النائب العام ووزير التعليم العالي يشهدان تدشين الصالونات الثقافية لتعزيز الوعي الوطني بالجامعات    برلماني: عجز المعلمين بالمدارس يصل ل 400 ألف ووزارة التعليم تنفي    أخبار البورصة اليوم الأحد 26-4-2026    رئيس الوزراء يتابع خطط تأمين إمدادات الوقود لقطاع الكهرباء خلال فصل الصيف    أحمد موسى يكشف عن زيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر قريبا    ترامب: خطوط أنابيب النفط في إيران مهددة بالانفجار خلال 3 أيام    جدل في إيران بعد جدارية تُدرج مجتبى خامنئي ضمن "الراحلين" إلى جانب والده    قائمة الأهلي لمواجهة بيراميدز في الدوري المصري    غيابات الأهلي أمام بيراميدز في الدوري الممتاز    بسنت حميدة تُحلّق برقم مصري جديد في بوتسوانا وتؤكد جاهزيتها العالمية    شاب يقتل والدته بالإسماعيلية مستخدما أسطوانة بوتاجاز    بالأسماء، إصابة 6 أشخاص في انقلاب سيارة بميت غمر    تأجيل محاكمة المتهم بإنهاء حياة بطل كاراتيه في كفر الشيخ    حمدي بتشان: أرفض تقديم أغاني المهرجانات وأختار الكلمات التي لا تخدش الحياء    نائب الرئيس الإيراني يستشرف "إيران ما بعد الحرب": التحول من هدف للعقوبات إلى قوة فارضة لها    المحافظ: إنجاز 97% من طلبات التصالح وتوجيه بسرعة إنهاء الملفات المتبقية    «مصر للطيران» تعلن زيادة الرحلات إلى 3 وجهات عربية    محافظ القليوبية: طرح حديقة المرجوشي بشرق شبرا الخيمة للاستثمار    سباق الأعصاب بين الأهلى والزمالك!    فريق سلة الأهلي يفوز على داكار السنغالي في تصفيات الBAL    تحت أنظار مصطفى محمد، نانت يتعادل مع ستاد رين 1/1 في الشوط الأول    حسني عبد ربه يطمئن على لاعب الإسماعيلي بعد إصابته    الداخلية تنظم الملتقى الثالث لبرنامج المعايشة بين طلبة الشرطة والجامعات    رئيس مياه الفيوم يتابع بدء تنفيذ أعمال ربط المرحلة الثالثة بمحطة العزب الجديدة    جامعة مصر للمعلوماتية: الانتهاء من تعديل لائحة كلية الهندسة    ضبط 10 أطنان سكر تمويني وتحرير 35 مخالفة ل مخابز بمراكز الشرقية    الأرصاد تحذر من تقلبات حادة وتكشف مناطق سقوط الأمطار غدًا    تعليم القاهرة تتيح نموذجًا استرشاديًا في مادة Science لطلاب الإعدادية    ضبط عاطل حطم زجاج سيارة وسرق محتوياتها بمنطقة فيصل في الجيزة    ضربة لروسيا بغرب أفريقيا، تفاصيل حرب بالوكالة بين بوتين وماكرون في مالي    مصطفى كامل يعلن وفاة المطرب حسن الإسكندراني    بعد توقف 30 عاما.. عودة برنامج براعم الإيمان على موجات إذاعة القرآن الكريم    هل الشبكة من حق المخطوبة بعد وفاة الخاطب؟ أمينة الفتوى تجيب    "قصر العيني" تقود مبادرة توعوية لدعم مرضى باركنسون ومقدمي الرعاية بجامعة القاهرة    وزير الصحة يتابع أعمال اللجنة العليا للمسؤولية الطبية وسلامة المريض    تساؤلات لوزير الرياضة حول المنشطات والهرمونات داخل صالات الجيم    نائب ينتقد المراهنات الرياضية في مصر: تناقض واضح بين الواقع والقانون    الدوحة: مباحثات قطرية بريطانية حول الأوضاع في السودان    رمضان عبد المعز: أفضل أوقات الدعاء بعد الصلوات المكتوبة وفى جوف الليل    عروض تراثية ولقاءات تثقيفية متنوعة في احتفالات ثقافة أسيوط بذكرى تحرير سيناء    محمد مشيش ينضم إلى لجنة تحكيم المسابقة الدولية في مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    الأردن: يجب ضمان أمن الدول العربية بأي اتفاق لخفض التصعيد    سفير اليونان يزور مسرح ماسبيرو ويشيد بالعلاقات بين القاهرة وأثينا    إحالة المتهم بهتك عرض فتاة المطرية المريضة بتأخر عقلى للمفتى    محافظ الغربية يتابع إنتاج الدقيق التمويني ويشدد على الالتزام بمعايير الجودة    مقتل 5 فلسطينيين في قصف إسرائيلي على شمال غزة    محافظ أسيوط يفتتح ملعبًا اكليريك متعدد بنادي الشبان المسلمين ويكرم أبطال المحافظة الرياضيين    البابا لاون الرابع عشر: الكاهن «قناة للحياة» لا حاجز أمام المؤمنين    مجلس الشيوخ يناقش طلب برلماني بشأن خطة الاستعداد لدورة الألعاب الأوليمبية    برلماني يحذر من مخاطر منصات المراهنات الإلكترونية    رئيس الوزراء يستعرض الأهداف الاستراتيجية لوزارة الثقافة ونشاط الفترة الماضية    ميشيل ميلاد ل "البوابة": الراديو سبب حبي للفن والمسرح كان البداية    جامعة مصر للمعلوماتية تستهدف تقليل مدة الدراسة بكلية الهندسة لرفع كفاءة العملية التعليمية    «صحة الوادى الجديد» تشن حملة للتفتيش على الصيدليات الحكومية ومنافذ صرف الأدوية    النائبة ميرال الهريدي تدعو لاستضافة محمد فراج وهاني أبو ريدة للشيوخ لمناقشة مخاطر إعلانات المراهنات بالملاعب    وزيرة الإسكان: بروتوكول التعاون مع الوطنية للتدريب خريطة طريق لتأهيل القيادات وتعزيز كفاءة إدارة المشروعات    رسالة طريفة من ريهام عبد الغفور ل «هشام ماجد» في عيد ميلاده    الصحة: تقديم 50 مليون جرعة تطعيم خلال العام الماضي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ثورات مكملة تنتظر دورها
نشر في الجمعة يوم 25 - 06 - 2012

دعانى أصدقاء لحفل توزع فيه المدعوون على غرف الاستقبال. كان نصيبى غرفة مكتبة اختار الجالسون فيها مكانا لى بين آخرين على «كنبة» تصدرت الغرفة وأمامها على الحائط المقابل جهاز تليفزيون. جلست فى المكان الذى أخلاه بدون تردد صديق أسعده حضورى. لم أفهم السبب وراء سعادته إلا بعد دقائق من مغادرته الغرفة. كان أصحاب الغلبة فى الجلسة قد بدأوا قبل وصولى يلعنون الجحيم الذى تعيش فيه مصر ويتباكون على النعيم الذى كانوا يعيشون فيه قبل عام ونصف.
مرت الدقائق ثقيلة، ومع كل دقيقة تمر يزداد جو الغرفة كآبة. لا أحد يبتسم. لا نكتة قيلت. لا خبر مفرحا أو حكاية مسلية. خيم على الجلسة غم شديد، فمصر إلى زوال ولا أمل إلا بحاكم يقرقع السياط ويفتح السجون ويلجم الأفواه ويقصف الأقلام، حاكم يعسكر المجتمع ويفرض الانضباط وينهى سطوة «الأفندية» ويكتم أصوات الاحتجاج، حاكم يعيد إلى مصر النعيم الذى راح.
غبت عن أحاديث الغرفة وجلبتها حين جذبت انتباهى شاشة التليفزيون وهى تنقل صور مهرجان شعبى فى بلد أجنبى. تكررت، فى مشاهد المهرجان، صور لألعاب نارية، كان أغلبها يبدأ بشريط من النور صاعدا من أسفل كجذع شجرة وفى آخره طاقة نور مبهرة، ما تلبث تخبو للحظة لتتفتح بعدها فى أشكال جميلة متعددة وأنوار أخرى أشد إبهارا ولمعانا وأكثر جمالا.
●●●
هكذا أصبحت أرى ثورة الربيع. بدأت نورا مبهرا فى تونس قبل أن تتمدد فى أشكال وبلاد متنوعة. مصر بعد تونس ثم ليبيا وسوريا واليمن والبحرين والآن فى السودان وأماكن أخرى ممنوع على الإعلام العربى والعالمى الوصول إليها، هى هناك ولكن لا نراها. انصب تركيز البعض منا خلال شهور عديدة على مراقبة هذا التمدد الأفقى لظاهرة الثورة أو على متابعة الصراع على السلطة.
لم تهتم غالبيتنا بجوهر ما حدث وإنما اهتمت بقشرة التغيير. ركزنا على فلول راحلة وفلول قادمة. أهملنا حقيقة واضحة وضوح الشمس وهى أن الثورة التى تمددت أفقيا ومازالت تتمدد، هى الآن تتعمق رأسيا. دعونا نقارن بين مصر اليوم، أو ليبيا اليوم أو تونس اليوم بمصر وليبيا وتونس قبل عام ونصف. لا نقارن الشكل أو القشرة، وإنما الجوهر. لا أحد يستطيع إنكار أن عمليات الفرز السياسى والاجتماعى مازالت جارية وتزداد قوة وعمقا مع كل يوم يمر من أيام الثورة. فكرت أن أسأل الجالسين معى على الكنبة عن حجم الزيادة التى طرأت على معلوماتهم عن الطبقة الحاكمة المصرية بعد مرور عام ونصف على الثورة. أنا على ثقة كاملة فى أن جميع الأفراد الموجودين فى هذه الغرفة فى تلك الليلة صاروا يعرفون أن هناك تسعة عشر قائدا عسكريا كانوا مشاركين فى حكم مصر لعدد لا نعلمه من السنوات، وأنه لولا هذه الثورة ما كنا تعرفنا عليهم وتعرفوا علينا. لولاها لتجمدت معلوماتنا عن القوات المسلحة عند حرب أكتوبر 1973.
هل ننكر أن أغلبنا «اكتشف» وزراء ومسئولين مدنيين كانوا فى الحكم واستمروا فيه أو رحلوا عنه لم نكن نعرف حجم ثرواتهم وضخامة نفوذهم ونواحى ضعفهم وفسادهم. وقتها لم نعرف كمحكومين درجة كراهيتهم للشعب وتعاليهم عليه. نعرف أيضا أن العلاقات البينية بين عائلات هذه الطبقة لم تكن دائما شريفة أو ودودة، وأن مصالح «الوطن» كانت فى غالب الوقت موضوعا للخطب والبيانات، بينما كانت مصالحهم كممثلين لطبقة أو فئة أو مؤسسة أسبق وأهم. لم نكن نعرف على وجه اليقين حجم المصالح المادية التى تتولى حمايتها المؤسسة العسكرية إلا عندما صدرت أثناء الثورة تصريحات تحذر من الاقتراب منها بالحديث أو البحث أو حتى بالفضول.. كنا نسمع بوجودها وكان المتخصصون فى دراستها قادرين على تقدير قيمتها وأحجامها، ولكن لم يخطر على الذهن وقتها أنها ستكون ذات يوم سببا لإقامة سد منيع بين الشعب وقادة جيشه. بالتأكيد لم نفكر يوما فى احتمال أن تنشب ثورة لتطلعنا على أسرار الخطط الدفاعية والتسليحية لقواتنا المسلحة، وإن كنا فكرنا كثيرا وطويلا فى وجوب حدوث تغيير ديمقراطى أو ثورى يجعل احترام الشعب لمؤسساته العسكرية والدينية والقضائية والأمنية مبنيا على ممارسات ومعلومات حقيقية وملموسة وليست على أعراف وتقاليد موروثة أو نتيجة خوف أو قمع.
●●●
كذلك فإن ما نعرفه الآن عن التيارات والأحزاب السياسية فى بلادنا يفوق كثيرا ما كنا نعرف. والفضل يعود إلى الثورة. ينسى كثيرون أننا دخلنا خلال خمسة عشر شهرا تجارب انتخابات لم ندخل مثلها على امتداد ستين عاما، بل ربما على امتداد قرن كامل. تكلمنا فى السياسة فى سنة ونصف أكثر مما تكلمنا عنها وفيها خلال ثلاثين عاما وربما أكثر. لا نستطيع إنكار أن الملايين من أفراد هذا الشعب لم تكن تعرف قبل سنة ونصف عن الإسلام السياسى وجماعاته وأفكاره ما تعرفه الآن. يعرفون الآن، وأكثرهم من الشباب، أن الإخوان المسلمين يخطئون مثل غيرهم من الأحزاب السياسية الأخرى، ويعرفون أنهم مختلفون عن رفاقهم الأعضاء فى تنظيمات دينية أخرى، ويعرفون أن السياسة ليست مفسدة للإسلاميين وحدهم، بل مفسدة لهم ولغيرهم. يعرفون أيضا أن السياسة كاشفة للمستورات، ولن يسلم من لدغتها من يقترب منها سعيا وراء مال أو جاه أو إشباعا لشهوة سلطة أو انتقام.
لا أظن أن بيننا من ينكر أننا تعرفنا خلال الثورة على إعلاميين مشهورين بعضهم لم نسمع عنهم من قبل، وتعرفنا على سياسات إعلامية لم نختبر مثلها قبل الثورة ولم نجربها. نسمع هذه الأيام من يصف المرحلة الإعلامية الراهنة بأنها المرحلة الذهبية فى حياة بعض الإعلاميين، وأن أفرادا من هؤلاء الإعلاميين المحظوظين يعتبرونها المرحلة الذهبية للإعلام المصرى على امتداد تاريخه. وللحق يجب أن نعترف أنه ما كان يمكن أن يصدر عن الفضائيات المصرية والعربية كل هذا «الكلام» كما ونوعا، لو لم تنشب فى مصر هذه الثورة.
●●●
ما يقال عن المؤسسات المصرية التى تعرضت لمؤثرات ثورية خلال الشهور الماضية يقال عن المواطن الفرد. شىء ما، وربما أشياء كثيرة، تغيرت فى هذا الفرد. تغيرت سلوكياته وزاد حجم معلوماته وصار مسيسا وأغرقته الثورة بخطابات عن الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية والكرامة ودور الدين فى المجتمع والعلاقة الصحية بين الجيش والسياسة من ناحية وبين الدين والسياسة من ناحية، كل هذا وغيره وصل إلى وعى الفرد العادى. وأعتقد أنه لن يتسرب إلى خارج الوعى فيضيع هباء. دليلى هو أن هذا الفرد مازال، رغم حملات التشكيك، يردد نقلا عن آبائه وجدوده سير عرابى وسعد و1919 ويوليو وتأميم قناة السويس. هذا الفرد لم ينس ثوراته السابقة، رغم أنه لم يتفاعل بالانغماس والحماسة مع واحدة منها كما تفاعل مع ثورته الراهنة.
●●●
أكتب هذه السطور قبل أن يعلن اسم من سيجلس على كرسى رئيس الجمهورية. كان يمكن أن أنتظر وأكتبها بعد الإعلان، ولكن ثقتى فى أن اسم الشخص لن يغير شيئا من توقعاتى بالنسبة لمستقبل هذه الثورة جعلتنى لا أنتظر. أنا مقتنع بأن هذه الثورة لم تكشف لنا بعد عن سرها وعما تخبئه لنا وللتاريخ.
أقول، وأصر على قولى هذا، إن التغيرات التى حدثت خلال الشهور الأخيرة لم تمس بعد جوهر «مصر التى لم نكن نعرفها»، وأقصد مصر التى قضت سنوات عديدة تنتظر الثورة. صحيح أن الثورة تمددت جغرافيا ولكن مازالت أمامها مساحات شاسعة لتصل إليها وتحقق فيها رسالتها. وصحيح أنها تحاول التعمق رأسيا لتصل إلى روح المجتمع المصرى وقلبه. وهذه مهمة حتمية ولكن شاقة ومكلفة.
نخطئ إذا تصورنا، ولو للحظة، أن الثورة حققت أغراضها يوم جاءت برئيس جديد أو قيادة ائتلافية. هذه الثورة، مثل أى ثورة، لن تكتمل وتسلم عهدتها إلى التاريخ إلا حين يتفرع جذعها إلى ثورات عديدة صغيرة ومتناثرة، ثورة فى كل مؤسسة من مؤسسات المجتمع وثورة فى عقل كل فرد وقلبه تنقله من عصر وحال إلى عصر آخر وحال أخرى.
هذه الثورات «المكملة» تنتظر دورها: ثورة تنويرية وعلمية فى مجتمع الإسلام السياسى أى داخل الإخوان المسلمين وداخل الجماعات السلفية والإسلامية تنقله من الماضى إلى الحاضر، ثورة تتحرر بها من السياسة مؤسسة القضاء، ثورة اجتماعية بين الفلاحين والعمال أو فى الطبقة الوسطى، وثورات فى أجهزة الدولة وبخاصة جهازها الأمنى. قد لا تنشب هذه الثورات فى آن واحد أو متعاقبة، ولكنها ستنشب. ستنشب لأن الناس معبأة بخيبة الأمل فى أداء جميع المؤسسات ومعبأة بالرغبة فى التغيير.
●●●
ثورتنا مبتورة إذا لم تصل إلى مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع، وأمن مصر وسلامها فى خطر إذا استمرت هذه المؤسسات تعاند التغيير وتحصن نفسها ضد القادم من الثورات المكملة وتداعياتها.
نقلا عن الشروق


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.