(1) كانت مصر في العقد الأخير من القرن الثامن عشر نموذجا فادحا لأشلاء دولة تتنازعها الذئاب بلا رحمة، وكانت القاهرة تنتفض ضد الظلم، مودعة قدرتها على التحمل والتعايش، ولم تعد تتكلم إلا لغة الإضراب والثورة، وكانت صيحة شيخ المالكية أبي البركات أحمد الدردير: "سننهب بيوت الأمراء كما ينهبون بيوتنا" إنذاراً عاليا لم تسمعه الأطراف المتصارعة على الحكم، والمتسارعة في السلب والنهب. وبالرغم من أن ثورة أهالي الحسينية الأولى انتهت إلى فراغ، حيث ظلت نتائجها معلقة بعد مواجهة الأمير حسين شفت لشيخ البلد ابراهيم بك، وقوله في وجهه: لن أعيد شيئا، وإذا كنت تسمي ما حصل عليه رجالي من شيخ الحسينية الذي يتقاعس في دفع الفِرَد والإتاوت "نهباً"، فليكن نهباً ولن أرد شيئاً، فكلكم تنهبون. وبعد صياح وأخذ ورد، أنهى الأمير ابراهيم بك الاجتماع دون تصعيد لأن "شفت" أحد أبرز الصناجق في فريق غريمه وشريكه اللدود مراد بك، وطلب ابراهيم بك من الشيخ الدردير أن يقنع الغاضبين بالتريث لبعض الوقت، حتى ينظر في أمر شفت، ويعيد المنهوبات. صورة نادرة لمفتي المالكية الشيخ احمد الدردير (2) استوقفتني كلمة الأمير المملوكي المتغطرس، والتي حدد فيها مكان النهب من بيت أحد الشيوخ، وليس من معظم بيوت سكان الحارة كما ذكرت معظم المصادر، وبمزيد من التحقيق في المراجع التاريخية، ثبت أن ثورة الأهالي لم تكن بسبب انتهاك بيوتهم، فبيوت الفقراء لم يكن فيها ما يستأهل النهب، لكن مماليك شفت اقتحموا دار الشيخ أحمد سالم الجزار، متولي رئاسة دراويش البيومية؛ لأنه جاهر بعدم دفع الإتاوات، وأراد الأمير أن يجعله عبرة حتى لا يتجرأ غيره، ويتعطل التحصيل، وهذا يعني أن أهالي الحسينية لم تحركهم مصالح فردية تخص كل واحد فيهم، ولكن حركتهم غيرتهم على كبرائهم، وغضبهم من اقتحام الحارة، وخشيتهم من الصمت على ما حدث فيتمادى ظلم المماليك. (3) كان طعم الغضب لا يزال في نفوس الأهالي عندما سمعوا بعد أيام أن رجال الأمير سليمان بك نهبوا سفينة المؤن التي تحمل أغذية للمجاورين الصعايدة في الأزهر، وأغلق طلبة العلم الجامع، وابطلوا الدروس، وقال الشيخ الدردير لإبراهيم بك شيخ مصر: كيف يحدث ذلك وقضية الحسينية لم يظهر لها حل؟ الناس لن يسكتوا، والغضب سيحرق الجميع، وحاول الأمير سليمان أن يبرر النهب فقال: لا شأن لنا بطلبة العلم ومالهم، والسفينة لا تخصهم، وما عليها كان ملكاً لأولاد وافي، الذين يرفضون دفع ما عليهم من مخصصات للدولة، فصادرنا الحمولة كحق الدولة. كان شيخ الأزهر أحمد العروسي قد حضر الاجتماع، ومعه الشيخ محمد المصيلحي برغم ما بينهما من نزاع قديم على مشيخة الأزهر، وكان العروسي قد واجه ابراهيم بك بقوة، عندما سعى لعزله من المشيخة، وخشي أن يغيب عن الاجتماع تاركاً غريمه الشافعي المنشق يناصر الحق وحده، ورفض الشيوخ الانصراف حتى يتعهد ابراهيم بك برد المنهوبات، واستجاب سليمان بك، لكنه بعد ذلك رد القليل واحتفظ بالكثير، لكن الأمر كان قد مر كسوابقه. الشيخ احمد العروسي (الأول) شيخ الجامع الازهر (4) حدث في نفس العام أن الشيخ الدردير خرج لزيارة مقام السيد البدوي في طنطا، وكان كاشف ولاية الغربية قد فرض رسوما على الإبل التي تباع في الأسواق، ولما اعترض جماعة من الأشراف استولى على إبلهم، ووصلت الشكاية للشيخ الدردير فخرج على بغلته في مسيرة كبيرة أمام الأهالي نحو منزل الكاشف، حيث قابل نائبه (الكتخدا) فخاطبه الدردير بعنف وهو راكب بغلته، وطالبه برد الإبل، وإذا بشاب من فقراء المسيرة المتحمسين لنصرة شيوخهم الأشراف، يتجه فجأة نحو الكتخدا وينهال عليه ضربا بالعصا، فتدخل جنود الكاشف وضربوا الشاب بعنف، وكل من تدخل لحمايته، ثم بدأو في ضرب كل المتجمهرين أمام المنزل بما فيهم أحمد الصافي معاون الشيخ الدردير، الذي انصرف غاضبا وهو يتوعد الكاشف وحراسه، وتجمهر الناس حول شيخ المالكية رافضين إهانته، وحضر الكاشف ومعه كبار القوم لاسترضاء الشيخ الدردير، حتى نودي بالأمان في طنطا، وعاد الشيخ إلى القاهرة، فوجد الوالي وشيخ البلد وكتخدا الجاويشية في استقباله لاسترضائه والاعتذار إليه، خاصة وأن الأخبار الواردة من الباب العالي كانت تدور حول غضب السلطان العثماني من توسع سلطات المماليك واستئثارهم بخيراتها وتطويعهم للوالي بالرشوة أو التخويف، وبالفعل بعد 3 اشهر تحركت حملة عسكرية بقيادة حسن باشا القبطان، لاستعادة السلطة من أيدي المماليك، وتنصيب اسماعيل بك شيخاً على مصر بدلا من ابراهيم بك الذي فر إلى الصعيد ومعه مراد بك ومعظم الأمراء، بينما تم اعتقال عدد من الأمراء بينهم حسين شفت، وسليمان الكاشف، وعثمان المرادي، وحبسهم في إحدى قلاع قبرص، حيث مات شفت نتيجة التعذيب في السجن، بعد تطاوله بالسب على أحد الحراس. (5) تخلص المصريون من ظلم أمراء النهب، وفرحوا بتولي اسماعيل بك وصناجقه من العثمانلية حكم البلاد، لكن مالم يؤخذ بالنهب يؤخذ بالضرائب والمكوس والمغارم، والمظالم، كل ما هنالك أن اسماعيل بك غير اسم "المظالم" وجعلها "القرض" حتى يخدع الناس، ويوهمهم أنه لا يفعل ماكان يفعله المماليك، ولم يستغرق الناس وقتاً ليفهموا أن هذا "القرض" هو المظالم نفسها، وأنه لن يرد، وتفشى بينهم قول "السلف تلف والرد خسارة"، حتى صارت مثلاً، وبدأوا الإضراب التدريجي، فأغلقوا المتاجر والوكالات، وغادر السوقة أسواقهم، وزاد السخط، وتكررت المسيرات نحو الجامع الأزهر للبحث عن حل، وكان المشايخ يطلبون منهم التهدئة وإعطاء فرصة للحاكم الجديد..!، ولما لم يجد الناس حلولاً قرروا الاعتصام في الأزهر وإغلاق أبوابه، فتدخل الشيخ العروسي وطالبهم بالتريث وعدم إغلاق الأزهر، لأنه سيدعو إلى مجلس يحضره كبار العلماء والتجار لبحث أزمة المظالم (الضرائب) التي فرضها اسماعيل بك على كل شعب مصر، بعد ساعات من التشاور، انتهى الاجتماع بصياغة رسالة استفسار حملها الشيخ سليمان الفيومي إلى اسماعيل بك، مع ديباجة توضح خطورة حالة السخط والغضب بين الناس، وأملى اسماعيل بك على كاتبه رداً قال فيه: إن الأموال المطلوبة إنما هي على سبيل "القرض"، والقرض ليس واجبا إلا على القادر، أما الطوائف التي تتجمع عند الأزهر فلها منا العفو والأمان إذا انصرفت إلى حال سبيلها. ولما قرأ الشيخ سليمان الرسالة على المعتصمين، ارتفع صياحهم، وزاد غضبهم، وقالوا لن نبرح مكاننا حتى يصدر إسماعيل بك ميثاقا مكتوباً يوقع عليه هو وصناجقه، ويضمنه علماء الأزهر. مسجد مراد بك في جرجا الذي بناه اثناء فراره تقربا لقبائل الصعيد (6) دخل العلماء للتشاور، ومعهم شخصيات من كبار التجار، واستقر الرأي على عرض مطالب الناس والدفاع عنها، وتم تشكيل لجنة لإدارة المفاوضات مع إسماعيل بك، واختيار جامع المؤيد عند باب زويلة ليكون مقراً لهذه اللجنة، وفي اليوم التالي امتطى الشيخ العروسي بغلته يحيط به عشرات من المجاورين للحماية وهم يحملون العصي الغليظة، ويشاركهم شباب الحواري والخرطات المحيطة بالأزهر، وخلفه آلاف من الأهالي الغاضبين، وتحركت المسيرة جنوبا نحو مقر مجلس قيادة الثورة فوق باب زويلة. ولما استقروا في مسجد المؤيد شيخ، أرسلوا لإسماعيل بك بمطالبهم، فظن في بادئ الأمر أن الشيخ العروسي هو المحرض على المسيرة، لكن البصاصين أخبروه أن الغضب عارم بين الجموع، وان الشيوخ لم يكن امامهم إلا الاستجابة لمطالب الحشود، حتى لا يحدث مالا تحمد عقباه، فتفهم اسماعل بك حكمة التصرف، وأملى رسالة قال فيها: "لقد تعهدت لكل الطوائف بالأمان، فلينصرفوا غلى بيوتهم واشغالهم، وسوف لا يطالبهم احد بقرض او سواه..". ولما وصلت الرسالة إلى الشيخ الحادي عشر للأزهر الإمام الشافعي أحمد العروسي، اعتبر أنها استجابة صريحة من الحاكم وابلغ الناس، ففرحوا، واحتفلوا، ثم انفضوا وهم يصدقون. (7) لم تمض أيام قليلة حتى كان الجند والفرسان ينتشرون في أنحاء القاهرة ويجمعون الأموال، ولم يتركوا حتى باعة السردين والسماك المملحة، وصغار الصنايعية والحرفيين، وعاد السخط، وزادات الاحتكاكات، وبدا الناس يتسلحون ويتمترسون داخل حواريهم، ويعدون أنفسهم لمواجهة الظلم، وكانت حارة الحسينية قد توسعت وسكنها الكثير من الوافدين، واصبحت من الأحياء المكدسة التي يصعب اقتحامها إذا قرر سكانها إغلاقها، وتوترت العلاقات بين أقطاب السلطة، وتحولت جلسات الديوان العالي إلى اتهامات متبادلة بين إسماعيل بك والشيخ العروسي، وكل منهما يلقي على الآخر باللائمة في زيادة القلاقل وتهور العوام، وفي هذا الأجواء حاول اسماعيل بك التصرف بعيدا عن وساطة الشيوخ، لعدم قدرتهم على تهدئة الناس وامتصاص غضبهم لصالح سياسة الدولة التي تطمح لتعويض الخسائر في خزانة الدولة التي نهبها المماليك قبل فرارهم. حسن بك الجداوي من كبار مماليك علي بك ابو الدهب (8) في هذا الأثناء وافق اسماعيل بك على اقتراح كبير المماليك المتحالفين معه حسن بك الجداوي بتعيين "أحمد اغا" واليا على القاهرة، وأضاف أنه يضمنه بنفسه، بشرط منحه كل السلطات لينفذ مهمة ملء الخزانة، وأعاد أغا سيرة المماليك في السلب والنهب، ولما وجد معاندة وتحريضا في الحسينية بسبب آراء شيخ البيومية ورئيس دراويشه، أرسل جنوده للقبض على شيخ البيومية فتصدى لهم الأهالى وطردوهم، واتجهوا في مسيرة نحو الأزهر، حيث استقبلهم الشيخ العروسي، واتجه لشيخ مصر اسماعيل بك وطلب منه عزل أحمد أغا من ولاية القاهرة، لكنه اعتذر بتودد وقال إنه لايستطيع، لأن أغا من أتباع حسن بك الجداوي، وهو لايريد أن يغضبه!، وتوجه العروسي بعدها إلى الجداوي وطلب منه نفس الطلب ترضية للأهالي الغاضبين، فقال أوافق إذا عزل شيخ البلد ثلاثة من أمراؤه، ولما وصل الشرط لإسماعيل بك أصر أن يعزل والي القاهرة بدون شروط او مبادلات، وخرج الجداوي من القاهرة غاضبا، وعسكر بجنوده قرب ساحل بولاق، بينما طاف تابعه أحمد اغا بموكبه في شوارع القاهرة متحديا سلطة شيخ مصر، ومشاعر الأهالي الثائرين، وأثناء مروره بالقرب من الحسينية هاجمه بعض الأهالي الغاضبين وحدثت صدامات انتهت ببعض القتلى والجرحى، واحتدم الموقف بين الطرفين، وارتفعت لغة الثأر والقصاص.. لقد صار هناك دم....! والثورة مستمرة. [email protected]