والله العظيم الشعب المصرى ده مالوش حل.. فى لحظات الشعور بالخطر يتحول إلى كائن عملاق عبقرى ويخرج رد فعله عن كل توقعات السادة المتآمرين.. سواء فى الخارج أو فى الداخل ليصيبهم بالصدمة والذهول وأيضاً ليبث فينا جميعا روح التفاؤل والأمل وليقوى لدينا اليقين بأن المصريين شعب لا يقهر.. واللعب على الفتنة الدينية فى تاريخ مصر طويل ومتنوع منذ أيام الولاة العثمانيين وحتى مجىء الفرنسيين ووصل للذروة مع الاحتلال الإنجليزى الذى رفع شعار «فرق تسد» لخلق فتنة دائمة تظل تنخر فى قلب المجتمع المصرى فيبقى ضعيفاً متهاوياً يسهل حكمه والسيطرة عليه بحجة أن الإنجليز فى مصر لحماية الأقليات الدينية وهى الأقباط.
وأصل اللعب على هذه المشاعر فكرة قديمة منذ أن رفعت جيوش أوروبا راية الصليب لتحتل الشرق الأوسط باسم الدين، وعندما جاء نابليون إلى مصر ذهب إلى أحد الجوامع وارتدى العباءة، ووقف وسط المنشدين يهتز يميناً ويساراً ليقنع المصريين بأنه يحب الإسلام ونبى الإسلام ثم ما لبث أن واجه مظاهرات المصريين داخل الجامع الأزهر بالجنود والاقتحام بالخيول وحرق كتب الأزهر، وبعدها بوقت قليل ضرب الأزهر بالمدافع من فوق المقطم ليخمد ثورة المصريين داخله.
وعندما كان سعد زغلول فى الخارج بعد الخروج عن النفى الأول فى أواخر عام 1919 وأيد مؤتمر الصلح فرض الحماية على مصر وقررت إنجلترا إرسال لجنة إلى مصر لتتقصى رغبة المصريين وأسباب ثورته.. قرر الشعب المصرى بتوجيه من سعد باشا أن تظل الوزارة خاوية بلا وزير.. وتم الاعتداء على وزارة محمد سعيد باشا مرتين حتى قدم استقالته وكان قد واجه الملك فؤاد بخطورة مجىء لجنة «ملز» هذه إلى مصر لأنها مستفزة لشعور المصريين ولكن لم يستمع.. وبحث الملك فؤاد عن وزير يقبل تولى الوزارة ورفض كثيرون ويبدو أن اللورد «اللمبي» أوصى له بتولية يوسف باشا وهبة للوزارة وهو قبطى وقد توقع أن يحاول المصريون اغتياله على يد شباب مسلم وهو قبطى فتحدث فتنة ويشق العلم المصرى الأخضر الذى صممه المصريون لثورة 1919 ويصبح الصليب فى ناحية والهلال فى ناحية.. لكن كان رد الفعل مفاجئا فقد اجتمع الأقباط فى الكنيسة المرقسية الكبرى وأعلنوا رفضهم واستياءهم من تولى يوسف باشا وهبة للوزارة وأصدروا بياناً قالوا فيه «إن قبولكم الوزارة هو قبول للحماية الإنجليزية وقبولكم للجنة «ملز» هو مخالفة لما أجمعت عليه الأمة المصرية من طلب الاستقلال..» وتوالت إليه الاحتجاجات بلا فائدة.. وكان أن تعرض إلى محاولة اغتيال.. وتمكن البوليس المصرى من القبض على الشاب الذى ألقى قنبلة على عربة يوسف باشا وذهبوا به إلى رئيس الوزراء نفسه وسأله لماذا فعل ذلك فقال له: «لأنك خرجت على اجتماع الأمة وقبلت الوزارة»، وعندما سأله عن اسمه، قال: اسمى «عريان يوسف سعد» «قبطى زيك يا باشا!!»..
وأشعر هذه الأيام بتجلى ذكاء الشعب المصرى الجميل المتفرد خاصة فى أعياد رأس السنة الميلادية وعيد الميلاد المجيد للمسيحيين وأقباط مصر.. فبعد أن أصدر مشايخ الفتنة إياهم هذا السيل من الفتاوى الخاصة بتكفير الأقباط وتحريم تقديم التهنئة لهم فى أعيادهم.. حتى إن المبالغة وصلت بأحدهم فقال «سوف نقف أمام الكنائس لندعوا الأقباط للإسلام».. وقال آخر قبل ذلك بقليل عندما تولى قداسة البابا تواضروس كرسى البابوية ويبدو أنه قال عبارته من باب التهنئة فقد قال: إنى أدعو البابا الجديد لاعتناق الإسلام والهداية.. ووصل التكفير إلى أن قال أحدهم على د. مجدى يعقوب وتواضروس - يقصد البابا - فى النار.. ليه يا عم؟؟ أهوه كده وخلاص وإن كان عاجبكم..
المهم بعد هذه الفتاوى المشتعلة.. كان رد الشعب المصرى، وفى ليلة رأس السنة الميلادية فى الإسكندرية وأمام كنيسة القديسين كان أيضا الاحتفال بالذكرى الثانية لشهداء الحادث المشئوم الذين راحوا ضحية تفجير الكنيسة منذ عامين ورأيت بعينى الشابات المسلمات المحجبات يقفن أمام باب الكنيسة يحملن الورد والمشاعر والابتسامة الودودة الصادقة ويقدمن لكل قبطى جاء للصلاة داخل الكنيسة «وردة».. وبعد ذلك وقبل دقات أجراس الساعات الثانية عشرة كان الشارع أمام الكنيسة مكتظاً بالشباب والشابات والرجال والنساء من المسلمين يهتفون «مسلم مسيحى إيد واحدة» وينشدون «بلادى بلادى» ويصرخون تحيا مصر.. ومع أجراس الكنيسة انطلقت الصواريخ الملونة مع التهليل والهتاف والزغاريد.. وهكذا كان رد فعل المصريين.. أما فى ليلة عيد الميلاد فقد انتشر الورد على أيدى الشباب والشابات من المصريين المسلمين أمام أغلب كنائس القاهرة يقدمون التهانى والورد، بل وأخبرنى البعض أن الكثيرين منهم دخلوا إلى الكنيسة ليشاركوا أشقاءهم المسيحيين القداس والصلاة وجلسوا بالعند فى مشايخ الفتنة فى الصفوف الأولى.
أما الرسائل التى كتبت على الفيس بوك فكانت أبلغ من أى حدث وأروع من أى هتاف لوحدة الوطن.. تقول إحدى الشابات «إلى كل الإخوة الأقباط كل عام وأنتم بألف خير.. أصدقاء وإخوة لنا.. شركاء فى هذا الوطن.. مصر الحبيبة التى سندافع عنها سوياً ولن يستطيع أحد أن يفرق بيننا فمنذ قديم الأزل أعيادكم هى أعيادنا وأعيادنا هى أعيادكم نحتفل بها سوياً ونفرح سوياً وإلى الأبد بإذن الله سنظل إخوة مصريين قبل كل شيء».
وقال أحد الشباب: «إذا كنا نحن خيوط نسيج الأمة الطولى فأنتم خيوط نسيجها العرضى ومن المستحيل أن يستمر أى منا متماسكاً بدون الآخر ومن المستحيل أن ينجح أحد فى التفرقة بيننا، فهنيئاً لنا بكم وهنيئاً بكم لنا، وقيل غير ذلك الكثير والكثير من الكلام الرائع الرفيق الصادق الذى يتوج محبة المصريين لوطنهم وأهلهم وتوج هذه الكلمات الداعية الرائع «الحبيب على الجعفرى» عندما قال: إنى أسلم على سيدنا عيسى فى مولده.. فقد قال الله تعالى فى كتابة الكريم «والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً»، وقال عن زيارة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وفضيلة المفتى للكاتدرائية للتهنئة «إنها رسالة واضحة لمن يريد أن يفهم.. حفظ الله الأزهر ورجاله..» وهكذا الفرق بين الدعاة الحقيقيين وبين مشايخ الفتنة والتكفير والسباب.. وهكذا سيظل الشعب المصرى من أرقى شعوب الدنيا مصريين أشقاء لهم نفس سمرة البشرة بلون النيل ونفس سواد العيون الذكية ونفس الود والقلب النقى والعقل الراجح.. نفس التراث والأخلاق والحضارة.. نفس التحدى والوحدة عند الشعور بالخطر.. فعلا شعب صعب المنال.. ولذلك كله فنحن مدينون بالشكر والتقدير والعرفان لكل مشايخ الفتنة والضلال والتكفير أن لهم الفضل الأول والأخير فى ظهور وجه المصريين الحقيقى المشرق الراقى فى هذه الأيام.. أيام المحنة.