من يتابع حوارات الأستاذ محمد حسنين هيكل، سواء آخرها مع الإعلامية لميس الحديدى، أو ما سبقها، سيجد، إلى جانب الإحاطة بدقائق العصر والاطلاع على خفايا الأمور، موضوعية فى الطرح، وثقافة عميقة فى العرض، وتجنبا تاما للسفاسف، خاصة التعريض بالأشخاص، أو البعد عن مقتضيات اللياقة على كل المستويات، بدءاً من رئيس الدولة إلى زملائه وتلاميذه، وأشهد أننى خلال سنوات طويلة من المعرفة واقتراب الصلة وتواصل الحوار، لم أسمع منه خوضاً فى عرض، أو نيلاً من شخص عبر مداخل غير موضوعية، مع أدب جم حتى عند الحديث عن أشد خصومه تشهيراً به، ومن الطبيعى أن ما يقوله الأستاذ يجب أن يكون موضعاً لنقاش جاد من السلطة أو المعارضة؛ فلديه من المعلومات والإحاطة ما ينأى بحديثه عن الاسترسال الخالى من المعنى، من هنا كانت المفاجأة بالسباب الذى وجهه الدكتور عصام العريان إلى الأستاذ فى تصريحاته التى تجىء فى سياق المعلق العابر الذى اختاره لنفسه، مما يذكرنى ب... لا، لا أريد الانزلاق إلى نفس المنحدر، لا أدرى هل يتطوع بتصريحاته أم أنه ينفذ تكليفاً من الجماعة، هل لديه الرغبة فى إثبات الحضور؟ يعطينى الانطباع أنه ارتضى لنفسه مكانة تشبه «تباع» الميكروباص، لا يقود لكنه يجمع الأجرة ويعلق على المسار، أتجنب الخوض فى التشبيهات ولا أريد قط الانزلاق إلى السباب الذى أصبح ظاهرة فى النقاش، بين من يفترض أنهم النخبة.. السباب وسيلة العاجز، وفى الأغلب يمتد إلى صاحبه إذا كان مجحفاً أو متجاوزاً، أغرب ما سمعته من العريان معايرة الأستاذ بسنه، هل من المعقول أن يصدر ذلك عن إنسان عاقل ومسلم فى الوقت نفسه؟ هل أذنب الأستاذ فى بلوغه التسعين؟ هل أتى مخالفة للنواميس الطبيعية لأنه احتفظ بلياقته الذهنية والفكرية؟! هل أذنب أم أن هذا ما قدره الله له؟ هل لدى الدكتور العريان وثيقة من أى جهة تثبت أنه سيتجاوز الأستاذ عمراً؟! هل ضمن الخطوة التالية؟ ألا يدرى أن الإنسان لا يدرى بأى أرض يموت، ولا ماذا سيكسب غداً؟ أليس من المحتمل أن يمشى الأستاذ فى جنازته؟ من يدرى ماذا ستأتى به الأقدار؟ المسلم الحقيقى لا يعاير أى إنسان بالعمر.. ما تعلمناه احترام التجربة الطويلة، خاصة إذا كانت مثمرة، والانحناء للأكبر سناً، خاصة إذا كان معلماً ونبراساً، لكن يبدو أن القيادى فى الجماعة له رؤية أخرى أياً ما كانت فلا يمكن فى أفضل الأحوال إلا اعتبارها سقطة أخلاقية وإنسانية، من الأفضل أن يحاوره فيما قاله، أن يجادله بالتى هى أحسن، لقد صمت الأستاذ فترة ليست بالقليلة والتقى كل من يشغل موقعاً مؤثراً قبل أن يخرج بهذه الرؤية المتكاملة للوضع التى يشعل فيها المصابيح الحمراء، لقد جلس إلى الدكتور مرسى وتحدث إليه ربما أكثر مما أتيح للدكتور العريان، والتقى الفريق عبدالفتاح السيسى مرات، منها مرة تمت فى وزارة الدفاع، وجرى خلالها احتفال بعيد ميلاده التسعين، فهل أخطأ القائد العام لأنه احتفل بإنسان ذى قيمة ومكانة أمهله الله سبحانه وتعالى ومد فى أجله حتى بلوغه التسعين؟ إنه السباب الأعجب والأغرب والجدير بالتأمل فى التكوين الذى أفرز مثل هذا المستوى الغريب، الذى لا يمكن أن يصدر عن إنسان عاقل، فما البال بمن يوصف أنه قيادى فى جماعة تتخذ من الإسلام غطاء؟