فى خطبة عصماء للريس حنفى شيخ الصيادين، بمناسبة تدشين السفينة نورماندى تو، قال بكل فخر: ( الآن أيها الإخوان المجتمعين فى هذا الصوان من سالف العصر والأوان أسلم حسن أفندى القبطان وابن حميدو أفندى القرصان المفتاح الذهبى للباخرة العظيمة نورماندى تو..تو..تو) وما أن تم تدشين السفينة العظيمة، حتى غرقت لوجود ثقب كبير بها !!..
كلما عدت إلى مشاهدة ذلك المشهد، أقع على ظهرى من الضحك، ويأخذنى الفضول لأتساءل: هل كان الريس حنفى يُدرك أن السفينة حقا بها ثقب؟ أم أنه كان يبيع وهما وكذبا للمُشترين؟.. تُرى هل كانت مجموعة الهتيفة التى حضرت حفل التدشين تعى المأساة وتعلم مصير نورماندى؟ أم إنهم مجرد كومبارس مُغيب يهتف بحُرقة: “يعيش البحر الأحمر المتوسط”!.
إذن يبقى “ابن حميدو” هو فيلم العام وكل عام..لكن وماذا عن مصر فى عام 2013؟
نحن اليوم بصدد خطاب رئاسى يؤكد أن الاقتصاد مزدهر، والبنك المركزى ينفى..خطاب يطمئن الشعب ويؤكد على الاستقرار السياسى، والحكومة تنفى..خطاب يوضح مدى الانتعاش الذى نعيشه، ودولار يقفز إلى أعلى مُعدلاته (دايس على الجنيه بجزمته)..خطاب يؤكد احترام القضاء، والواقع يؤكد الإطاحة برموز المحكمة الدستورية، والتربص بالقاضية تهانى الجبالى والمستشار الزند لمجرد كونهما أصوات معارضة..خطاب يؤكد احترام حرية الرأى والتعبير، وفى المقابل يتم التعامل مع الإعلاميين والصحفيين على أنهم فلول مبارك والأيدى الخفية بتوع الحارة المزنوقة!.. خطاب يؤكد احترام المُعارضين قبل المؤيدين، وتبقى واقعة الدستور خير دليل على أن الإخوان المسلمون هم كل الأطراف المُصغى إليها، فهم اللجنة التأسيسية وهم مراقبو اللجان، هم أعضاء السلطة التنفيذية والتشريعية ورئاسة الجمهورية، أى إنهم الرأى والرأى الآخر بما لا يخالف شرع الله!...خطاب يؤكد أن أمن الدول العربية مسئولية مصر! ويبقى السؤال: طب وأمن مصر مسئولية مين؟ شركات الكير سيرفيس!..خطاب يؤكد إن الأحداث التى خرج فيها البعض عن سلمية العمل السياسى هى التى تسببت فى الانهيار الاقتصادى(على حد قول الرئيس)، ولم يتم بالمثل ذكر تأثير مليونيات الشريعة ومحاصرة الدستورية واحتلال الإنتاج الإعلامى وتعذيب الثوار على الاقتصاد..
لقد وأدت جماعة الإخوان قدرة المصريين على العمل والأمل..بل وقتلت فيهم القدرة على الحُلم!..فلم نعد نحلم بالغد، ولم تعد أمنيات العام الجديد تخرج عن حالة من التشاؤم والخوف من مجهول نتوقعه وخراب ننتظره على الأبواب..وخصوصا أن الرقم 13 هو رقم العام (يعنى ماتنصفناش فى القص حنتنصف فى اللزق!).
ماذا نريد إذن كى يتحقق لنا الاستقرار؟..
إننا نريد حكومة قوية لها رؤية، لا يخرج رئيسها ليقدم وعودا لا تتحقق، أويدافع عن إنجازات لم يشعر بها المواطن، ويقدم مبررات لتصريحات كاذبة يُراد بها باطل...ما الذى يمنع الوزراء من العمل على رفع كفاءة وزاراتهم (لعل المانع خير)..
إننا نريد إعادة النظر فى بنود الدستور التى تم الاعتراض عليها، آنذاك يصبح الحوار الوطنى الذى يدعو إليه الرئيس مطلبا واقعيا، لالتفاف الشعب وتوافقه حول مبدأ واحد وهو دستور يحترم حقوق الجميع..
كما نتمنى أن تكف بعض قيادات الإخوان والليبراليين عن التصريحات النارية الاعتباطية التى تُشعل النيران كلما هدأت، فمثلا دعوة السيد عصام العريان لعودة اليهود إلى مصر، هو تصريح استفزازى لا مبرر لخروجه سوى وضع أعضاء الحزب فى حرج هم فى غنى عنه، لأنه يؤكد على علاقة خفية بدولة إسرائيل لا نعتقد أنها موجودة! (ولو كان لابد يعنى، يبقى ممكن يستضيفهم فى بيته!).
يجب أن يحدث شىء من الطمأنة من مؤسسة الرئاسة والحكومة لمختلف الفئات، فالمتظاهرون لا يرضيهم قانون التظاهرات ما دامت وقفاتهم سلمية..والمبدعون يخشون على حريتهم فى الإبداع..والمرأة المصرية تخشى على وجودها وحقوقها من الفناء..والأمهات تخشى على قوانين الحضانة والخلع والطلاق من وصولها إلى أيدى الإسلاميين المتشددين..
إن الجميع يخشون الغد يا سيادة الرئيس، ولتتأكد بأن مرحلة الجهد والعمل والنمو الاقتصادى الذى أشرت إليها فى خطابك، تحتاج إلى قدرة على العطاء، وهى قدرة لا تأتى سوى من شعب آمن مطمئن..أما الشعب الخائف المهزوم فلن يقدم سوى ارتباك وتردد وكراهية..
إن مصر على وشك أن تُصبح نورماندى تو..وهكذا لا يسعنى أن أقول لمصر بمناسبة العام الجديد سوى.....سيرى يا نورماندى باسم الله مجراك ومرساك....