فى حقبة ليست ببعيدة فى قاهرة المُعز كانت هناك عدة طوائف إنسانية تعيش وتتلاحم وتتعامل مع بعضها البعض فى سلام، وعلى الرغم من اختلاف الأديان فإن سماحة العقائد سمحت لكل طائفة منهم أن تتقبل الأخرى دون تعقيدات فكرية.. اليوم حين تطأ قدماك تلك الحارة العتيقة بحى الجمالية، تستطيع أن تتخيل كيف عاش هؤلاء اليهود فى مصر يوما كجالية كبيرة، واندمجوا مع المصريين منذ القرن التاسع عشر، بل وازدهرت تجارتهم فيها، لكن وتأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، فحين قام الكيان الصهيونى، صاحب ذلك مؤامرات من بعض قطاعات اليهود مما سبب أزمة لأمن مصر القومى.. وسواء كان اختيارا أم اضطرارا.. فقد اتخذ عبدالناصر قراره وتخلص من تلك الجالية وهجّرها، خاصة بعد فضيحة تفجيرات لافون 54 وما أعقبها من عدوان ثلاثى غاشم على مصر..
لكن حتى وإن أطاحت العلاقات السياسية بتلاحم البشر، تبقى دائما علاقاتهم الإنسانية هى الذكرى.. فكيف عاش المصريون مع اليهود والمسيحيين على أرض واحدة، يقتسمون الضحكة ويتشاركون النكبة ويكتبون الذكريات..
إنها مصر.. وتلك هى عظمتها وسر وحدة شعبها على طول التاريخ الطويل..
ولايزال خير شاهد على ذلك، هو وجود شخص من قُدامى قاطنى حارة اليهود ويدعى «منير باولو» وهو رجل يفتتح دكانه صباحا بانتظام على الرغم من أنه لا يبيع شيئا من النحاس الذى كان يبيعه بالأمس، لكنك تلمح بمحله المتهالك لافتة مكتوب عليها «رأس الحكمة مخافة الله» بالعبرية والعربية.. والمثير للدهشة أيضا أن جهاز الراديو بجواره ينطلق منه صوت الشيخ عبدالباسط فى تلاوة للقرآن، بينما يعلق باولو على الحوائط صور العذراء ونجمة داود!.. هكذا كانت مصر يوما..
إذن فالجدران فى الحى العتيق لها رواية أخرى، وتبقى الأشياء خير شاهد على أن مصر استطاعت أن تصبح مهد الأديان جميعا واستطاع شعبها أن يتجاوز على مر السنين فكرة أن تكون مختلفا، لكنك بكل الرحب والسعة لك كل الحق فى أن تكون.. صديقاً..
وتمر الأيام وتنحدر الأخلاق وتتدهور العلاقات وتتأزم النفوس.. حتى تهل علينا جماعة الإخوان المسلمين بوجهها القبيح والتى وبكل أسف تتحدث باسم الدين الإسلامى لتخلق شعبا جديدا داخل الشعب، وتزرع حقدا وكراهية فى نفوس أبنائها ليظهر جيلا يعيش الآن بيننا يُكفر الجميع ويعامل المختلفون معه على أنهم أعداء..
ومن هذا المنطلق أصبح أهالى قرية «دلجا» الواقعة غرب المنيا أسرى فى أيدى المتطرفين من جماعة الإخوان، الذين تحولوا بعد بيان الفريق عبد الفتاح السيسى إلى عناصر تخريبية فقاموا بعمليات غير أخلاقية من البلطجة والسطو على الكنائس وسرقة منازل الأقباط تحت ستار «شرعية الرئيس المنتخب» متناسين تماما أن الإسلام لم ولن يكون سوى دين سماحة وسلام.. وإنهم ليسوا حماة حق لكنهم فى الحقيقة طُغاة باطل..
وعادت الأمور تتأزم بعد فض اعتصامى رابعة والنهضة من جديد، وكأن الأقباط لزم عليهم أن يدفعوا الثمن كما ألزموهم يوما بدفع الجزية.. فما كان من قوات الأمن والجيش إلا أن اقتحما القرية وفرضا حظر تجوال مؤقت واستطاعوا تقديم الحماية لأهل القرية العُزل.. وسط اتهامات أبناء الجماعة طبعا للجيش بالقتل والسحل وعودة دولة البوليس!..
ويبقى السؤال.. متى تعود مصر إلينا من جديد؟ متى تصبح تلك الأرض قادرة على أن تضمنا جميعا بلا فواصل دينية أو عرقية؟ متى يصبح الحُب هو عنوان بيوتنا؟ متى تعود تلك المساحة الخضراء فى قلوبنا لتكسو مشاعرنا بلون الرحمة؟
لقد إكتشفت كل أسرة عقب وصول الإخوان للحكم أن بداخلها فرد يحمل الجنسية الإخوانية.. واكتشف كل واحد منا أن له صديقاً أو جاراً أو زميلاً تم اختطاف عقله من قبل تلك الجماعة المشئومة..
فوقع الشقاق.. وظهر الاختلاف.. واحتدت المناقشات حتى أصبح الرأى طلقة رصاص، وأصبح الموقف معركة دامية، وتحول الاختلاف فى الرأى إلى حرب إنسانية..
لن أنكر أننى شخصيا قد أصبحت تنتابنى دون قصد حالة من الامتعاض لحظة أن تقع عينى على رجل ملتح أو سيدة منتقبة، أو من منظور آخر أصبحت أجتر الذكريات فتقتحمنى مواقفهم المخزية الإرهابية المتعصبة العمياء، طوال فترة حكم الرئيس مرسى.. فأشعر بالغثيان.. ولكننى لازلت أحارب نفسى فى محاولة لتقبل وجودهم بيننا..
والأدهى أنهم من شدة الغباء وإصرارهم على عدم الاندماج فى المجتمع الجديد بشكل إيجابى، خلقوا علامة «رابعة» التى أصبحت شعارا للكراهية ولونا للاستنكار..
هكذا كشفوا ورقتهم الأخيرة، فقد أصبح من اليسير جدا أن تنتقى كل من هم كانوا ينتمون إلى تلك الجماعة وينكرون ذلك الانتماء بل ويتسترون وراء فكرة التعاطف معهم فقط، فأصبح لفظ خلاياهم النائمة بمجرد نقرة على زر الDelete..
ولكنى حين أنظر اليوم إلى المستقبل تستدعينى أحداث الماضى..
فالتاريخ حكى لنا أن ثورة 1919 قامت تحت شعار الهلال مع الصليب.. وحارة اليهود لاتزال تحمل ذكرى فئة من البشر كان من المستحيل أن تصبح جزءاً من النسيج الوطنى المصرى لولا عبقرية هذا الشعب ودفء مشاعره..
اليوم ولأننا نؤسس لمصر جديدة عظيمة، يجب أن نأخذ فى الحسبان أن هناك فئة من الإخوان لاتزال تعيش بيننا، بل وستولد أجيالا من أبناء تلك الفئة، ترث عن أسلافها منهج العنف والتطرف.. وهنا يجب أن يأتى دور كل مصرى يحب بلده عن حق ويتمنى لها أن تتخطى تلك المرحلة بسلام..
يجب أن نتبنى فكريا وعقائديا جيل الصغار من تلك الجماعة، وأنا هنا لا اتحدث عن من يفتعلون العنف كل يوم ويسيرون فى مسيرات الوهم والتغييب، لأنهم بكل أسف ضلوا الطريق وأصبحت عودتهم إلى حضن الوطن فى غاية الصعوبة.. لكننى اتحدث عن الأطفال منهم والشباب المُتحير الذى اختلطت عليه الحقائق فضلت مشاعره الطريق.. واتحدث عن أهمية دور وزارة التربية والتعليم فى طرح مبادرة لوضع أبناء المدارس على طريق الوحدة الوطنية والمصالحة الفكرية، عن طريق استحداث مادة دراسية معنية بأخلاقيات الأديان والمبادئ المتشابهة التى جاء بها كل الرُسل فى مختلف الديانات، والتى هى قلب كل الأديان مثل التسامح والعطف والصدق والتعاون والانتماء والحب..
فتلك المبادئ ثابتة لا تتغير باختلاف الدعوى، وهى رسالة الله عز وجل للبشرية أجمعين، فنحن بتقسيم الأولاد فى المدارس داخل حصص الدين إلى قسمين لا نسعى إلا بتقسيم نفوسهم إلى مسلم ومسيحى.. وهى دعوى غير مقصودة لإحداث فاصل وشرخ نفسى بينهما.
لذا فوجود مادة لتعليم الأخلاق يحضرها المسلم والمسيحى على حد السواء سوف تكون محاولة لرأب الصدع أكثر منها مادة لها درجات وعليها امتحانات.. ولنسميها مثلا «الدين الأخلاق».. أو.. «وإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا»..
المدرسة هى البيت الكبير والتعليم الحياتى الذى لا ننساه أبدا، وعلاقة الطالب بأصدقائه فى الفصل هى منظور صغير لعلاقته بكل أطياف المجتمع لاحقا.. وخلق تلك الروح بين الطلاب فى سن صغيرة هو الحل لخلق مصر قادرة على استيعاب الجميع..
واسمحوا لى أيضا أن أستغل قلمى لأدعو الجوامع والكنائس بتبنى نفس القضية وعمل دروس للأطفال من الديانتين لتوضيح الحقائق الغائبة ونبذ العنف وتعليمهم القدرة على التعايش السلمى وتقبل الآخر لتوثيق العلاقة بين أبناء الديانتين تحت إشراف مؤسسة الأزهر الكريمة..
كما أحلُم حتى لو كان حُلمى بعيد المنال أن يصل الأمر بالقساوسة والشيوخ إلى الذهاب معا بالتناوب إلى المساجد والكنائس رافعين شعار «مصر مهد الأديان» فى صورة قد تُغير نظرة الأجيال القادمة للتدين الحق، وقد تأخذنا من هوة التطرف إلى قمة التسامح..
أطرح المبادرة وكلى أمل فى أن تتبناها الجهات المعنية.. فهل من مجيب؟..