عقب فوز حزب "العدالة والتنمية" الموالى للرئيس التركى رجب طيب أردوغان، فى انتخابات البرلمان التى شهدتها أنقرة مؤخرا، توقع البعض أن تتزايد الخلافات "الاردوغانية" مع مصر، خاصة بعد حصول حزبه على الأغلبية التى تمكنه من تشكيل الحكومة منفردا، ولكن جاءت المفاجئة بأن وافق رجب طيب على إرسال وفد تجارى رفيع المستوى من بلاده إلى مصر، حيث ذكرت وكالة "جيهان" التركية أن وفدا تجاريا تركيا مكونا من 4 أشخاص برئاسة رفعت حصارجيكلى أوغلو رئيس اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركى، زار مصر مؤخرا بموافقة من رجب طيب أردوغان، فى زيارة تعد الأولى على المستوى الرسمى بين البلدين بعد انقطاع دام لمدة عامين. وأوضح بيان رسمى صادر عن أنقرة، أن الهدف من الزيارة هو المشاركة فى مؤتمر الغرف التجارية الإسلامية المنعقد فى القاهرة، إلى جانب عقد لقاءات مع مسؤولى اتحاد الغرفة التجارية المصرية، و تناولت اللقاءات طرح موضوعات مختلفة مثل الاستثمارات التركية فى مصر وحجمها. وكشفت كواليس الزيارة أن وفد اتحاد الغرف التركي لا يمكنه الحضور إلى مصر دون الحصول على موافقة من وزارة الخارجية، فيما لفتت مصادر باتحاد الغرف التجارية التركى إلى الزيادة الكبيرة فى حجم الصادرات من تركيا إلى مصر فى الفترة الأخيرة بالرغم من خفض العلاقات بين الدولتين إلى أقل مستوى من الناحية السياسية والدبلوماسية، لتبرز علامات استفهام حول إمكانية عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مستندة على خلفية التعاون الاقتصادي.
وقال الدكتور محمد سعيد إدريس خبير الشئون الشرق أوسطية ومستشار مركز الأهرام للدارسات السياسية والاستراتيجية، إن الدبلوماسية والعلاقات الدولية لا تعرف أشياء اسمها مقاطعة ولا خلاف فى كل الأمور، وبالتالى لا يوجد اتفاق فى كل الأمور، لافتا إلى أن "أردوغان" حين زار إيران رغم الخلافات بين البلدين، وبحث مع حسن روحانى الرئيس الإيراني أوجه التقارب فى وجهات النظر، فقد تصرف كلاهما وفقا لقواعد الدبلوماسية السليمة، التى لاتعرف خلاف كامل ولا توافق كامل. وأضاف "إدريس" إن دول الخليج ومن بينها السعودية والإمارات، تتعامل اقتصاديا وسياسيا مع إيران، رغم ما بينهما من خلافات، وتركيا تتعامل مع روسياوإيران، رغم علاقاتها القوية بأمريكا، وتلك هى السياسة الدولية، لاتعرف إلا لغة المصالح. وتابع: الدبلوماسية المصرية اعتادت وتربت على فكرة الاتجاه الأحادى، فأصبحنا "ملكيين أكثر من الملك"، ونقاطع من يختلفون مع دول الخليج، رغم أن دول الخليج نفسها لا تقاطعهم، ولنفس السبب ابتعدنا عن روسيا، لأنها على خلاف مع أمريكا، رغم أن حوارات واشنطن وموسكو لم تنقطع. وشدد خبير العلاقات الدولية على أنه لايجب أن نتحالف لا مع إيران ولا مع تركيا، ولكن الدبلوماسية لاتعرف شيئا اسمه القطيعة والخصام، بدليل أن الدول العربية وفى مقدمتها مصر لا تقاطع الكيان الصهيوني الإسرائيلي.
ومن جانبه قال الدكتور جمال شقرا الخبير فى الشأن التركى ورئيس مركز دراسات الشرق الأوسط، إنه بالفعل من المتوقع أن يمارس أردوغان سياساته القمعية ضد المعارضة التركية، على خلفية فوز حزبه بتشكيل الحكومة منفردا، ولكنه لا يستطيع أن يمنع العلاقات الاقتصادية والتجارية، موضحا أن تركيا دولة تقوم على الاقتصاد الرأسمالي الحر، وتتبع سياسات الأسواق المفتوحة، و قد حققت خلال (العقد والنصف الأخير) أى منذ عام (2000) وحتى الآن، حالة إزهار اقتصادي لا نستطيع أن ننكره. وأضاف "شقرا" أن علينا كمصريين أن نبحث عن أساليب لتطوير إنتاجنا حتى نتصدى لغزو الصادرات التركية، بل ونصدر لهم ماهو أجود، لافتا إلى أن السياحة التركية على سبيل المثال تعتمد على الفن والسينما والمسلسلات فى الترويج لها، ونحن فى مصر لدينا المواقع السياحية ذات الطبيعة الساحرة، ولدينا نجوم لهم شهرة وشعبية عالمية، فلماذا لانستغل تلك الإمكانيات فى منافسة الفن التركى والسياحة التركية. وتابع: بإمكاننا أيضا أن نستفيد من التجربة التركية فى مجال تطوير صناعات المفروشات والغزل والنسيج والملابس الجاهزة، لنعيد إحياء مصانعنا ونصدر للعالم، بدلا من التوسع فى استيراد الملابس والمنسوجات التركية. وعلى الصعيد الاقتصادي قال الدكتور فخرى الفقى أستاذ الاقتصاد الدولى ومستشار البنك الدولي سابقا، إن مشاركة الوفد التركى فى المؤتمر الدولى لاتحادات الغرف التجارية لن يقدم شيئا للاقتصاد المصرى، حيث أنهم جاءوا ليحضروا فعاليات المؤتمر، الذى أقيم فى القاهرة على سبيل الصدفة. وأضاف "الفقي": لم تستطيع تركيا مقاطعة المؤتمر، لأنها بذلك ستكون قاطعت ال 57 دولة إسلامية المشاركين فيه، لافتاً إلى أن القرار كان سياسياً بالدرجة الأولى، ومن ثم وافق أردوغان على حضور المؤتمر. ومن جانبه أكد الدكتور إيهاب الدسوقى رئيس قسم الاقتصاد بأكاديمية السادات، أن حركة التجارة بين مصر وتركيا لم تتوقف خلال فترة توتر العلاقات السياسية بين البلدين، مشيراً إلى أن المؤتمر جاء ليؤكد على أن العلاقات التجارية تغلب على أى خلافات سياسية مادام هناك مصالح مشتركة بين البلدين، وأضاف "الدسوقى" أن المؤتمرات عادة ما تفتح آفاق جديدة بين الدول المشاركة فيها، وتعمل على زيادة حركة التجارة بينهم.