هل لمؤسسة الأزهر الشريف صورة سياسية، أم أنها مجرد خطوط متقاطعة حسب مجريات الأحداث المهمة؟، بمعنى أدق هل للأزهر دور سياسى واضح، أم كان مسار الأحداث التاريخية هو الذى يجرف ماء السياسة إلى صحن الأزهر بشكل يجعل المشيخة مجبرة على الاشتباك؟ الصورة السياسية لمؤسسة الأزهر تبقى فى ذهن المتلقى والمتعاطى مع تاريخ المؤسسة العريقة مشوشة دوماً وغير مفهومة أو مكتملة، ودائماً وأبداً يقرأها كل تيار وفقاً لاتجاه مصالحه السياسية ووفقاً لطبيعة العلاقة بين المؤسسة والسلطة فى ذلك التوقيت، وبالطبع وفقاً لما يريده هذا التيار السياسى أو ممثله من المؤسسة ومن السلطة، ولذلك فإن قراءة الدور السياسى للأزهر ومحاولة فهمه يحتاج إلى دراسة طبيعة رجال الأزهر أنفسهم، قادة المشيخة ورموزها وعلى الضفة الأخرى دراسة طبيعة الجالس على كرسى السلطة أو تحديداً حدود طموحه ومدى إدراكه أهمية الدائرة الإسلامية فى خلق سطوة وريادة فى المنطقة العربية والإسلامية ككل. للباحث عمار على حسن ورقة مهمة عن تاريخ مشيخة الأزهر يحدد فيها ثلاثة عناصر يرى أنها تشكل الدور السياسى للمشيخة، العنصر الأول: هو شخصية شيخ الأزهر من حيث فهمه للواقع السياسى، وإلى أى اتجاه يميل انحيازه الفكرى والنفسى ولكن الدكتور عمار انتقص هنا أو تغاضى عن المرور على طموح رجل الدين. بعض شيوخ الأزهر تأثرت المؤسسة بحجم طموحهم، من أراد البقاء كثيراً على كرسى المشيخة لم يدخل فى معركة من أى نوع فطال بقاؤه ومعه تحول الأزهر إلى مؤسسة روتينية ملجأ للموظفين، أما أصحاب الطموح فقد عملوا على تطوير المؤسسة وخلق الكوادر فأصبح للأزهر صوت سياسى ودينى وعلمى. العنصر الثانى: يتمثل فى طبيعة السياق الاجتماعى السياسى السائد. ففى الظروف التى كانت السياسة فيها حاضرة وضاغطة إما بفعل الحروب أو القلاقل أو الصراعات الداخلية، كان لا بد للأزهر أن يدلى بدلوه فيما يدور ويتخذ من المواقف ما يتماشى مع سير الأحداث. العنصر الثالث: يتعلق بشخصية الحكام أنفسهم، وتستطيع أن تقول إن بداية ملامح الدور السياسى لمشيخة الأزهر بدأ مع مشيخة الإمام محمد الحفنى (1757-1767)، الذى رسم «الجبرتى» ملامحه قائلاً: «كان شيخ الأزهر محمد الحفنى قطب رحى الديار المصرية، ولا يتم أمر من أمور الدولة وغيرها إلا باطلاعه وإذنه». وفى مرحلة لاحقة كان الأزهر على موعد مع رجل زاوج الدين والسياسة، فى الفكر والحركة، وهو الشيخ عبدالله الشرقاوى (1793-1812)، الذى عاصر هبّات المصريين ضد الحملة الفرنسية، وحشد طاقة الأزهر فى طليعة مقاومة الاحتلال. توالى التاريخ بأحداثه فيما بعد ليكتب الأزهر مواقف وطنية وسياسية مشرفة فى عمر هذا الوطن تظل شاهدة على شجاعة رجاله ومشيخته، ولكن على طول التاريخ كانت الأزمة فى القوى المدنية التى كانت تعلم يقيناً أنه لا شىء يمكن أن تستند إليه فى مواجهة طغيان ونفوذ وسيطرة تيارات الإسلام السياسى سوى الأزهر الشريف بتاريخه الوطنى وخطابه الدينى المعتدل، الأحزاب المدنية فى مصر كانت تعرف ذلك منذ قديم الأزل وتعرف أن الأزهر فقط هو سلاحها الوحيد فى مواجهة السلفيين وتطرفهم والإخوان وتنظيمهم المتشدد الطامع فى السيطرة على مفاصل مصر، كانوا يدركون أن الأزهر هو القادر على ذلك من خلال خلق خطاب دينى جديد مضاد لفتاوى التطرف الإخوانية والسلفية، ومن خلال خلق كوادر من الدعاة ورجال الدين قادرين على أن يحلّوا محل شيوخ السلف الذين يسلبون المصريين عقولهم، كما أنهم على يقين من أن الأزهر قادر على ذلك بسبب حب المصريين واحترامهم للأزهر ودوره التاريخى والسياسى فى مواجهة أى محاولة للسيطرة السياسية باسم الدين، ولكن هذا الإدراك لم يكن سبباً كافياً لدفع الأحزاب المدنية أو حتى السلطة فى مصر لحماية الأزهر الشريف من محاولات اختراقه والسيطرة عليه، ولم يتخذوا تدابير كافية لحمايته من أطماع الإخوان والسلفيين، فخسروا الأزهر وخسروا درعهم فى مواجهة تيارات الإسلام السياسى.