الأزمة تصاعدت بعد زيارة أردوغان للسودان والاتفاق على القواعد العسكرية تحركات عديدة شهدتها دول مصر وإثيوبيا والسودان خلال الأشهر الماضية، وتطورت بعد ذلك لتحركات عسكرية، بسبب تصاعد العديد من الأزمات وعلى رأسها أزمات «سد النهضة الإثيوبى، وحلايب وشلاتين، وجزيرة سواكن السودانية». وفى هذا التقرير، تكشف «الصباح» حقيقة هذه التحركات ونتيجتها، هل هى تحركات وهمية من أجل أهداف ومكاسب سياسية؟، أم هى تحركات حقيقة من الممكن أن تؤدى إلى تصاعد الصراع بين دول المنطقة الإفريقية، خاصة دول حوض النيل؟. فى شهرى نوفمبر وديسمبر الماضيين، فى العاصمة السودانية الخرطوم، كانت البداية، حيث بدأت مباحثات اللجنة العسكرية الثنائية المشتركة بين السودان وإثيوبيا، والتقى رئيس هيئة أركان الجيش الإثيوبى، الرئيس السودانى، ووزير الدفاع ومسئولين عسكريين. وقال رئيس هيئة قوات الأركان المشتركة بالقوات المسلحة السودانية، إن زيارة رئيس أركان القوات المسلحة الإثيوبية، سامورا يونس، نتيجة للتحديات الأمنية التى يشهدها الإقليم والتى تتطلب منا التنسيق الكبير والتفاهم والتعاون وهذا ما تعكف عليه اللجنة العسكرية المشتركة بين السودان وإثيوبيا». وفى 26 ديسمبر الماضى، عُقدت اجتماعات ثلاثية بين رؤساء أركان الجيش التركى والسودانى والقطرى فى الخرطوم، وتم توقيع اتفاقات تعاون عسكرى بين السودان وتركيا، وصرح وقتها وزير الخارجية السودانى أثناء زيارة الرئيس التركى للسودان وقعنا اتفاقية يمكن أن ينجم عنها أى نوع من أنواع التعاون العسكرى، بينما أكد نظيره التركى أنه تم توقيع اتفاقيات بخصوص أمن البحر الأحمر. وبتاريخ 5 يناير، حركت السودان، قوات مسلحة فى ولاية كسلا على الحدود مع إريتريا، بحجة مواجهة عمليات تهريب السلع والاتجار بالبشر وتجارة المخدرات والأسلحة، وأنه لا يوجد سبب آخر وراء ذلك، وفى اليوم التالى، أعلنت السودان رسميًا إغلاق الحدود الشرقية مع إريتريا، وسط حالة من الاستنفار الأمنى الكبير، بالاستناد على القرار الجمهورى رقم 50 لسنة 2017 والخاص بإعلان الطوارئ، والذى نص على إغلاق جميع المعابر الحدودية مع دولة إريتريا اعتبارًا من مساء الخامس من يناير الجارى ولحين توجيهات أخرى. وكان النائب الأول للرئيس البشير بكرى حسن صالح، قد أنهى فى أواخر ديسمبر الماضى زيارة إلى أسمرا بإريتريا، استغرقت يومين أجرى خلالها لقاءات مع القيادة الإريترية حول العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك. فيما قد وصل إلى القاهرة، الثلاثاء الماضى أيضًا، أسياس أفورقى الرئيس الإريترى، فى زيارة إلى القاهرة استغرقت يومين، التقى خلالها الرئيس عبدالفتاح السيسى لمناقشة العلاقات الثنائية بين البلدين، فضلًا عن مستجدات الأوضاع فى القارة الإفريقية والقضايا ذات الاهتمام المشترك. السودان وإثيوبيا العديد من الأحداث شهدتها الأشهر الماضية، حول العلاقات المصرية السودانية الإثيوبية، فيما يخص قضية سد النهضة، واتفاقية عنتيبى، وجزيرة سواكن، وحلايب وشلاتين، وغيرهم، وهو ما ناقشته «الصباح» مع عدد من الخبراء فى الدول الثلاث. البداية كانت من السودان، إذ قال توماس ينو، كاتب سودانى، إنه من المعلوم سلفًا أن دول حوض النيل تتكون من شقين، دول منابع كإثيوبيا وكينيا وبورندى وتنزانيا والكونغو، ودول مجرى ومصب كجنوب السودان والسودان ومصر، وأن الرابط بين هذه الدول هو النيل بشقيه الأبيض والأزرق، وكذلك التاريخ السياسى المشترك، علاوة على أنها دول تقع فى منظومة واحدة وهى الاتحاد الإفريقى. وأضاف «توماس»، أنه إذا عدنا للوراء قليلًا نجد أن دولة الاستعمار «بريطانيا العظمى» كانت صاحبة النصيب الأكبر فى استعمار معظم هذه الدول، وبالتالى كانت تنظم الشئون الداخلية والخارجية لتلك الدول نيابة عنها، ومع خروج المستعمر فى خمسينيات القرن الماضى، ترك وراءه إرثًا ثقافيًا وقانونيًا وتاريخيًا وسياسيًا كبيرًا، كان بالإمكان الاستفادة منها فى حل بعض المشاكل والمعضلات التى طفت على السطح الآن، والتى تشكل معضلة كبيرة إزاء العلاقات السياسية بين دول حوض النيل. وأشار إلى أنه من المعضلات التى برزت على السطح، هى معضلة «سد النهضة» فى إثيوبيا، والذى بدأ بناؤه عام 1964م عندما تم تحديد موقعه بصفة نهائية، وفى العام 2011م تم وضع حجر الأساس عن طريق رئيس الوزراء الإثيوبى السابق ملس زيناوى بعد أن أطلق على السد اسم « سد الألفية»، على خلفية الحق التاريخى لإثيوبيا على بحيرة تانا والنيل الأزرق فى أن تنشئ عليه ما يعود بالنفع للشعب الإثيوبى. وأكد الكاتب السودانى، أن ذلك عكس ما قد حدث من اتفاقيات بين منليك الثانى ملك إثيوبيا والحكومة البريطانية نيابة عن مصر وهى ما تسمى بالاتفاقيات التى سبقت اتفاقية مياه النيل 1929م، وذلك بمنع إثيوبيا من بناء أو قيام أى مشروع على النيل الأزرق من شأنه أن يؤخر أو يخفض نسبة جريان وسرعة المياه نحو نهر النيل ومصر، وقد وقع منليك الثانى على هذه الاتفاقية عام 1902م، وبعدها تم توقيع اتفاقية مياه النيل 1929، بين السودان ومصر دون مشاركة بقية دول المنابع، فكانت نسبة السودان 4 مليارات متر مكعب فى العام، بينما بلغت نسبة مصر 48 مليار متر مكعب فى العام الواحد، الأمر الذى أثار حفيظة الدول التى لها حق أصيل فى هذا النيل. وأضاف أن ما زاد الطين بلة هى اتفاقية مياه النيل 1959م، بين السودان ومصر، وفيها بلغت نسبة السودان 18.5 مليار متر مكعب، بينما بلغت نسبة مصر 55.5 مليار متر مكعب فى العام، أيضًا دون الرجوع لبقية الدول أو إدخالها فى المفاوضات مع الوضع فى الاعتبار أن لهذه الدول حقوق قانونية وتاريخية فى نهرى النيل الأزرق والأبيض ونهر النيل. وفيما يخص سد النهضة، فأكد أنه قد ترك آثارًا وترسبات سياسية بين إثيوبيا ومصر والسودان، مع استصحاب دولة جنوب السودان التى انفصلت عن السودان فى 9 يوليو 2011م والتى لها الحق أيضًا على النيل الأبيض كبقية الدول الأخرى. وأوضح أنه يمكننا القول، إن سد النهضة كان بمثابة ردة فعل من إثيوبيا للتجاهل الكبير الذى وقع عليها فى اتفاقيتى مياه النيل 1929م و1959م، وهى ترى أن من حقها الطبيعى أن تستفيد من النيل الأزرق الذى يغذى نهر النيل بما يفوق 83فى المائة من جملة المياه المنسابة نحو البحر الأبيض المتوسط، فيما يساهم النيل الأبيض بنسبة 17فى المائة من جملة مياه النيل. وأكد أن هذا الاعتقاد ولد العديد من المنزلقات السياسية بين مصر وإثيوبيا بحيث ترى الأولى أن قيام سد النهضة سيؤثر على نسبة وصول المياه إلى الأراضى المصرية، بل أن كميتها وقوة دفعها سيقل وأن موعد وصولها سيتأخر وهذا ما يخالف جميع الاتفاقيات التى وقعت من قبل فى هذا الصدد، بينما ترى إثيوبيا بأن سد النهضة لن يؤثر على قوة وكمية وموعد وصول المياه إلى مصر، بل العكس صحيح لأن تعلية السد يعنى اندفاع المياه بصورة أكبر وأسرع وأنها أى إثيوبيا لا تقوم بشىء ضد هذا النهج. ولفت إلى أن ردة فعل السودان تجاه سد النهضة لم يكن واضحًا، لأنه فى البداية قد عارض قيام السد، ولكن ونسبة للموازنات السياسية يمكن للسودان أن يستفيد من السد فى إنارة الجزء الشرقى والجنوبى الشرقى من السودان من كهرباء سد النهضة، نتيجة لانخفاض الطاقة الكهربائية من خزان الروصيرص، الأمر الذى أدى بالحكومة السودانية لبناء سد مروى لسد العجز الذى خلقه انخفاض إنتاجية خزان الروصيرص وخزان سنار وخزان جبل الأولياء على النيل الأبيض، وخزان خشم القربة. وأوضح أن هذا التذبذب السياسى للسودان أدى إلى تفاقم وشقاق كبيرين فى علاقتها بمصر من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، عطفًا على الناحية الأمنية، وهذه الأخيرة قد ظهرت بصورة جلية فى منطقة حلايب، مضيفًا أن الخلافات السياسية لم ولن تؤثر على علاقة الشعبين الشقيقين، والدليل على ذلك لم يسجل الشارع العام السودانى أو المصرى أى حدث عكس هذا المنحى والاتجاه. وأشار إلى أنه مع زيارة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان للسودان فى 25 ديسمبر الماضى، نجد أن العلاقات السودانية المصرية قد تأزمت بشكل كبير، خاصة بعد اتفاق الحكومة السودانية والتركية على قيام قاعدة عسكرية واقتصادية وسياحية فى جزيرة سواكن السودانية، وأيضًا الخلاف حول فكر الأنظمة السياسية.