هام من عميد كلية التجارة بشأن فكرة تخفيض مدة الدراسة ل 3 سنوات    وزير الداخلية مهنئًا البابا تواضروس: الكنيسة لها مواقف وطنية سجلها التاريخ    الرئيس السيسي يؤكد لوزير خارجية السعودية حرص بلاده على تعزيز علاقات التعاون مع المملكة    رسميًا.. إقالة أموريم من تدريب مانشستر يونايتد    ثقافة المنوفية: تنظيم 40 نشاط ثقافي وفني لتعزيز القيم الإيجابية وتنمية المواهب    مجلس الشيوخ يوافق على إعادة تقدير فرض الضريبة على العقارات لمدة 5 سنوات    استقرار اسعار الاسمنت اليوم الإثنين 5يناير 2026 فى المنيا    انقطاع المياه عن مناطق بالمحلة لإحلال وتجديد خطوط الشرب    ستاندرد تشارترد تتوقع دخول مصر عام 2026 بوضع اقتصادي كلي أكثر قوة    سعر كرتونة البيض اليوم الإثنين في بورصة الدواجن    "عاشور": خطة طموحة لعام 2026 لدعم مسارات التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار والتعاون الدولي    "العمل": 7293 فرصة عمل جديدة في 12 محافظة    فرنسا تعرب عن تضامنها مع الدنمارك فى أعقاب تهديدات ترامب بشأن «جرينلاند»    مد غزة ب148 ألف سلة غذائية وملابس شتوية ضمن قافلة زاد العزة ال109    الدفاع المدني يعلّق إزالة أخطار المباني المتضررة بسبب نفاد الوقود في غزة    رئيس جامعة بنها الأهلية ونائب الشؤون الأكاديمية يتفقدان امتحانات الفصل الدراسي الأول    أمم أفريقيا 2025.. تشكيل منتخب مصر المتوقع أمام بنين    جونزالو جارسيا: ألعب مع الأفضل في العالم.. ومن الصعب اختيار هدف من الثلاثة    تخفيض الراتب يحدد مصير ميكالى من تدريب الزمالك    بحثًا عن دقائق اللعب.. البليهي يدرس الرحيل عن الهلال    طالبت بإقالة سلوت.. جماهير ليفربول تنصر صلاح    ضبط 99 ألف مخالفة مرورية و58 حالة تعاطى مخدرات أعلى الطرق    نسيوها داخل الفصل| طفلة تقفز من الطابق للهروب بعد احتجازها بالخطأ داخل مدرسة بالغربية    السكك الحديدية: تطبيق إجراءات السلامة بالقطارات لانخفاض مستوى الرؤية بسبب الشبورة    عمرو عثمان: تنفيذ 1264 فاعلية بأندية الوقاية لرفع الوعى بخطورة تعاطى المخدرات    عاجل- تحذير من الطقس قبل مواجهة مصر وبنين في كأس أمم إفريقيا.. أمطار رعدية وثلوج ورياح قوية بالمغرب    ضبط 3 سيدات بتهمة استقطاب الرجال عبر تطبيق هاتفي لممارسة أعمال منافية للآداب بالإسكندرية    عاشور يكشف خطة التعليم العالي لعام 2026    الليلة.. عرض مرئي لمسرحية الطوق والإسورة ضمن برنامج أهلا بمهرجان المسرح العربي    تعرف على موعد وشروط التقدم لمسابقة الأم المثالية في أسيوط    الأزهر للفتوى: الغبن والتدليس في البيع والشراء مكسب زائف وبركة تُنزَع    جبل حراء.. شاهدُ البدايات ومَعلمٌ خالد في ذاكرة مكة المكرمة    كيف يقضي المسافر الصلاة الفائتة بعد عودته؟.. الأزهر يجيب    لفتة إنسانية خلال جولة ميدانية.. محافظ أسيوط يتكفل بعلاج مواطن ويوفر له فرصة عمل ووحدة سكنية    سفرة عيد الميلاد المثالية.. وصفات سهلة ولذيذة لتجهيز أطباق العيد في المنزل    محمد سلام يغيب عن دراما رمضان 2026 ويدرس تقديم برنامج تلفزيوني لأول مرة    إنقاذ 28 شخصا على متن مركب سياحي بعد شحوطه في منطقة حماطة    وزيرة التضامن تلتقي مديري مديريات التضامن الاجتماعي بالمحافظات    المكسيك و5 دول آخرى.. لماذا ترفض دول كبرى سيطرة ترامب على نفط فنزويلا؟    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    كوريا الشمالية: التجارب الصاروخية الأخيرة شملت نظام أسلحة فرط صوتي    لميس الحديدي: فيلم الملحد لا يدعو للإلحاد أو يروج له.. وإبراهيم عيسى يطرح دائما أسئلة صعبة    مدير فرع هيئة الرعاية الصحية بجنوب سيناء يتابع التشطيبات النهائية بمستشفى نويبع تمهيدا لافتتاحه    انقاذ شاب تعرض لبتر كامل بإصبع الابهام نتيجه ساطور بمستشفى سوهاج الجامعي    مواعيد مباريات الإثنين 5 يناير - مصر ضد بنين.. ونيجيريا تواجه موزمبيق    وزير الدفاع يهنئ البابا تواضروس بمناسبة عيد الميلاد المجيد (فيديو وصور)    ننشر أسماء المصابين في حادث «صحراوي» قنا    تراجع جديد في أسعار الذهب بمصر مع بداية تعاملات الاثنين 5 يناير 2026    استخدام المروحة والجوارب.. نصائح هامة لمواجهة الشعور بالبرد داخل المنزل    جيمي كيميل يسخر من ترامب في حفل جوائز اختيار النقاد (فيديو)    أيمن منصور: أمم إفريقيا لا تعترف بالأسماء.. وبنين اختبار حقيقي للفراعنة    فيلم «جوازة ولا جنازة».. شريف سلامة يكشف سر انجذابه لشخصية «حسن الدباح»    الاتحاد الأوروبي يدعو واشنطن إلى احترام القانون الدولي وإرادة الشعب الفنزويلي    «قفلت السكة في وشه».. عمرو مصطفى يكشف كواليس أول مكالمة مع الهضبة    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفقيه الدستورى د.جابر نصار يكتب: «الخلطة السرية» «طوارئ وحظر.. وعبقرية شعب..»
نشر في الوطن يوم 08 - 02 - 2013

مما لا شك فيه أن السيد الرئيس وجماعته وأهله وعشيرته يحفظون عن ظهر قلب تاريخ جماعتهم منذ تأسست سنة 1928 وحتى الآن، فدروب هذا التاريخ ومسالكه وإحداثياته فى الوطن وطلاسم وشفرات تنظيمها العلنى والسرى يتلونه صباح مساء ويداومون على أوراد السمع والطاعة لأفكار ومبادئ الجماعة، سواء لمؤسسها الإمام حسن البنا أو لمنظِّرها الأكثر تشدداً الشهيد سيد قطب. وما زلت أتذكر حينما كنت فى المدرسة الثانوية ببلدتى «شرباص» محافظة دمياط كيف كانت الحلقات تُنصب وتلتف لدراسة هذا التراث؟ ابتداءً من رسائل الإمام إلى كتب الشهيد، ومن أهمها بالتأكيد كتاب «معالم فى الطريق» نفس الكلام ونفس الإطار تقريباً كان يتداول فى معسكرات الجماعة التربوية وقد ساقنى قدرى ذات يوم إلى أحد هذه المعسكرات، والتى عقدت فى بورفؤاد بالمدينة الجامعية فى 1979 على ما أتذكر، وعلى مدار الأسبوعين لم يكن يتداول فى أروقة المعسكر غير هذه الكتب وهذا التاريخ. إن هذه الصورة الذهنية لفاعليات الجماعة ولأعضائها تؤكد أن الجماعة استبدلت بتاريخ وطن وأمة تاريخ الجماعة. ولعل هذه الإشكالية هى التى تفسِّر عمق أزمة الجماعة حين قفزت من مربع المعارضة إلى مربع الحكم، ومن مربع ادعاء الاضطهاد من السلطة -حتى ولو شاركوا فيها- إلى مربع استخدام آليات السلطة فى قهر خصومهم ومن يختلف معهم. فأعضاء الحزب والجماعة البارزون لم يجدوا غضاضة أبداً فى التسليم بأحقية الداخلية فى الضرب فى المليان واستخدام وسائل القهر، بل إن حكومتها الرشيدة والمنيرة بقنديلها، وبعد أن منّت على المواطن بتحديد ثلاثة أرغفة له فى اليوم والليلة وخمسة لترات من البنزين ذهبت لتشترى للداخلية طائرات تمكّنها من تحقيق ما كلّفت به، وأتت بوزير داخلية وأسرَّت له بسياسة جديدة تقوم على الالتحام والضرب فى المليان وإغراق الشوارع بالغاز والخرطوش، وأخيراً تعرية وسحل المواطنين وتعذيبهم حتى الموت.
هذه الإشكالية تبرِّر التصريحات الطبيعية جداً والصادقة جداً لأقطاب الجماعة، التى تقلل من قيمة وقامة مصر الدولة والشعب والحضارة والتاريخ، والتى كانت ذروتها فى ما قاله مرشد الجماعة السابق بأنه «طظ فى مصر» هذه التصريحات التى رأى فيها المصريون غرابة وشذوذاً واعتبروها زلة لسان وهى فى الحقيقة تمثل وعى الجماعة، واستراتيجيتها. فالجماعة فوق الدولة والعشيرة فوق الوطن والأهل والأحباب هم الأولى بالمعروف. والأجدر بلملمة الغنائم والحصول على الوظائف والمناصب.
ولذلك فإن الحقيقة التى تكشف عن وجهها كل يوم سافرة واضحة جلية هى أن حكامنا الجدد لا يعلمون ولم يقرأوا تاريخ مصر ولا المصريين وليس لديهم أى معرفة بجغرافيا مصر. صحيح لديهم معرفة بظاهر ريفها ومدنها يأسرون فقراء هذه الأمة بمنحهم وعطاياهم المشروطة ابتغاء الوصول إلى مقاعد البرلمان حتى يستأثروا بمناطق السلطة الدافئة، فقد ألفوا مغانمها ورغبوا فى منافعها، ولم يعبأوا أبداً بتاريخ شعب وأمة وتعاملوا معه كمكعبات وأرقام يهدّدونه حيناً ويقمعونه حيناً ولكنهم لن يستطيعوا كسره أبداً. وقلنا ذلك ونقوله وأثبتته الأيام.
فقد كان قدر محافظات القناة أن تعرّى الزيف والبهتان، كان قدرها أن تنتصر على سياسة الإنهاك والترهيب والتمييز. إن الموقف البطولى لأهلنا فى محافظات القناة؛ بورسعيد الباسلة والإسماعيلية الجميلة الشامخة، والسويس المجاهدة والصابرة، إنما يؤكد أن هذا الشعب لن يضام ولن ينكسر.
يا أيها الأهل والعشيرة، صغيركم وكبيركم، افتحوا كتب التاريخ لكى تعلموا قدر هذه المحافظات وفضلها على مصر والمصريين. لقد كانت هذه المحافظات الثلاث وأهلنا فيها مجاهدين صابرين مدافعين عن مصر كلها، من يعرف حق هذه المحافظات، بالإضافة إلى سيناء التى طواها النسيان حين يسير فى جنبات شوارعها وأزقتها سوف يدرك بطولات هذا الشعب فى دفاعه عن تراب الوطن واستقلاله ضد دنس الصهاينة، لقد كانت هذه المحافظات هى مسرح عمليات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلى لأرض فلسطين سنة 1948 وحتى الآن، فقدوا حياة أحبتهم وفقدوا راحتهم وانتصروا لوطن أدار نظامُه ظهره لهم وفرض عليهم الفقر والحصار والجوع. وحرمَهم من عائد التنمية، حتى عندما تقرر أن تكون بورسعيد منطقة حرة حاربوها وحسدوها وأفسدوها وانتقموا منها. وجعلوا الإسماعيلية محطة راحتهم فوزعوا أراضيها عليهم وحرموا منها أهلها. أما السويس -وما أدراك ما السويس- فقد عذّبوها وأفقروها وحرموها من كل شىء. السويس البطولة والأبطال صاحبة الصدارة الأولى فى الثورة ملهمة الثوار.
إن محافظات القناة هى دُرر التاج التى يجب أن يحتفى بها المصريون. هى الأمان لنا، هم شعب البطولات التى يتحاكاها أهلها صباح مساء يتوارثونها كابراً بعد كابر. هل يعلم الأهل والعشيرة والجماعة صغيرها وكبيرها أن أهلنا فى النضال خاضوا حروب المصريين كلها حتى ولم يكونوا مجندين، فهم دائماً فى الخطوط الأولى، حدث ذلك فى العدوان الثلاثى فى 1956 وما أدراك ما العدوان الثلاثى -يا كبير- وقتها وقف الشعب كله وراء أهل القناة، يشاركون ويجاهدون، وكانت بطولات الفدائيين تُروى فى المقاهى والبيوت، كانت بيوت السويس وأهل السويس وبورسعيد والإسماعيلية منصات للفداء والتضحية. كان صغيرهم كبيراً وكبيرهم بطلاً جاء العدوان، وذهب العدوان، وبقى أهل القناة صامدين مجاهدين. يتأهبون للمعركة القادمة وقد كانت عندما تناحر السياسيون واختلفوا ومُنيت البلاد بهزيمة 1967 كان أهل القناة فى الخطوط الأمامية دفعوا الثمن من حياتهم واستقرارهم شُرّدوا فى كل بقاع مصر، هاجروا من بيوتهم، وتفرّقوا فى البلاد كلها بين العباد. فكانوا أهل فضل وعفاف ومدنية ورقى. ما زلت أذكرهم فى قريتى، كانوا مثالاً للخُلق الكريم والصبر والاحتمال كانوا فى حلهم وترحالهم محل احترام وحب الجميع.
وهل لأحد أن ينكر دور هذه المحافظات الصابرة والمجاهدة فى حرب الاستنزاف وما أدراك أيضاً -يا سيدى- ما حرب الاستنزاف، أشرف وأشرس الحروب التى خاضها المصريون كان أهل القناة -بحسب الجغرافيا وشيم البطولة- فرساناً بالليل والنهار فى مقاومة الاحتلال ومناوءته، وذلك بالتنسيق مع القوات المسلحة، سجلوا أجمل وأروع البطولات المسطورة بحروف من نور فى تاريخ المصريين. ولا يقلل منها أبداً أنها لم تكن مسطورة فى تاريخ الأهل والعشيرة والقبيلة والجماعة. كانت تضحيات أهل القناة جميعهم تأخذ بيد المصريين نحو النصر الذى تحقق فى حرب السادس من أكتوبر درة الانتصارات والبطولات المصرية. إن هذا الجزء العزيز من الشعب المصرى هو جزء أبى يعتز بكرامته، ووطنيته، يصبر على الضيم والإهمال، ولكنه فى كل الأحوال والأوقات يعتز بمصريته ووطنيته يثور على الظلم ولا يقبل الذل، فُرِض عليه التهميش والتجويع والإفقار بسياسات مقصودة وممنهجة ومخططة، قصدتها سلطة توريد إخضاع الشعب، كل الشعب باستبدادها وتكبرها.
كانت مدن القناة وشعبها من أهم مكونات الثورة المصرية، أطلقت شرارتها وبين جنباتها دوى أول هتاف يسقط يسقط النظام، وعلى تراب السويس سقط أول شهيد. كان الهتاف يقصد سقوط كل النظام بأصله وفصله وحوائطه، وديكوراته، بحكمه ومعارضته كان شعب القناة موحياً للأمة كلها وللمصريين جميعهم بضرورة تغيير العتبة بنظام جديد ديمقراطى لا يهمِّش أحداً ولا يستبد بأحد ولا يتنكر بمكون مهم من مكونات الدولة والشعب والثورة. وهو للأسف ما لم يحدث، فالذى تغيّر أن وجوهاً هى التى تغيرت، خرج البعض من السلطة إلى ظلمات السجن والحبس، وإن بدا أنه سجن وحبس مظهرى، والعكس خرج البعض من ظلمات السجون إلى فسحات السلطة ورحابها يدّعون أنهم الأحق بالثورة والسلطة والجاه. ورضيت الثورة والثوار وأملت خيراً، فحليف الأمس وإن قفز على الثورة فهو ينتسب إليها، ولكن للأسف كانت أوراق الانتساب إليها مشكوكاً فيها، فقد كانت كلها بطبيعة الحال حيلة ومدخلاً للقفز والخطف والاحتواء لسلطة وشعب ما زال ثائراً.
ظلت حناجر أهل القناة تهتف -يسقط يسقط النظام- كل نظام لا يحقق أهداف الثورة، وغايتها فى العيش الكريم، والحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية أحلام، طالما طافت إليها أفئدة وأرواح المصريين خروجاً من القهر والاستبداد وسياسات الفقر والتجويع والترويع.
سوق إليهم البعض، أن الثورة قد انتهت وأن المسموح لهم فقط هو الاحتفال الكرنفالى، فقد أصبح لديهم دستور، صحيح أنه مشبوه تم تمريره فى ظل إعلانات دستورية منعدمة ظالمة وقاهرة ووسط انقسام شعبى حاد، لكن ليس مهماً، ولديهم رئيس منتخب، صحيح أنه يمارس السلطة بصورة غير مرضيه لا يتقيّد فيها بأى قيد حتى تلك التى يصدرها، فقد ألفه الشعب مصدراً لقرارات مخالفة للقانون والدستور وأحكام القضاء، مرة تفوت ويأكلها ويأكلها الشعب طوعاً ومرات أخرى وقف لها الشعب بالمرصاد، فتراجع عنها وكأن شيئاً لم يكن!!
ولكن المصريون -وفى القلب منهم أهل القناة- وجدوا أن ثورتهم لا تُثمر، لا فى حجورهم أو حتى بالقرب منها، وإنما كانت كما يقول المثل الشعبى «زى القرع دايماً تمد لبره»، فقد غمرت الجماعة والأهل والعشيرة بفيوض كرمها واحتجبت بفعل فاعل من أن تصل إلى عموم الشعب البائس الذى تلفت يميناً ويساراً فلم يجد لثورته أثر. فهبّ الشعب راجعاً إلى ميادينه يئن، ويحاول استعادة ثورته ودخل على خطوط التماس بهذه الميادين حكم الألتراس فحدث ما حدث والذى هو فى المقام الأول مسئولية السلطة التى ترى انتشار البلطجية فى شوارع المصريين عامل رعب وتفزيع يمكن أن يحقق أهدافه فى وقت من الأوقات، وحسبما تواترت عليه الروايات وقع شعوب محافظات القناة فريسة سهلة لجيوش البلطجية التى اتضح أنها صناعة برعت فى الإلمام بفنونها الأنظمة المستبدة، لكى تؤدِّب بها شعوبها حسب الأحوال وقتما شاءت، وما النظام السورى عنا ببعيد.
أعمل البلطجية فى أهل بورسعيد والسويس تحديداً ذبحاً وتقتيلاً والدولة غائبة؟ ضربوا عليهم النيران الحية وهم يشيعون قتلاهم بغير مبرر، لم يحترموا حرمة الموتى، أهانوا الأجساد حية وميتة. لعن الله الاستبداد فى كل عصر وأوان.
لم تنجح أجهزة الأمن فى شىء، لا فى وقف العنف، ولا فى القبض على البلطجية أو فى إشاعة الأمن والأمان بين الناس. وبدلاً من حسابهم عن تقصيرهم فى ذلك. ومن قبل تقصيرهم فى عدم القبض على البلطجية الذين هم معرفون بالاسم والرسم والسمعة، وكل منهم له رقم معلوم لدى أجهزة الأمن التى لو استطاعت أن تجمعهم بين عشية وضحاها لفعلت، ولكن للبلطجة أصول وفنون واستخدامات لعل المصريين تأكدوا من ذلك منذ قيام الثورة وحتى الآن.
يخطئ من يظن أن كل هذه الكروت المفضوحة يمكن أن تنال من عزيمة شعب ثائر لن يبرح ميادينه حتى تتحقق أهداف ثورته مهما ساوم وكابر ولف ودار السياسيون، فكل ذلك حيل لن تفيد ولن تنفع.
فى ذكرى الثورة خرج المصريون -بعد خطاب روّعهم وخوّفهم- من العودة إلى ميادينهم يهتفون بذات الهتافات، ويطالبون بذات المطالب التى علت بها حناجرهم أيام الثورة الأولى، خرجت القاهرة ودمياط والشرقية والغربية والإسكندرية ومحافظات القناة ومحافظات ومدن أخرى كثيرة، حدث عنف هنا أو هناك بصورة أو بأخرى، وكانت ميادين القاهرة مثالاً لذلك. وماتت زهور من شباب هذه الأمة واحتجب الرئيس يوماً ويومين، واكتفى بتغريدة حسناء ساقها لشعبه عبر «تويتر»، فقد أصبحت موضة. ولما توحش الشعب رئيسه ناداه فخرج عليه مساء يوم الأحد 27/1/2013، وعشية الذكرى الملهمة ليوم دامى من أيام الثورة المصرية وهو يوم 28 يناير، واتخذ الرئيس قراراته لا لكى يصحح الأمر فى مصر كلها ويطرح حلاً سياسياً يفك كرب الوطن والأمة، وإنما يعاقب محافظات القناة. محافظات القناة فقط تُفرض عليها الطوارئ ويحظر فيها التجول، والسلطة معذورة، فلا يوجد فى الوطن سجن يمكن أن يُسجن فيه أهل القناة، فليسجنوا فى بيوتهم ولتقطع أرزاقهم وتغلق محلاتهم. عقاب جماعى يعنى.. مافيش مانع.. كله فى حبك يا مصر يهون وإيه يعنى.. زمان هُجّروا من مساكنهم وخرجوا من مدنهم وتفرقوا بين الوديان وفى الصحراء والبادية.. فليس هناك مشكلة إذا ما تجرّعوا سم الطوارئ وقهر الحظر لا سيما أن جاء هذا وذاك بعد ثورة سالت فيها دماء، وذهب فيها شهداء عند ربهم أحياء يرزقون. هذا ما أرادته السلطة؟
فماذا أراد الشعب.. شعب عبقرى بكل المقاييس أكد تميُّزه وخفة ظله، استقبل أهلنا فى السويس وبورسعيد والإسماعيلية هذه القرارات بترحاب شديد وبسخرية أشد، فظهرت النكات، وكانت مصدراً للتندُّر وللاحتفال وأصبحت «ساعة الحظر ماتتعوضش» وأصبحت ساعات الحظر احتفالات وكرنفالات شعبية وشكراً للسيد الرئيس أن أوجد للشعب وسيلة بسيطة وغير مكلفة للخروج من أجواء الحزن التى سيطرت على المصريين بعد الأحداث الدامية فى القاهرة وبورسعيد والسويس وغيرها.
لقد كانت أخبار الحظر والطوارئ والالتزام بها احتراماً لهيبة سلطة لم يعد لها أى وجود، وتحدياً لسلطة فقدت فاعليتها حين هددت شعباً لا يُهدَّد وأفزعته وقلبه قلب أسد يزأر، فالذى فزع والذى تراجع هو السلطة، فلم تمر غير أيام لا تكتمل بها أصابع اليد الواحدة حتى سقط الحظر وأصبحت الطوارئ بلا فاعلية.
يا سادة إن السلطة لا تمارَس بالقوة وإنما بالهيبة، فإذا سقطت هيبة السلطة فلن تسعفها قوة مهما استجمعت من أدوات القهر والتسلُّط، ومهما اكتنزت من قنابل غاز أو خرطوش أو طائرات شرطية أو حتى طلقات رصاص حية.
إن السبيل الوحيدة للخروج من المأزق الذى وضعت فيه السلطة نفسها ووضعت فيه الشعب أيضاً يكون بالسعى نحو تحقيق أهداف الثورة فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، وهذا كله لن يكون إلا بخطوات حقيقية تسعى نحو الحل دون مراوغة أو تأجيل، وذلك أن استحقاقات هذه الثورة أمر واجب ولا بد من الوفاء به، والمراوغة فيه هلاك للجميع وذهاب بمصر الدولة والشعب إلى جحيم الفوضى والفشل الاقتصادى والسياسى، يومئذ لن تنفع السلطة الوليدة وجه أمريكا المبتسم أو قوة الجماعة الموهومة. ذلك أن التاريخ علّمنا أنه لا يمكن لجماعة أن تعلو على شعب أو تحتكره. ولا يمكن أبداً أن يُسعف سلطة غطاء أجنبى.
إن علماء الأصول فى الشريعة الإسلامية يقولون إن العلم بالشىء فرع عن تصوُّره، ومن لا يعلم أصول الشىء لا يعلم فروعه. على السلطة أن تدرك أن ثورة الشعب حقيقة وأن أهدافها لا بد أن تتحقق، وأن الشعب هو الحارس لأهداف ثورته. سَئِم الاستبداد ولن يقبل من أحد أن يحتكر السلطة أو أن يهدده أو يقهره، فقد فقدت كلمة الطوارئ معناها، وكذلك لم يعد الحظر حظراً.
أهالينا فى القناة خالص تحياتى فقد كنتم دائماً فى الريادة والصدارة دائماً.
استحدثتم فى السياسة مفاهيم جديدة علمتمونا أن فى الطوارئ راحة وسيادة وإثباتاً لإرادة شعب وكسراً لسلطة غاشمة مستبدة. وأثبتم فى الحظر حياة، فاستقيموا يا أولى الألباب، وتوبوا إلى الله وإن تبتم.. فإن التاريخ لن يرحم.
والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل..
د. جابر جاد نصار
أستاذ بكلية الحقوق - ووكيل كلية الحقوق - جامعة القاهرة
والمحامى بالنقض والإدارية العليا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.