استطراداً للحديث الذى بدأته أمس حول المادة رقم (16) من قانون الخدمة المدنية، أريد أن أناقش حدوتة الكفاءات النادرة فى مصر. رئيس الوزراء يريد أن يشتمل القانون على بند يتيح له تعيين من يشاء، ممن يصفهم بالكفاءات النادرة، بمرتبات نادرة بالطبع. وأغلب هؤلاء سيعينون فى وظائف مستشارين داخل وزارات وهيئات الحكومة المختلفة. وحقيقة الأمر أن مصر تزدحم بكفاءات نادرة، فى كافة المجالات.. هذه حقيقة لا مراء فيها، لكن هذه الكفاءات مهمشة مستبعدة من دوائر العمل أو صناعة القرار.. هذه حقيقة لا مراء فيها أيضاً. والسؤال: هل سيبحث رئيس الوزراء وهو يختار «الكفاءات النادرة التى سيعينها فى دولاب حكومته عن الكتلة الطافية المعروفة لديه، أم الكتلة الغاطسة إلى حد الغرق من هذه الكفاءات؟. التجربة تجيب عن هذا السؤال، وتؤكد أننا منذ عقود طويلة من الزمان ندير حياتنا بنظام لا يعتمد على اختيار الأكفأ فى مواقع العمل المختلفة، بل على العكس تماماً هناك اتجاه نحو اختيار الأسوأ، فالكثير من القيادات داخل مجالات العمل المختلفة تهرب من اختيار من تشتم فيه رائحة للكفاءة، خوفاً من المنافسة، وقد عشنا فى غابر الأزمان وسالف العصر والأوان، أجواء كان يدفع فيها رموز المجتمع بالموهوبين، ويفخرون بأنهم قدموهم إلى المجتمع، هذا زمان راح وانقضى، بعد صعود رموز أخرى، وسيطرة أجواء مغايرة لا تعتنى بالبحث عن الموهوبين، قدر ما تهتم بتحطيم المواهب التى تظهر فى طريقها. توريث المناصب على سبيل المثال يعد أحد المؤشرات على تلك الحال التى سيطرت على حياتنا طيلة العقود الماضية، وتواصلت معنا إلى الآن. وهو توجه أدى إلى انزواء الكفاءات النادرة، لتغرق تحت السطح باحثة عمن يمد إليها يد التعويم. انطلاقاً من ذلك يصبح الحديث عن الكفاءات النادرة فارغاً من أى معنى، بل ويصح معه الالتفات إلى ما يثار من كلام حول أنه سيتحول إلى بوابة للتوريث وتعيين المحظوظين من أعضاء الشلة أو الشبكة العائلية، لأن الحكومات المتعاقبة عوّدتنا على أنها تبحث باستمرار عن «الولاءات النادرة»، وليس الكفاءات النادرة، فالولاء أهم بالنسبة لبعض المسئولين من الكفاءة، لأن الكفاءة تنطلق من رؤية ومنهجية معينة فى العمل وتمتلك الأدوات القادرة على تفعيل أفكارها فى الواقع، الأمر الذى يسبب قدراً لا بأس به من الصداع للقيادات، فتميل إلى شراء رأسها من خلال تعيين أصحاب الولاءات الذين تعودوا على السمع والطاعة، وشعارهم فى الحياة «أحلام سيادتك أوامر»، ويؤمنون بأن العقل زائدة دودية، وأن عليهم ألا يجهدوا أنفسهم فى التفكير، وأن يسعوا فقط إلى تنفيذ ما يملى عليهم من أوامر، بل وفى بعض الأحوال لا يوكل إلى أصحاب «الولاءات النادرة» أعمال ليؤدوها داخل مكاتبهم الوثيرة، ليجدوا آخر كل شهر مرتباً غزيراً، يقبضونه نظير الولاء وليس نظير العمل. النكتة فى المسألة أن أصحاب «الولاءات النادرة» لا يتوقفون عن التنظير لأحوال الموظف المصرى، ويتهمونه بالكسل والإهمال، وبلهف المرتب «الملاليمى» آخر كل شهر، وينسون أن الموظف يرقص على الأنغام الصادرة من دف صاحب البيت!.