أستطيع مقاومة أى مقال أو تحقيق صحفى بتوقيعها حيث أخرج دائماً بمعلومة جديدة أو أستفيد من رؤيتها كمواطنة موهوبة فى عمر أصغر من سن ابنى.. أى باختصار أعتبر نشوى ابنتى لاسيما فى شجاعتها واتساقها الروحى وأدبها الجم الذى لا يمنعها من قول الحقيقة.. وكنت قد اكتشفت فى نشوى، أديبة من نوع خاص فى أول أعمالها، على ما أعتقد وهو كتاب «بلاد الله» عندما سحبتنى من يدى ومن أى شىء يمكن أن يشغلنى وجابت بى بلاد الله لخلق الله.. وأمس فتحت كتاب نشوى الجديد وعنوانه: «يا نخبة ما تمت» طبعاً العنوان تراجى كوميدى أى أنه مفجع وساخر فى ذات الوقت يضحكك ويبكيك فى نفس واحد.. وما إن بدأت الصفحات الأولى حتى استنفرت التالية كل حواسى وأنا أستعيد معها أيام العامين الماضيين منذ اندلاع ثورة يناير وحتى شهور قليلة، كشفت الكاتبة الواعية الرائعة كواليس ما عشناه وأجابت عن أسئلة كثيرة تحلق فى الهواء وتبدو مستغلقة على الفهم والتصديق.. من النخبة الدينية إلى العسكرية، المجلس الأعلى للقوات المسلحة وأدائه المرتبك والمربك.. نخبة رجال الأعمال ودور الولاياتالمتحدةالأمريكية والصراعات بين النخب السياسية ودور الإخوان المسلمين بتطورات مواقفهم أو بالأحرى بتبدل مواقفهم حسب الظروف والحاجة وكذلك النخبة الإعلامية والثقافية، كانت أيادى هذه النخب تطبق على الرقبة، فتكاد تخنقها أحياناً وكأن «النخبة» بتنوعاتها استحالت فى مراحل متعاقبة من نعمة إلى نقمة وفى كل عتاب أو سخط أو خيبة أمل فى كل من هذه النخب، كان المواطن المطحون الذى حلم بمصر العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية هو الشغل الشاغل للكاتبة، ترى الأمور بمنظاره غير عابئة بكشف أسماء من خذلوه وخذلوا حلمه فى الانعتاق، مستشهدة بمحمد إقبال: فإلى متى صمتى وحولى أمة.. يلهو بها السلطان والدرويش.. هذا بسنجته وذاك بسيفه.. وكلاهما معاً نكد يعيش لدرجة أننا كثيراً ما نظن أننا أبطال العرض نصول ونجول ونعلى أصواتنا ونؤكد على مخارج الكلمات ظناً منا أننا الفاعلون ولكن الكارثة فى لعبة السياسة فى مصر والتى يكتشفها الشعب متأخراً أننا غالبنا ما نكون كومبارس ضمن المجاميع! تؤكد لك نشوى هذا المعنى فى مناورات النخب بدءاً من الدينية مروراً بالعسكرية والسياسية وانتهاء بالثقافية والتى ساهمت جميعها بطريقة أو أخرى باستمرار بؤس الشعب من واقع التقارير التنموية الدولية التى تؤكد غياب عدالة التوزيع فى مصر عبر امتلاك قلة لا تتجاوز 5٪، نحو 95٪ من ثروات مصر ودخلها، بينما لا يحصل 95٪ من المصريين إلا على 5٪ من دخل البلاد حتى صار الفقر فى مصر بالوراثة، استشهدت الكاتبة بتجربة المصالحة الوطنية التى قادها نيلسون مانديلا فى جنوب أفريقيا التى كان عمادها الصدق والإخلاص للحلم الجماعى، فيما لم تصدق نخبتنا الناس، فاختلفت وبحثت عن مصالحها ورؤاها، فافترقت ولم تتوحد تحت حلم الجموع، فانتحرت! لم أستطع أن أترك الكتاب من يدى وأنا أتابع بشوق للمعرفة لما استغلق علىّّ حتى الصفحة الأخيرة والتى ختمتها نشوى بنغمة أمل صادق وثقة أكيدة فى شباب مصر الواعد ودعم شرفائها من الأجيال التى سبقته بحتمية انتصار الحلم، لا أدرى كيف أصف الكتاب بأسلوبه الأدبى الراقى وغزارة المعلومات التى حصلت عليها بجهدها الإنسانى قبل الصحفى والإعلامى، كل ما أستطيع قوله إنه من أجمل ما قرأت من كتب فى المرحلة الأخيرة وأكثر ثراءً من كل جانب.. وأتمنى أن يقرأه الملايين فى مصر والعالم، ومبروك لنشوى على هذا العمل البديع.. ومبروك لنا هذا الكتاب!