لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مجرد تطور أمني عابر، بل جاء كحلقة مكثفة في سلسلة صراعات دولية تتجاوز حدود فنزويلا نفسها. فخلف المشهد العسكري والسياسي، تتقاطع اعتبارات الطاقة مع إعادة رسم خرائط النفوذ العالمي، حيث يبدو النفط مرة أخرى لاعبًا رئيسيًا في قرارات القوة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بدولة تمتلك مفاتيح واحدة من أضخم الثروات البترولية في العالم. أولويات الأمن القومي الأميركي.. من الاحتواء إلى القوة الصلبة يرى العميد محمود محيي الدين، الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية، أن العملية العسكرية الأميركية الأخيرة تمثل تحولًا واضحًا في أولويات الأمن القومي الأميركي، وتكشف عن انتقال واشنطن من سياسة الاحتواء الناعم إلى استخدام أدوات القوة الصلبة في محيطها الحيوي. العميد محمود محيي الدين ويؤكد محيي الدين، في تصريحات تليفزيونية، أن منطقة الكاريبي لطالما اعتُبرت في العقل الاستراتيجي الأميركي "الخاصرة الخلفية" للولايات المتحدة، وهي مساحة لا يُسمح فيها بتغلغل قوى دولية منافسة. ومن هذا المنطلق، فإن تحركات الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال الفترة الماضية، خصوصًا انفتاحه المتزايد على روسياوالصين، شكّلت تجاوزًا غير مقبول للخطوط الحمراء الأميركية. سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.. الخروج عن النص الأمريكي وبحسب الخبير، فإن الخروج عن "النص الأميركي" لم يكن سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا وعسكريًا في آن واحد. فقد شهدت فنزويلا توسعًا في التعاون النفطي مع بكين، إلى جانب تفاهمات عسكرية مع موسكو، في وقت كانت فيه مفاوضات حساسة تُدار بشأن حقوق الشركات الأميركية في الاستثمار داخل قطاع الطاقة الفنزويلي. هذا التداخل بين السياسة والطاقة هو ما يجعل العملية، وفق محيي الدين، جزءًا من استراتيجية أميركية طويلة الأمد تهدف إلى احتواء الصين ومنع تمددها خارج نطاقها الإقليمي، وهي رؤية تعود جذورها إلى مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، حين بدأت واشنطن في بلورة تصور لعالم أحادي القطبية يمنع بروز منافسين استراتيجيين. المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق تحذير مسؤول أسبق: مصادر الطاقة "كلمة سر" وفي هذا السياق، يبرز البعد النفطي كعامل حاسم، وهو ما أكده المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق، الذي وصف العملية العسكرية بأنها "أمر خطير جدًا"، محذرًا من أنها قد تكون مقدمة لسلسلة تحركات مشابهة في مناطق أخرى غنية بالطاقة. وأوضح كمال، خلال مداخلة هاتفية مع برنامج "الحكاية" على قناة "إم بي سي مصر"، أن السبب الجيوسياسي المباشر لاستهداف فنزويلا يكمن في كونها الدولة الأولى عالميًا من حيث احتياطيات النفط، بإجمالي يتراوح بين 300 و303 مليارات برميل، وهو احتياطي يكفي – نظريًا – لمدة تصل إلى 362 عامًا. هذه الأرقام، بحسبه، تجعل فنزويلا مطمعًا استراتيجيًا دائمًا في معادلات القوة العالمية. وأشار إلى أن السعودية تأتي في المرتبة الثانية عالميًا، تليها إيران باحتياطيات تتراوح بين 210 و211 مليار برميل، تكفيها نحو 145 عامًا، في حين تحتل الولاياتالمتحدة نفسها المركز الحادي عشر، باحتياطي لا يكفي سوى قرابة عشر سنوات. هذا الخلل في ميزان الموارد، يفسر – جزئيًا – السعي الأميركي المتواصل للسيطرة أو التأثير في مناطق غنية بالطاقة خارج حدودها. طهران في دائرة الاستهداف طهران في دائرة الاستهداف ويرى كمال أن تحييد فنزويلا من المعادلة الدولية سيدفع قوى كبرى، وعلى رأسها الصين، إلى تعميق اعتمادها على إيرانوروسيا لتأمين احتياجاتها النفطية، ما قد يضع طهران نفسها في دائرة الاستهداف مستقبلًا، ضمن الصراع العالمي على مصادر الطاقة. وعلى صعيد الأسواق، استبعد وزير البترول الأسبق حدوث صدمة كبيرة في أسعار النفط، مشيرًا إلى أن الإنتاج العالمي اليومي يتراوح حاليًا بين 102 و105 ملايين برميل. لكنه توقع ارتفاعًا طفيفًا في الأسعار قد يصل إلى حدود 55 أو 56 دولارًا للبرميل، بفعل التوترات الجيوسياسية لا أكثر. في المحصلة، تكشف تطورات فنزويلا أن ما جرى ليس مجرد تغيير سياسي بالقوة، بل فصل جديد في صراع دولي أوسع، تتداخل فيه استراتيجيات الهيمنة مع أطماع الطاقة، في عالم يعاد تشكيله على وقع النفط والنفوذ، لا الشعارات وحدها.