رفعت فياض يكتب: لأول مرة.. جامعة القاهرة تربط القبول بالكليات باحتياجات سوق العمل.. استبيان شامل للخريجين ورجال الأعمال لرسم خريطة التخصصات المطلوبة خلال السنوات المقبلة    بعد صعود تجاوزت 150 دولارا.. أسعار الذهب تقلص مكاسبها    بي بي تعلن عن اكتشاف غاز جديد قبالة السواحل المصرية    القليوبية تضرب بيد من حديد ضد المواقف العشوائية.. إيقاف وغرامات للمخالفين    البنك الدولي يثبت توقعاته لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي الجاري    89 شهيدا وأكثر من 800 جريح في الغارات الإسرائيلية على لبنان    النائبة هايدي المغازي: مصر لعبت دورا محوريا في تهدئة الأزمة بين واشنطن وطهران    سيد عبد الحفيظ: الأهلي تعرض لظلم تحكيمي فادح.. ونطالب بالكشف عما دار بغرفة «الفار»    مسار يفوز على بالم هيلز بثلاثية وينفرد بصدارة دوري الكرة النسائية    أربيلوا يعادل رقم تشابي ألونسو السلبي مع ريال مدريد    محرز يقود هجوم أهلي جدة أمام الفيحاء في الدوري السعودي    وزيرة الثقافة تتفقد مسرح وسيرك 15 مايو تمهيدا لافتتاحه الشهر المقبل    الكلمة.. بقلم محمد عنانى    وزير الصحة يزور معهد جوستاف روسي بفرنسا.. ويبحث تعزيز التعاون مع مستشفى دار السلام هرمل    تعرف على مجموعة منتخب مصر مواليد 2009 في أمم أفريقيا للناشئين    جهود مكثفة لتعظيم الأصول غير المستغلة بالدقهلية ودعم فرص الاستثمار من خلال جولات ميدانية لنائب المحافظ    السيسي يؤكد لنظيره الجامبي تعزيز التعاون التجاري والاستثماري والتنموي    محافظ الدقهلية يواصل جولاته الميدانية بالمنصورة ويشدد على استمرار رفع أي اشغالات وتحسين السيولة المرورية    الأرصاد تحذر من تقلبات جوية سريعة خلال الأيام المقبلة    ضبط عاطل بتهمة الاتجار في مخدر الآيس بالدقهلية    تعليم دمياط تطلق المرحلة الثانية من مشروع "سماف" لدعم نظافة وصيانة المدارس    غموض وفاة شاب ووالدته داخل شقة بفيكتوريا.. والأمن يباشر التحقيقات    غنيم يعلن رفع درجة الاستعداد القصوى بالمستشفيات ويشدد على انتظام نوبتجيات الأطباء وتوافر خدمات الدم والأمصال    الموافقة على 6 مشروعات جديدة توفر 79 فرصة عمل بالمنطقة الحرة بالسويس    محمد نبيل عضواً بلجنة تحكيم النقاد فى مهرجان إسطنبول السينمائى    وزير الشباب يلتقي رئيس مجلس إدارة شركة العاصمة الإدارية لتكثيف أوجه التعاون    نقابة المهن السينمائية تعلن وفاة مدير التصوير محمد التوني    "كانت سكرانة"، إحالة سودانية للمحاكمة بتهمة قتل نجل شقيقتها في إمبابة    أهم المستجدات فى أسواق الغاز الطبيعي العالمية.. انفوجراف    خلافات دستورية وسياسية تعطل «الإدارة المحلية».. والنواب يعيدون صياغة القانون من جديد    تعرف على أشهر النواويس في المتاحف المصرية    عروض الأراجوز والعرائس تخطف القلوب والأنظار بمحطة مترو العباسية    تعليم القاهرة تواصل الجولات الميدانية لدعم المدارس وتعزيز التواصل مع أولياء الأمور    الأهلي يصدر بيانا ضد حكم مباراة سيراميكا    «الزراعة» تستعرض جهود وأنشطة مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث    وزير الصحة يبحث توطين صناعة أدوية الاورام مع شركة «سيرفيه» الفرنسية    وزير الرياضة يهنئ يوسف شامل بذهبية العالم للسلاح    الملك أحمد فؤاد الثاني يزور قصر الزعفران (صور)    ندوة لإدارة إعلام الفيوم عن الشائعات في عصر السوشيال ميديا    «الصحة» تعقد 3 اجتماعات لتسريع تنفيذ 8 مستشفيات كبرى وفقاً للأكواد العالمية    محافظ الفيوم ورئيس الجامعة يتفقدان المستشفيات    محمد رمضان يثير الجدل بشأن مشاركته في دراما رمضان 2027    ما حكم عمل فيديو بالذَّكاء الاصطناعى لشخص ميّت؟ دار الإفتاء تجيب    طلب إحاطة بشأن تنامي ظاهرة تزوير الشهادات العلمية وانتشار الأكاديميات الوهمية    إحباط بيع 2.5 سولار في السوق السوداء.. وضبط 3 متهمين بأسوان    محافظ القاهرة يترأس لجنة المقابلات الشخصية للمتقدمين لشغل وظائف    الأوقاف: تنفيذ خطة المساجد المحورية لتنشيط العمل الدعوي بالقرى والأحياء    مذكرة تفاهم بين وزارتين سعوديتين لتعزيز التكامل في المجالات المشتركة    الصحة: علاج 197 ألف حالة في جراحة العيون وتفعيل مبادرة "الكشف عن الجلوكوما"    وصول بعثة إيطالية لاستكمال المسح الأثري بمنطقة «أم الدبادب» في الخارجة    نقيب الصناعات الهندسية: الموقف المصري ثابت في مواجهة التهديدات الإقليمية التي تمس دول الخليج    مصرع شخصين وإصابة آخر إثر حادث تصادم شاحنتين على طريق الداخلة - شرق العوينات بالوادي الجديد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن إجازة شم النسيم    الجيش الكويتي: نتعامل مع موجة مكثفة من الهجمات الإيرانية    كتب 400 أغنية أشهرها "حنيت" للهضبة و"أجمل نساء الدنيا" للرباعي، الراحل هاني الصغير    حكم فصل التوأمين الملتصقين إذا كان يترتب على ذلك موت أحدهما؟ الإفتاء تجيب    إيران: المحادثات مع أمريكا تبدأ الجمعة في إسلام اباد    سي إن إن نقلا عن مسؤول في البيت الأبيض: إسرائيل وافقت أيضا على وقف مؤقت لإطلاق النار    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مى سمير تكتب : هنرى كيسنجر: السيسى تعلم من الماضى ويجيد المناورة
نشر في الفجر يوم 29 - 09 - 2014

■ مرسى وإخوانه دفعوا الليبراليين فى مصر للترحيب بالجيش ■ دولة سيد قطب تمثل انقلابا على النظام العالمى.. والصراعات الإسلامية تهدد مصالح الغرب قبل دول الربيع العربى
هنرى كيسنجر هو أحد أهم ثعالب الدبلوماسية الأمريكية وتتقاطع حياته المهنية مع العديد من المواقف واللحظات الحرجة فى الوطن العربى، فهو مهندس اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، ومنذ سنوات تنبأ وزير الخارجية الأمريكى السابق بأن المنطقة ستشهد مائة عام من الصراع السنى الشيعى، الآن يعود الثعلب العجوز بكتاب جديد ومهم (النظام العالمى).
يتضمن الكتاب قراءة لتفاصيل المشهد السياسى العالمى. يتكون الكتاب من تسعة فصول، خصص الدبلوماسى الأشهر فى تاريخ الولايات المتحدة الفصل الثالث للشرق الأوسط والذى حمل عنوان (الإسلاميون والشرق الأوسط، عالم غير منتظم).
بدأ كيسنجر الفصل بالإشارة إلى أن المشاكل الاقتصادية والسياسية واتساع مساحة عدم الرضا الشعبى من الأنظمة العربية، أعطى الفرصة للجماعات المتطرفة لكى تقدم نفسها كبديل، وظهر اثنان من التيارات المتطرفة المتعارضة أيديولوجيا:
أولا، النسخة السنية التى تجسدت أولا فى جماعة الإخوان المسلمين، الفرع الفلسطينى للإخوان حركة حماس والتى نجحت فى الوصول للحكم فى 2007، وأخيرا تنظيم القاعدة الذى يعد حركة إرهاب دولى.
ثانيا، النسخة الشيعية التى تتمثل فى النظام الإيرانى وحركة حزب الله فى لبنان.
وعلى الرغم من الصراع بين النسختين إلا أنه جمع بينهما التزام بالقضاء على النظام الإقليمى القائم من أجل بناء نظام جديد يتماشى وأحلامهم فى القيادة.
1 - دولة سيد قطب
يبدأ كيسنجر هذا الجزء من كتابه بالإشارة إلى أن فى ربيع 1947، قدم حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان نقدا لاذعا للحكومة المصرية فى رسالة حملت عنوان (نحو النور)، وتحدث فى رسالته عن استبدال الدولة المدنية بالنظام الإسلامى. ويسترسل كيسنجر فى شرح أفكار البنا وجماعة الإخوان والتى تتمحور حول رفض الأنظمة الغربية وأهمية تأسيس النموذج الإسلامى للدولة. وقد شهدت أفكار البنا تطورا جديدا على يد سيد قطب التى تحولت كتاباته إلى مصدر إلهام للجماعات الإرهابية والمتطرفة فى مختلف أنحاء العالم..
فى عام 1964، قام سيد قطب بصياغة إعلان للحرب ضد النظام العالمى القائم، وقد أصبح هذا الإعلان بمثابة النص التأسيسى للتيارات الإسلامية الحديثة. فى رؤية قطب فإن الإسلام يمثل نظاما عالميا يقدم النموذج الحقيقى للحرية: الحرية من حكم رجال آخرين، والحرية من كل ما صنعه الإنسان سواء كان ذلك عقائد أو جماعات قائمة على أساس العرق واللون واللغة والإقليم والمصالح الوطنية. أى التحرر من كل الأشكال الحديثة للحكم والولاء والمؤسسات التى يقوم عليها النظام الغربى.
من وجهة نظر قطب فإن مهمة الإسلام الحديثة هى استبدال كل هذه المستحدثات بالتطبيق الحرفى للقرآن، وكما هو الحال فى كل المشاريع الساعية لتأسيس يوتوبيا، ستكون هناك حاجة إلى تدابير متطرفة لتحقيق هذا الهدف. ويضيف كيسنجر أنه على الرغم من أن أغلب أتباع قطب قد أعلنوا مراجعتهم لهذه الأفكار إلا أن هناك مجموعة من الأتباع الملتزمين بهذه الأفكار بدأت فى التأسس من جديد.
يضيف كيسنجر أن آراء قطب وأتباعه كانت على درجة عالية من التطرف إلى درجة دفعت العالم الذى يسيطر عليه الحكم المدنى والذى تجاوز مرحلة المواجهات الأيديولوجية، إلى عدم الانتباه إليها بالقدر الكافى. لكن على الناحية الأخرى وجد المتطرفون الإسلاميون أن هذه الأفكار تمثل الحقائق التى تتجاوز قواعد ومعايير النظام الدولى. وأصبحت فيما بعد هذه الأفكار بمثابة صيحة الاستنفار التى يطلقها المتطرفون والإرهاببون فى الشرق الأوسط وخارجه على مدى عقود، وقد ترددت هذه الأفكار من قبل تنظيم القاعدة، حماس، حزب الله، حركة طالبان، النظام الإيرانى، حزب التحرير والذى يعمل فى الغرب ويدافع بشكل علنى عن تأسيس دولة الخلافة فى عالم يحكمه الإسلام، وبوكو حرام فى نيجيريا، الميليشيات المتطرفة فى سوريا وداعش فى العراق.
هذه الحزمة من الأفكار كانت تمثل انقلابا على النظام العالمى فى مفهومه الغربى. فى النسخة الكاملة للأسلمة، فإن الدولة لا يمكن أن تكون نقطة انطلاق لنظام دولى، لأن الدولة تعد نظاما علمانيا وبالتالى غير شرعى. وفى أحسن الأحوال فإنها تحقق نوعا من الوضع المؤقت كوسيلة لتحقيق كيان دينى على نطاق واسع. وفى هذا الإطار لا يمكن تطبيق مبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى لأن الولاء الوطنى يمثل انحرافا عن العقيدة الصحيحة، ولأن المجاهدين لديهم واجب وهو تغيير عالم الكافريان.
2 - معضلة مصر
للحظة عابرة، أطلق الربيع العربى، الذى بدأ فى أواخر2010، الآمال بأن قوى الاستبداد والتطرف المتنازعة فى المنطقة قد فقدت أهميتها فى مواجهة موجة جديدة من الإصلاح.
أيد القادة الغربيون ووسائل الإعلام المظاهرات فى مصر وتونس حيث قاد الشباب الثورة القائمة على المبادئ الليبرالية الديمقراطية. وقامت الولايات المتحدة الأمريكية بدعم مطالب المتظاهرين وأيدت صرخاتهم المطالبة بالحرية. إلا أن الطريق للديمقراطية كان متعرجا وصعبا، كما اتضح من تبعيات سقوط الأنظمة الاستبدادية.
بدأ الربيع العربى كثورة جيل جديد من أجل الديمقراطية الليبرالية. ولكنه سرعان ما وضعت هذه الأحلام عن جنب قبل تعطيلها أو سحقها. تحولت البهجة إلى شلل. القوى السياسية القائمة، والتى كانت جزءا لا يتجزأ من الجيش والدين فى أنحاء البلاد، أثبتت أنها الأقوى والأكثر تنظيما من الطبقة المتوسطة التى تظاهرت من أجل مبادئ الديمقراطية فى ميدان التحرير. وبشكل عملى، لم يكن الربيع العربى سوى إفراز للتناقضات الداخلية فى العالم العربى والإسلامى وللسياسات التى صممت من أجل حلها.
إن الشعار الذى تكرر فى الربيع العربى (الشعب يريد إسقاط النظام) ترك سؤالا مفتوحا حول كيفية تعريف الناس وماذا سيحل محل الأنظمة الاستبدادية التى تم إسقاطها. أن المنافسة الشرسة بين الاستبداد من جهة والأيديولوجية الإسلمية من جهة أخرى قد سحق المتظاهرين الأصليين لثورات الربيع العربى والذين كانوا يطالبون بحياة سياسية واقتصادية مفتوحة.
فى مصر، فإن الثورة لم يفز بها المتظاهرون الذين عبروا عن أفكار ديمقراطية ومنفتحة فى ميدان التحرير. إن القدرة على تجميع الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعى للتظاهر فى ميدان التحرير تختلف عن القدرة على بناء مؤسسات جديدة للدولة. فى الفترة التالية للثورة والتى شهدت فجوة فى السلطة، تمكنت الفصائل المنتمية لمرحلة ما قبل الثورة فى تحديد معالم نتائج هذه الثورة. أدى إغراء تعزيز الوحدة بالجمع بين القوميين والأصوليين إلى سحق الشعارات الأصلية للثورة.
مدعوما بائتلاف للجماعات أكثر تطرفا، وصل محمد مرسى القيادى بجماعة الإخوان المسلمين إلى كرسى الرئاسة الذى وعدت الجماعة بعدم السعى للفوز به أثناء اشتعال الثورة فى ميدان التحرير. أثناء وجودهم فى السلطة، ركزت حكومة الإخوان على تأسيس سلطتها وتجاهلت قيام مؤيديها بحملة من الترهيب والتحرش بالنساء، وبالأقليات وبالمعارضين. وكان قرار الجيش بإسقاط الحكومة وإعلان بداية جديدة للعملية السياسية محل ترحيب من العناصر الليبرالية الديمقراطية التى تعرضت للتهميش فى عهد الإخوان.
ويرى هنرى كيسنجر أن تطورات المشهد السياسى فى مصر أعاد من جديد فتح باب الحوار حول المبادئ التى تحكم السياسة الخارجية الأمريكية، وهل الولايات المتحدة مطالبة بدعم كل ثورة تقوم ضد نظام استبدادى بما فى ذلك الأنظمة التى تلعب دورا مهما فى بقاء النظام العالمى؟ وهل يمكن وصف كل مظاهرة بالديمقراطية؟... لقد وجدت الولايات المتحدة نفسها من جديد تناقش العلاقة بين مصالحها وموقفها من دعم الديمقراطية. كما أنه طرح سؤالا مهما متعلقا بالتوقيت: إلى أى مدى يمكن المخاطرة بالمصالح الأمنية لصالح أفكار نظرية؟ كلا الأمرين مهم. إن تجاهل المستقبل الديمقراطى مع افتراض أن أمريكا تستطيع أن تحدد اتجاهه، قد يؤدى إلى مخاطر على المدى البعيد. أيضا تجاهل المصالح الأمنية الأمريكية يتضمن المخاطرة بوقوع كارثة فورية.
3- سوريا
حين تناول كيسنجر الوضع السورى فإن تحليله إلى حد كبير هو إدانة للقوى الإقليمية والعالمية ولكنه بالطبع يبرئ بلده أمريكا يقول وزير الخارجية الأسبق إن الثورة السورية بدت فى الشهور الأولى وكأنها تكرار للثورة المصرية. ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الوصول لحل سياسى من خلال الأمم المتحدة قائم على الإطاحة ببشار الأسد من السلطة وتشكيل حكومة ائتلافية. لكن الموقف ازداد صعوبة مع رفض أعضاء دائمين فى مجلس الأمن تأييد هذه الخطوة أو اتخاذ تدابير عسكرية. وتعقد الموقف أكثر مع وجود الميليشيات المسلحة فى سوريا والتى لا يمكن وصفها بالديمقراطية أو بالمعتدلة.
ولكن الصراع تجاوز مجرد الإطاحة ببشار الأسد. اعتبر اللاعبون الرئيسيون فى سوريا والمنطقة أن الحرب لا تتعلق بالديمقراطية ولكنها تتعلق بالسيطرة. لقد اهتموا بالديمقراطية فقط كوسيلة لوصول جماعتهم للحكم، فلا أحد منهم يفضل نظاما لن يسمح لجماعته وحزبه بالبقاء فى الحكم. لقد تحول الصراع فى سوريا إلى صراع بين لاعبين لا يهتمون سوى بتحقيق الانتصار بصرف النظر على الآثار الجيوسياسية أو الجيودينية. من وجهة نظر المتصارعين فى سوريا، فإن الصراع لم يكن بين ديكتاتور وقوى ديمقراطية، ولكنه صراع بين الطوائف المتنازعة فى سوريا والداعمين الإقليميين لهذه الطوائف. من هذا المنطلق، فإن الصراع القائم سيحدد أى طائفة سوف تنجح فى السيطرة على الآخرين وبالتالى السيطرة على ما يتبقى من الدولة السورية. سهلت القوى الإقليمية تدفق السلاح والمال والدعم اللوجيستى إلى سوريا لصالح الطائفة التى تدعمها. دعمت المملكة العربية السعودية ودول الخليج الجماعات السنية، دعمت إيران بشار الأسد من خلال حزب الله. مع اقتراب وصول الصراع إلى طريق مسدود، أصبحت الجماعات والتكتيكات أكثر تطرفا على نحو متزايد، مما أسفر عن حرب وحشية شاملة أغفل فيها جميع الأطراف النواحى الإنسانية.
ويعدد كيسنجر فى تحليله للموقف السورى فوضى التحالفات والانقسامات التى تشهدها المنطقة. يقول كيسنجر: (فى الوقت نفسه، بدأ هذا الصراع فى إعادة رسم التكوين السياسى لسوريا، وربما للمنطقة. أسس الأكراد السوريون وحدة مستقلة على طول الحدود التركية والتى يمكن أن تندمج بمرور الوقت فى حكم ذاتى مع أكراد العراق. الدروز والطوائف المسيحية، وفى ظل الخوف من تكرار سلوكيات جماعة الإخوان المسلمين فى مصر صوب الأقليات، إما أحجموا عن تأييد تغيير النظام فى سوريا أو انفصلوا فى مجتمعات ذاتية الحكم. على ناحية أخرى يسعى تنظيم داعش والمتطرفون إلى بناء خلافة فى الأراضى التى سيطروا عليها فى سوريا وغرب العراق، حيث لم تعد كل من دمشق أو بغداد قادرة على فرض سيطرتها.
ويصل أشهر وزراء خارجية أمريكا إلى تحليله لموقف بلاده: تعتقد التيارات الرئيسية أنها معركة من أجل البقاء على قيد الحياة، وفى حالة بعض القوى الجهادية، هناك اعتقاد بأنها فى صراع ينذر بنهاية العالم. وعندما رفضت الولايات المتحدة الأمريكية ترجيح إحدى كفتى الميزان، حكموا عليها بأن إما لديها دافع خفى تخفيه بمهارة- ربما اتفاق نهائى مع إيران، أو أنها لم تشعر بانسجام مع ضرورات توازن السلطة فى الشرق الأوسط.
فى الوقت الذى طلبت فيه الولايات المتحدة الأمريكية من العالم احترام التطلعات الديمقراطية وإنفاذ الحظر القانونى الدولى بشأن الأسلحة الكيميائية، اعترضت القوى العظمى الأخرى مثل روسيا والصين من خلال التذرع بمبدأ عدم التدخل. هذه القوى العظمى تعاملت بشكل أساسى مع الانتفاضات فى تونس ومصر وليبيا ومالى والبحرين وسوريا من خلال منظور الاستقرار الإقليمى الخاص بهم ومواقف المناطق المضطربة التى يعيش فيها المسلمون لديهم. ومع إدراكهم بأن المقاتلين الأكثر مهارة وتسليحا هم فى حقيقتهم إرهابيون، شعرت هذه القوى العظمى بالخوف من انتصار معارضى بشار.
مع افتقار الإجماع الدولى انكسرت المعارضة السورية، وتحولت انتفاضة من أجل القيم الديمقراطية إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية فى القرن الواحد والعشرين وإلى انهيار للنظام الإقليمى. كان من الممكن أن يساهم نظام أمنى إقليمى أو دولى فى منع أو على الأقل الحد من الكارثة. ولكن تصورات المصلحة الوطنية أثبتت أنها مختلفة جدا وتكاليف الاستقرار شاقة للغاية. إن خيار القيام بتدخل خارجى كبير فى مرحلة مبكرة من الصراع كان بإمكانه إخماد الصراع بين القوى المتنافسة، ولكن كان الأمر سيتطلب تواجدا عسكريا طويل الأمد من أجل الحفاظ على النظام. فى أعقاب حربى العراق وأفغانستان لم يكن هذا الخيار ممكنا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، على الأقل لم تكن أمريكا مستعدة للقيام بتدخل عسكرى بمفردها.
كان بإمكان التوافق السياسى فى العراق أن يساهم فى إيقاف الصراع فى سوريا، ولكن الدوافع الطائفية لحكومة بغداد وفروعها الإقليمية وقفت فى طريق تحقيق مثل هذا التوافق. فى المقابل، كان من الممكن للمجتمع الدولى أن يفرض حظر أسلحة على سوريا والميليشيات المسلحة. ولكن مثل هذا الحظر كان مستحيلا فى ظل الأهداف المتعارضة للأعضاء الدائمين فى مجلس الأمن. إذا لم يكن من الممكن فرض النظام سواء بالقوة أو بتوافق الآراء، فسوف يتم فرضه بتكلفة كارثية ولا إنسانية.
4 - غلطة السعودية
المفارقة التاريخية، أن السعودية كانت بمثابة حليف قوى للديمقراطية الغربية فى ظل هذه الاضطرابات وذلك على الرغم من ممارساتها الداخلية المتناقضة مع الأنظمة الغربية.
منذ الحرب العالمية الثانية، كانت المملكة العربية السعودية حليفا، فى أحيان بهدوء ولكن بحزم من وراء الكواليس، فى معظم مساعى الأمن الإقليمى الكبرى. وقد ارتكبت المملكة خطأ استراتيجيا من الستينيات من القرن الماضى حتى عام 2003 ألا وهو تقديم الدعم والتعاون مع الإسلام الراديكالى فى الخارج. كشف انقلاب القاعدة على المملكة فى عام 2003 عن الخلل الفادح فى هذه الاستراتيجية. ومع صعود الحركات الجهادية فى العراق وسوريا تشهد هذه الاستراتيجية اختبارا جديدا. أن وقوع اضطرابات فى المملكة العربية السعودية سيكون له تداعيات عميقة على الاقتصاد العالمى وعلى العالم الإسلامى والسلام العالمى. كما أظهرت الثورات فى أماكن أخرى بالعالم العربى، فإن الولايات المتحدة لا يمكن أن تفترض أن هناك معارضة تتسم بالديمقراطية تنتظر من أجل حكم المملكة العربية السعودية بمبادئ تتوافق مع القيم الغربية.
5- خريف المنطقة
إن ما تشهده سوريا والعراق من صراعات أصبح رمزا لاتجاه جديد ومشؤوم ألا وهو تفكك الدولة إلى وحدات قبلية وطائفية يتجاوز بعضها الحدود الوطنية وتتلاعب بها قوى متنافسة خارجية.
مع تغير النظام بعد الثورة بدون تأسيس سلطة جديدة مقبولة وشرعية بأغلبية حاسمة من المواطنين، فإن تعدد الفصائل المختلفة واستمرار الانخراط فى صراعات مفتوحة على السلطة، قد يؤدى إلى انجراف أجزاء من الدولة إلى الفوضى أو التمرد الدائم، أو تندمج مع ولاية تفككت من دولة أخرى. الحكومة المركزية الحالية قد تكون غير راغبة أو غير قادرة على إعادة تأسيس السلطة على المناطق الحدودية أو كيانات غير تابعة للدولة مثل حزب الله، تنظيم القاعدة، داعش وطالبان. وقد حدث ذلك على سبيل المثال فى العراق وليبيا. بعض الدول بتكوينها الحالى قد تكون غير قادرة على الحكم بشكل كامل إلا من خلال أساليب حكم أو تماسك اجتماعى ترفضها أمريكا باعتبارها غير شرعية. ويمكن التغلب على هذه القيود، فى بعض الحالات من خلال التطور نحو نظام أكثر ليبرالية داخليا.
فى نفس الوقت إذا التزمت الفصائل داخل الدولة بمفاهيم مختلفة للنظام واعتبروا أنفسهم فى صراع وجودى من أجل البقاء، فإن مطالب أمريكا بوقف هذا الصراع الداخلى وتأسيس حكومة ائتلافية ديمقراطية قد يؤدى إما إلى إصابة الحكومة القائمة بالفعل بالشلل (كما حدث مع شاه إيران) أو يتم تجاهل المطالب الأمريكية. إن الحكومة المصرية بقيادة اللواء عبدالفتاح السيسى قد تعلمت من سابقيها وقررت تغيير اتجاهها بعيدا عن التحالف الأمريكى التاريخى لصالح مزيد من حرية المناورة.
فى مثل هذه الظروف سيكون على الولايات المتحدة اتخاذ قرار على أساس ما يحقق أفضل مزيج من مصالحها الأمنية والقيم، مع إدراك أن كليهما سيكون ناقصا.
ويستعرض الكتاب أن فى ليبيا على سبيل المثال أدى سقوط نظام القذافى إلى تمزق الدولة ذات المساحة الشاسعة بسبب الانقسامات الطائفية والتناحر بين الجماعات القبلية. وبدأت القبائل والمناطق المختلفة فى تسليح أنفسهم لتأمين حكم ذاتى أو تم السيطرة عليهم من خلال الميليشيات المسلحة. وعلى الرغم من الاعتراف الدولى بحكومة طرابلس إلا أن هذه الحكومة المركزية غير قادرة على فرض سيطرتها على أنحاء البلاد.
المناطق غير الخاضعة للحكم أو التى يسيطر عليها الفكر الجهادى تنتشر اليوم فى جميع أنحاء العالم الإسلامى مما يؤثر على كل دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ووسط أفريقيا.
فى ظل هذه الظروف اشتعلت الصراعات فى منطقة الشرق الأوسط فى مواجهة أقرب للحروب الدينية التى شهدتها أوروبا فى القرن ال17.
ويرى هنرى كيسنجر أن هذا الوضع فى الشرق الأوسط يستدعى تضافر الجهود الدولية فى مواجهة الإرهاب والفوضى اللذين لا يهدد العالم العربى فقط ولكنه ما يهدد أن استقرار النظام العالمى بأكمله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.