حين يمسك الكاتب بقلمه ليكتب تكون هناك عادة فكرة في رأسه تسيطر على حواسه وتدفعه فورا إلى ترجمتها على الورق، تبدأ كتابة الرواية بلا حسابات ولا أهداف سوى أن يتحول الكاتب إلى حكاء يروي الحكايات ويسرد التفاصيل ويصنع من الأشخاص أبطالا على الورق. وبعدما تتحول الكلمات إلى كتاب منشور، يضع القاص عينه أولا على القارئ كمعيار لنجاح الكتاب ثم تتوالى النجاحات الأخرى على شكل نقد أو مراجعة أدبية وأخيرا وليس أخرا الجوائز الأدبية. مما لاشك فيه أن الجوائز الأدبية لها قيمة معنوية ومالية كبيرة من شأنها تحقيق نوع خاص من النجاح والإنتشار، وتأتي جائزة البوكر كواحدة من أهم الجوائز العربية في الوطن العربي. تقدم للجائزة هذا العام في فرع الرواية 124 عمل روائي من سائر أنحاء الوطن العربي، وصل منها 16 إلى القائمة الطويلة و6 إلى القائمة القصيرة. القائمة الطويلة: حفلت القائمة الطويلة بعناوين جيدة كانت تستحق الوصول إلى القائمة القصيرة وربما أبدى أصحابها إستياء على صفحاتهم الشخصية من إستبعادهم لكن الواقع أن الجائزة هي جائزة قراء وذائقة القراء لولا إختلاف الأذواق لما كان هناك عمل أدبي متميز وعمل هو الأكثر مبيعا حتى لو كان رديئا. وصل إلى القائمة الطويلة: رواية (منا) للكاتب الجزائرى الصديق حاج أحمد، رواية (صندوق الرمل) للكاتبة الليبية عائشة إبراهيم، رواية (الكل يقول أحبك) للكاتبة المصرية مي التلمساني، رواية (ليلة واحدة تكفي) للكاتب الأردني قاسم توفيق، رواية (حجر السعادة) للكاتب العراقي أزهر جرجيس، رواية (اسمى زيزفون) للكاتبة السورية سوسن جميل حسن، رواية (حاكمة القلعتين) للسورية لينا هويان الحسن، رواية (بيتنا الكبير) للكاتبة المغربية ربيعة ريحان، رواية (كونشيرتو قورينا إدواردو) للكاتبة الليبية نجوى بن شتوان، رواية (أيام الشمس المشرقة) للكاتبة المصرية ميرال الطحاوي، رواية (الأفق الأعلى) للكاتبة السعودية فاطمة عبد الحميد، رواية (عصور دانيال في مدينة الخيوط) للكاتب المصري أحمد عبد اللطيف، رواية (الأنتكخانة) للكاتب المصري ناصر عراق، رواية (بار ليالينا) للكاتب المصري أحمد الفخراني، رواية (تغريبة القافر) للكاتب العماني زهران القاسمي، رواية معزوفة الأرنب للكاتب المغربي محمد الهرادي. القائمة القصيرة: ضمت القائمة القصيرة ثلاث كاتبات وثلاثة كتّاب من ستة بلدان عربية،تتميز رواياتهم بالتنوع في المضامين والأساليب وتعالج قضايا راهنة وهامة حسب ما جاء على لسان لجنة التحكيم. 1. رواية «أيام الشمس المشرقة» - دار العين للنشر- للكاتبة ميرال الطحاوي - مصر 2. رواية «حجر السعادة» - العراق- للكاتب أزهر جرجيس - العراق 3. رواية «كونشيرتو قورنا إدواردو» - منشورات تكوين- للكاتبة نجوى بن شتوان - ليبيا 4. رواية «منّا»- دار الدواية للنشر والتوزيع - للكاتب الصديق الحاج أحمد - الجزائر 5. رواية «الأفق الأعلى»- منشورات ميسكلياني- الإمارات - فاطمة عبدالحميد- السعودية 6. رواية «تغريبة القافر» دار وشم- زهران القاسمي- عمان. تقدم دائرة أبو ظبي للثقافة والسياحة في أبو ظبي، جوائز البوكر، إذ يحصل كل من المرشحين في القائمة القصيرة على 10 آلاف دولار، كما يحصل الفائز بالجائزة على 50 ألف دولار إضافية.
وفازت "تغريبة القافر": فاز الكاتب العماني زهران القاسمى عن روايته تغريبة القافر بالجائزة وسط تكهنات بفوزه، صدر له أربع روايات هى "جبل الشوع" و"القنّاص" و"جوع العسل" و"تغريبة القافر" بالإضافة إلى عشرة دواوين شعرية ومجموعتان قصصيتان، إذن فتجربته في عالم الرواية لا تتسم بالكم ولكنها تتسم بالكيف، الكثير من القراء في الوطن العربي لا يعرفون عنه شئ ولم يقرأون له، مما يؤكد على أن الجوائز العربية هي سبب هام في وضع الكاتب تحت دائرة الضوء حتى لو وقف خارجها طويلا. تبدأ أحداث رواية (تغريبة القافر) بمشهد حزين في أحد قرى عمان، برحيل مريم التي غرقت في البحر تاركة أهل القرية مشدوهين أمام جثمانها، مشتتين ما بين الحزن عليها، وما بين قراءة مشهد الموت الذي هو يوما ما سوف يكون مصير يتربص بهم جميعا مهما اختلفت الرحلة التي تأخذهم إليه، فجأة تصرخ واحدة من النساء اللاتى شاركن فى تكفينها، لتقول أن طفلا في أحشائها ما زال حى ينتظر من يخرجه، تسمر الجميع في أماكنهم وسط شجاعة المرأة التي انتزعت سكين لتمنح الطفل حقه في الحياة. يكبر سالم ابن الغريقة بقدرة خارقة على اقتفاء أثر الماء في الجبال والأودية التي جفت، وسط سكان القرى الذين يخافون من الجبال وأفلاجها ويظنون أن الشياطين تسكنها وتختطف من يقتربون منها، تخوف سكان القرية من سالم فنبذوه واعتبروه ممسوسًا من الجن. يضع سالم أذنه على الأرض ليتعقب قنوات الماء الخفية، كما ينصت أيضا لأوجاع الناس وأحلامهم، طوال الوقت يسمع صوت أمه تناديه من مكان بعيد. حكاية سالم العالق بين عالمين وهو يتعقب نداءات ثلاثة: نداء الماء المحبوس في الجبال، ونداءالأم الذي يجره إلى ذكريات الأوجاع والفقد، ونداء الحبيبة التي تناجيه من بعيد بعد أن قصَّت وبر كل أغنامها وقررت ألا تتوقف عن غزل الصوف إلا حين يعود حبيبها. تتنقل الرواية بأسلوب سلس بين نداء الماء المحبوس في الجبال، ونداء الأم الذي يجره إلى ذكريات الرحيل، ونداء الحبيبة. كتبت أحد القارئات عن الرواية تقول: "تخلى عن الزخارف اللغوية والضبابية الفلسفية التي قد ترضي بعض النقاد لكنها تسلب الحكاية تدفقها وتعكر صفو القارئ وتحرمه من التماهي مع الشخصيات والأحداث" الحقيقة أن منظور القارئ لأي رواية هو المحك الحقيقي لنجاحها ووصولها إلى قلبه هي جائزة الروائي الكبرى. إختلفت الآراء والأذواق حول الرواية ومفهومها المختلف وكون الكاتب شاعر وليس روائي بالمعنى النمطي، لكن في النهاية البوكر العربية هي جائزة قراء تعتمد على ذائقة لجنة التحكيم ولا تخضع لمعايير ملزمة للجنة. الأقلام النسائية في جائزة البوكر: فى عام 2011 وصلت رواية " بروكلين هايتس" للكاتبة ميرال الطحاوى، وحينها لم تفز بالجائزة الكبرى، وفي عام2017، وصلت رواية "زرايب العبيد" للكاتبة الليبية نجوى بن شتوان إلى القائمة القصيرة، ولكنهما لم تفزا بالجائزة الكبرى. وفى دورة هذا العام 2023، وصلت مرة أخرى رواية "أيام الشمس المشرقة" للكاتبة ميرال الطحاوى، إلى القائمة القصيرة، كما وصلت رواية "كونشرتو قورينا إدواردو "للكاتبة نجوى بن شتوان إلى نفس القائمة القصيرة، ومن جديد لا يحالفهما الحظ. مما لا شك فيه أن وجود أقلام نسائية على قوائم الجوائز يؤكد على التواجد القوى للأديبات العربيات على الساحة الثقافية ولكن لازالت الأديبات معترضات على عدد المرات اللاتي فازت فيهن أعمال روائية نسائية، ولازلن يطمحن في المزيد من الجوائز، فدائما ما تحصد الجائزة روايات كتبت بأقلام ذكورية، إلا إني أرى بعيدا عن المجاملات وشبكة المعارف والعلاقات يجب أن تذهب الجوائز في كل الأحوال إلى من يستحقونها وهو الشئ الذي يصعب أحيانا تداركه مما يجعل هناك نوع من التحفظ تجاه مصداقية الجوائز العربية والعالمية بوجه عام. ميرال الطحاوي روائية تكتب بشكل مختلف ولغة رصينة ومتمكنة من أدواتها، الرواية تم الإحتفاء بها بشكل كبير على المستوى النقدي إلا أن الجائزة لم تكن من حظها. في النهاية، تذهب دورة وتأتي دورة بأعمال جديدة وعناوين مختلفة تفتح أفاق لأقلام عرفناها وأقلام لم نكن نعرفها، وتظل الجوائز ساحة تجذب الأقلام ودور النشر وتفتح للقراء عالم رحب للثقافات العربية.